التفاسير

< >
عرض

وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ
١٢٨
وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
١٢٩
يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ
١٣٠
-الأنعام

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما فصل سبحانه أحوال الفريقين، وحض على التذكر تنبيهاً على أن كل ما في القرآن مما يهدي إليه العقل، وذكر مآل المتذكرين فأفهم أن غيرهم إلى عطب، لأنهم تولوا ما يضرهم لأنهم تبعوا شهواتهم، وكان من المعلوم أنهم يعبدون غير مالكهم، وأنه ما من عبد يخدم غير سيده بغير أمر سيده إلاّ عاتبه أو عاقبه، هذا مركوز في كل عقل؛ ذكر سبحانه ما يتقدم ذلك المآل من الأهوال في الأجل المسمى الذي أخفاه عنده وجعله من أعظم مباني هذه السورة، وأبهمه في أولها، وبيّن في أثنائها بعض أحواله مراراً في وجوه من أفانين البيان، وهو يوم الحشر، فذكر هنا سبحانه بعض أحوال الغافلين وبعض ما يقول لهم فيه وما يفعله معهم من عتاب وعقاب، لطفