التفاسير

< >
عرض

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
٧٩
وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ
٨٠
وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ
٨١
فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ
٨٢
أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
٨٣
قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
٨٤
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٨٥
كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
٨٦
أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
٨٧
خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ
٨٨
إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٨٩
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ
٩٠
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٩١
-آل عمران

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما فرغ من بيان ما أراد من كتمانهم للحق مع الإشارة إلى بعض توابعه إلى أن ختم بأنهم لا يتحاشون من الكذب على الله المقتضي للكذب على الأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم، لأنهم لا علم لهم بقول الله سبحانه وتعالى إلا بواسطة الأنبياء عليهم السلام، ومهما كان القول كذباً على الله سبحانه وتعالى اقتضى أن يكون تعبداً للمنسوب إليه من دون الله سبحانه وتعالى لأنه هو الذي شرعه، وذلك موجب لأن يدعي أن النبي دعا إليه عبادته من دون الله سبحانه وتعالى، وذلك بعد أن اوضح سبحانه وتعالى من صفات عيسى عليه الصلاة والسلام المقتضية لنفي الإلهية عنه ما لا يخفى على ذي لب شرع يبين أنهم كاذبون فيما يدعونه في عيسى عليه الصلاة والسلام، فنفي أن يكون قال لهم ذلك أو شيئاً منه على وجه شامل له ولكل من اتصف بصفته وبسياق هو بمجرده كاف في إبطال قولهم فقال: {ما كان} أي صح ولا تصور بوجه من الوجوه {لبشر} أي من البشر كائناً من كان من عيسى وعزير عليهما الصلاة والسلام وغيرهما {أن يؤتيه الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {الكتاب والحكم} أي الحكمة المهيئة للحكم، وهي العلم المؤيد بالعمل والعمل المتقن بالعلم، لأن أصلها الإحكام، وهو وضع الشيء في محله بحيث يمتنع فساده {والنبوة} وهي الخبر من الله سبحانه وتعالى المقتضي لأتم الرفعة، يفعل الله به ذلك الأمر الجليل وينصبه للدعاء إلى اختصاصه الله بالعبادة وترك الأنداد {ثم} يكذب على الله سبحانه وتعالى بأن {يقول للناس كونوا عباداً لي}.
ولما كان ذلك قد يكون تجوزاً عن قبول قوله والمبادرة لامتثال أمره عن الله سبحانه وتعالى احتراز عنه بقوله: {من دون الله} أي المختص بجميع صفات الكمال إذ لا يشك عاقل أن من أوتي نبوة وحكمة - وهو بشر - في غاية البعد عن ادعاء مثل ذلك، لأن كل صفة من صفاته - لا سيما تغير بشرته الدالة على انفعالاته - مستقلة بالإبعاد عن هذه الدعوى، فلم يبق لهم مستند، لا من جهة عقل ولا من طريق نقل، فصار قول مثل ذلك منافياً للحكمة التي هو متلبس بها، فصح قطعاً انتقاؤه عنه.
ولما ذكر ما لا يكون له أتبعه ما له فقال: {ولكن} أي يقول {كونوا ربانيين} أي تابعين طريق الرب منسوبين إليه بكمال العلم المزين بالعمل، والألف والنون زيدتا للإيذان بمبالغتهم في المتابعة ورسوخهم في العلم اللدني، فإن الرباني هو الشديد التمسك بدين الله سبحانه وتعالى وطاعته، قال محمد بن الحنفية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما مات: مات رباني هذه الأمة: {بما كنتم تعلمون الكتاب} أي بسبب كونكم عالمين به معلمين له {وبما كنتم تدرسون *} فإن فائدة الدرس العلم، وفائدة العلم العمل، ومنه الحث على الخير والمراقبة للخالق.
ولما نفي أن يكون الحكيم من البشر داعياً إلى نفسه وأثبت أنه يكون ولا بد داعياً إلى الله سبحانه وتعالى لتظهر حكمته أثبت أن ذلك لا بد وأن يكون على وجه الإخلاص، لأن بعض الشياطين يحكم مكره بإبعاد التهمة عن نفسه بالدعاء إلى إلى غيره على وجه الشرك لا سيما إن كان ذلك الغير ربانياً كعيسى عليه الصلاة والسلام فقال: {ولا يأمركم} أي ذلك البشر {أن تتخذوا} أتى بصيغة الافتعال إيذاناً بأن الفطر مجبولة على التوجه لله سبحانه وتعالى من غير كلفة {الملائكة والنبيين} فضلاً عن غيرهم {أرباباً} أي مع الله سبحانه وتعالى أو من دونه، ثم بين أن كل عبادة كان فيها أدنى شائبة فهي باطلة بقوله على طريق الإنكار تبرئة لعبادة الخلص من مثل ذلك: {أيأمركم بالكفر} إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى غني، لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه {بعد إذ أنتم مسلمون *} أي منقادون لأحكامه، أو متهيئون للتوحيد على عليّ الفطرة الأولى.
ولما بين سبحانه وتعالى فيما مضى أن التولي عن الرسل كفر، وذكر كثيراً من الرسل فخص في ذكرهم وعمم، ذكر قانوناً كلياً لمعرفة الرسول عنه سبحانه وتعالى والتمييز بينه وبين الكاذب فقال عاطفاً على {إذ أنتم مسلمون} {وإذ أخذ الله} أي الذي له الكمال كله {ميثاق النبيين} أي كافة، والمعنى: ما كان له أن يقول ذلك بعد الإنعام عليكم بالإسلام والإنعام عليه بأخذ الميثاق على الناس - الأنبياء وغيرهم - بأن يؤمنوا به إذا آتاهم، فيكون بذلك الفعل مكفراً لغيره وكافراً بنعمة ربه، وهذا معنى قوله: {لما} أي فقال لهم الله: لما {آتيتكم} وقراءة نافع: آتيناكم، أوفق لسياق الجلالة - قاله الجعبري {من كتاب وحكمة} أي أمرتكم بها بشرع من الشرائع، فأمرتم بذلك من أرسلتم إليه {ثم جآءكم رسول} أي من عندي، ثم وصفه بما يعلم أنه من عنده فقال: {مصدق لما معكم} أي من ذلك الكتاب والحكمة {لتؤمنن به} أي أنتم وأممكم {ولتنصرنه} أي على من يخالفه، فكأنه قيل: إن هذا الميثاق عظيم، فقيل: إنّ، زاد في تأكيده اهتماماً به فقال: {قال ءأقررتم} أي يا معشر النبيين {وأخذتم على ذلكم} أي العهد المعظم بالإشارة بأداة البعد وميم الجمع {إصري} أي عهدي، سمي بذلك لما فيه من الثقل، فإنه يشد في نفسه بالتوثيق والتوثق، ويشتد بعد كونه على النفوس لما لها من النزوع إلى الإطلاق عن عهد التقيد بنوع من القيود، فكأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: {قالوا أقررنا} أي بذلك، فقيل: ما قال؟ فقيل {قال فاشهدوا} أي يا أنبياء! بعضكم على بعض، أو يا ملائكة! عليهم {وأنا معكم من الشاهدين * فمن} أي فتسبب عنه أنه من {تولى} أي منكم أو من أممكم الذي بلغهم ذلك عن نصرة نبي موصوف بما ذكر. ولما كان المستحق لغاية الذم إنما هو من اتصل توليه بالموت لم يقرن الظرف بجار فقال: {بعد ذلك} أي الميثاق البعيد الرتبة بما فيه من الوثاقة {فأولئك} أي البعداء من خصال الخير {هم الفاسقون *} أي المختصون بالخروج العظيم عن دائرة الحق.
ولما كان المدرك لكل نبي إنما هم أمة النبي الذي قبله، وكانوا يكذبونه ويخالفونه قال - خاتماً لهذه القصص بعد الشهادة بنفسه المقدسة بما بدأها به في قوله {شهد الله} الآية إلى {إن الدين عند الله الإسلام} على وجه الإنكار والتهديد عاطفاً على ما دل عليه السياق -: {أفغير} أي أتولوا ففسقوا، فتسبب عن ذلك أنهم غير دين الله، وأورد بأن تقديم "غير" يفهم أن الإنكار منحط على طلبهم اختصاصاً لغير دين الله، وليس ذلك هو المراد كما لا يخفى، وأجيب بأن تقديمه الاهتمام بشأنه في الإنكار، والاختصاص متأخر مراعاته عن نكبة غيره - كما تقرر في محله {دين الله} الذي اختص بصفات الكمال {يبغون} أي يطلبون بفسقهم، أو أتوليتم - على قراءة الخطاب {وله} أي والحال أنه له حاصة {أسلم} أي خضع بالانقياد لأحكامة والجري تحت مراده وقضائه، لا يقدرون على مغالبة قدره بوجه {من في السموات والأرض} وهم من لهم قوة الدفاع بالبدن والعقل فكيف بغيرهم {طوعاً} بالإيمان أو بما وافق أغراضهم {وكرهاً} بالتسليم لقهره في إسلام أحدهم وإن كثرت أعوانه وعز سلطانه إلى أكره ما يكره وهو صاغر داخر، لا يستطيع أمراً ولا يجد نصراً {وإليه يرجعون *} بالحشر، لا تعالجون مقراً ولا تلقون ملجأ ولا مفراً، فإذا كانوا كذلك لا يقدرون على التفصي من قبضته بنوع قوة ولا حيلة في سكون ولا حركة فكيف يخالفون ما أتاهم من أمره على ألسنة رسله وقد ثبت أنهم رسله بما أتى به كل منهم من المعجزة! ومن المعلوم أن المعاند للرسول صلى الله عليه وسلم معاند للمرسل.
ولما تم تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الدعاء إلى شيء غير الله، ثم هدد من تولى، فكان السامع جديراً بأن يقول: أنا مقبل غير متول فما اقول وما أفعل؟ قال مخاطباً لرأس السامعين ليكون أجدر لامتثالهم: {قل} أي قبل كل شيء، أي ملفتاً لمن نفعه هذا التذكير والتهديد فأقبل {آمنا} أنا ومن أطاعني من أمتي - مبكتاً لأهل الكتاب بما تركوه من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن بعده من خلص أبنائه، وأبوه وجادلوا فيه عدواناً وادعوه؛ ثم فصل المأمور بالإيمان به فقال: {بالله} الذي لا كفوء له.
ولما كان الإنزال على الشيء مقصوداً به ذلك الشيء بالقصد الأول كان الأنسب أن يقال: {وما أنزل علينا} فيكون ذلك له حقيقة ولأتباعه مجازاً، وكانت هذه السورة بذلك أحق لأنها سورة التوحيد {وما أنزل على إبراهيم} أي أبينا {وإسماعيل وإسحاق} أي ابنيه {ويعقوب} ابن إسحاق {والأسباط} أي أولاد يعقوب.
ولما كان ما ناله صاحبا شريعة بني إسرائيل من الكتابين المنزلين عليهما والمعجزات الممنوحين بها أعظم مما كان لمن قبلهما غير السياق إلى قوله: {وما أوتي موسى} من أولاد الأسباط من التوراة والشريعة {وعيسى} من ذرية داود من الإنجيل والشريعة الناسخة لشريعة موسى عليهما الصلاة والسلام.
ولما كان النظر هنا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر لكونها سورة التوحيد الذي هو أخلق به وأغرق فيه ناسب الإعراء عن التأكيد بما في البقرة، ونظر إلى الكل لمحاً واحداً فقال: {والنبيون} أي كافة من الوحي والمعجزات ليكون الإيمان بالمنزل مذكوراً مرتين لشرفه {من ربهم} أي المحسن إليهم خاصة وإلى العباد عامة بإرسالهم إليهم؛ ثم استأنف تفسير هذا الإيمان بقوله: {لا نفرق بين أحد منهم} تنبيهاً على الموضع الذي كفر به اليهود والنصارى {ونحن له} أي لله وما أنزل من عنده {مسلمون *} أي منقادون على طريق الإخلاص والرضى.
ولما أمر سبحانه وتعالى بإظهار الإيمان بهذا القول، وكان ذلك هو الإذعان الذي هو الإسلام قال - محذراً من الردة عنه عاطفاً على {آمنا} ومظهراً لما من حقه الإضمار لولا إرادة التنبيه على ذلك مشيراً بصيغة الافتعال إلى مخالفة الفطرة الأولى -: {ومن يبتغ} أي يتطلب {غير} دين {الإسلام} الذي هو ما ذكر من الانقياد لله سبحانه وتعالى المشتمل على الشرائع المعروفة التي أساسها الإيمان بعد التلبس به حقيقة بإظهار اتباع الرسل أو مجازاً بالكون على الفطرة الأولى بما أشعر به الابتغاء - كما تقدم، وكرر الإسلام في هذا السياق كثيراً لكونه في حيز الميثاق المأخوذ بمتابعة الرسول المصدق حثاً على تمام الانقياد له {ديناً} وأتى بالفاء الرابطة إعلاماً بأن ما بعدها مسبب عما قبلها ومربوط به فقال: {فلن يقبل منه} أي في الدنيا، وأشعر ترتيب هذا على السبب بأنه يرجى زوال السبب لأنه مما عرض للعبد كما جرى في الردة في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه، فإنه رجع إلى الإسلام أكثر المرتدين وحسن إسلامهم، وقوله: {وهو في الآخرة من الخاسرين *} معناه: ولا يقبل منهم في الآخرة، مع زيادة التصريح بالخسارة - وهي حرمان الثواب - المنافية لمقاصدهم، والقصد الأعظم بهذا أهل الكتاب مع العموم لغيرهم لإقرارهم بهذا النبي الكريم وتوقعهم له، عالمين قطعاً بصدقه لما في كتبهم من البشارة به.
ولما أخبر سبحانه وتعالى بخسارة من ارتد عن الإسلام شرع يستدل على استحقاقه لذلك بقوله: {كيف يهدي الله} مع ما له من كمال العظمة {قوماً} أي يخلق الهداية في قلوب ناس بهم قوة المحاولة لما يريدونه {كفروا} أي أوقعوا الكفر بالله ربهم وبما ذكر مما أتت به رسله إعراضاَ عنه وعنهم، ولما كان المقصود بكمال الذم من استمر كفره إلى الموت قال من غير جار: {بعد إيمانهم} بذلك كله {وشهدوا} أي وبعد أن شهدوا {أن الرسول حق} بما عندهم من العلم به {وجاءهم البينات} أي القاطعة بأنه حق وأنه رسول الله قطعاً، لا شيء أقوى من بيانه ولا أشد من ظهوره بما أشعر به إسقاط تاء التأنيث من جاء.
ولما كان الحائد عن الدليل بعد البيان لا يرجى في الغالب عوده كان الاستبعاد بكيف موضحاً لأن التقدير لأجل التصريح بالمراد: أولئك لا يهديهم الله لظلمهم بوضعهم ثمرة الجهل بنقض عهد الله سبحانه وتعالى المؤكد بواسطة رسله موضع ثمرة العلم، فعطف على هذا المقدر المعلوم تقديره قوله: {والله} أي الذي له الكمال كله {لا يهدي القوم الظالمين *} أي الغريقين في الظلم لكونه جبلهم على ذلك، تحذيراً من مطلق الظلم، ولما علمت بشاعة خيانتهم تشوف السامع إلى معرفة جزائهم فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {جزاؤهم أن عليهم لعنة الله} أي الملك الأعظم، وهي غضبه وطرده {والملائكة والناس أجمعين *} حتى أنهم هم ليلعنون أنفسهم، فإن الكافر يطبع على قلبه فيظن أنه على هدى ويصير يلعن الكافر ظاناً أنه ليس بكافر، وهذا اللعن واقع عليهم حال تلبسهم بالفعل لوضعهم الشيء في غير محله، فصار كل من له علم يبعدهم لسوء صنيعهم لتبديلهم الحسن بالسيىء، وحذراً من فعل مثل ذلك معه {خالدين فيها} أي اللعنة دائماً.
ولما كان المقيم في الشدة قد تنقص شدته على طول نفي ذلك بقوله: {لا يخفف عنهم العذاب} مفيداً ان عليهم مع مطلق الشدة بالطرد شدائد أخرى بالعقوبة. ولما كان المعذب على شيء ربما استمهل وقتاً ما ليرجع عن ذلك الشيء أو ليعتذر نفى ذلك بقوله: {ولا هم ينظرون *} أي يؤخرون للعلم بحالهم باطناً وظاهراً حالاً ومآلاً، ولإقامة الحجة عليهم من جميع الوجوه، لم يترك شيء نمها لأن المقيم لها منزه عن العجز والنسيان.
ولما انخلعت القلوب بهذه الكروب نفّس عنها سبحانه وتعالى مشيراً إلى أن فيهم - وإن استبعد رجوعهم - موضعاً للرجاء بقوله: {إلا الذين تابوا} أي رجعوا إلى ربهم متذكرين لإحسانه، ولما كان التائب لم يستغرق زمان ما بعد الإيمان بالكفر، وكانت التوبة مقبولة ولو قل زمنها أثبت الجار فقال: {من بعد ذلك} الارتدار حيث تقبل التوبة {وأصلحوا} أي بالاستمرار على ما تقضيه من الثمرات الحسنة {فإن الله} أي الذي له الجلال والإكرام يغفر ذنوبهم لأن الله {غفور} يمحو الزلات {رحيم *} بإعطاء المثوبات، هذه صفة لهم ولكل من تاب من ذنبه.
ولما رغب في التوبة رهب من التواني عنها فقال: {إن الذين كفروا} أي بالله وأوامره، وأسقط الجار لما مضى من قوله {من بعد إيمانهم} بذلك. ولما كان الكفر لفظاعته وقبحه وشناعته جديراً بالنفرة عنه والبعد منه نبه سبحانه وتعالى على ذلك باستبعاد إيقاعه، فكيف بالتمادي عليه فكيف بالازدياد منه! وعبر عن ذلك بأداة التراخي فقال: {ثم ازدادوا كفراً} أي بأن تمادوا على ذلك ولم يبادروا بالتوبة {لن تقبل توبتهم} أي إن تابوا، لأن الله سبحانه وتعالى يطبع على قلوبهم فلا يتوبون توبة نصوحاً يدومون عليها ويصلحون ما فسد، أو لن توجد منهم توبة حتى يترتب عليها القبول لأنهم زادوا عن أهل القسم الأول بالتمادي، ولم يأت بالفاء الدالة على أنه مسبب عما قبله إعلاماً بأن ذلك إنما هو لأنهم مطبوع على قلوبهم، مهيؤون للكفر من أصل الجبلة، فلا يتوبون أبداً توبة صحيحة، فالعلة الحقيقية الطبع لا الذنب، وهذا شامل لمن تاب عن شيء وقع منه كأبي عزة الجمحي، ولمن لم يتب كحيي بن أخطب {وأولئك هم} أي خاصة {الضالون *} أي الغريقون في الضلال, وإليه أشار
{ ولو أسمعهم لتولوا } [الأنفال: 23] لوقوعهم في أبعد شعابة وأضيق نقابه، فأنى لهم بالرجوع منه والتقصي عنه!
ولما أثبت لهم الخصوصية بذلك لائناً لهم فيه إلى حد أيس معه من رجوعهم تشوف السامع إلى حالهم في الآخرة فقال مبيناً لهم أن السبب في عدم قبول توبتهم تفويت محلها بتماديهم على الكفر: {إن الذين كفروا} أي هذا الكفر أو غيره، ويجوز أن يكون المراد أنهم ثلاثة أقسام: التائبون توبة صحيحة وهم الذين أصلحوا، والتائبون توبة فاسدة، والواصلون كفرهم بالموت من غير توبة، ولذا قال: {وماتوا وهم كفار} ولما كان الموت كذلك سبباً للخلود في النار لأن السياق للكفر والموت عليه، صرح بنفي قبول الفداء كائناً من كان، وربطه بالفاء فقال: {فلن يقبل} أي بسبب شناعة فعلهم الذي هو الاجتراء على الكفر ثم الموت عليه {من أحدهم} أي كائناً من كان {ملء الأرض ذهباً} أي من الذهب, لا يتجدد له قبول ذلك لو بذله هبة أوهدية أو غير ذلك {ولو افتدى به} لو في مثل هذا السياق تجيء منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء، وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها، كقوله صلى الله عليه وسلم
" أعطوا السائل ولو جاء على فرس " فكونه جاء على فرس يؤذن بغناه، فلا يناسب أن يعطى فنص عليه؛ وأما هنا فلما كان قبول الفدية واجباً عند أهل الكتاب - كما مر في قوله سبحانه وتعالى { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم } [البقرة: 85] كان بحيث ربما ظن أن بذله - على طريق الافتداء يخالف بذله على غير ذلك الوجه حتى يجب قبوله، فنص عليه؛ وأيضاً فحالة الافتداء حالة لا يمتن فيها المفتدي على المفتدى منه، إذ هي حالة قهر من المفتدى منه للمفتدى - قاله أبو حيان. فالمعنى: لا يقبل من أحدهم ما يملأ الأرض من الذهب على حال من الأحوال ولو على حال الافتداء، والمراد بالمثال المبالغة في الكثرة، أي لا يقبل منه شيء؛ وإنما اقتصر على ملء الأرض لأنه أكثر ما يدخل تحت أوهام الناس ويجري في محاوراتهم - والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولما تشوف السامع إلى معرفة ما يحل بهم أجيب بقوله: {أولئك} أي البعداء من الرحمة {لهم عذاب أليم} ولعظمته أغرق في النفي بعده بزيادة الجار فقال: {وما لهم من ناصرين *} أي ينصرونهم بوجه من الوجوه، فانتفى عنهم كل وجه من وجوه الاستنقاذ.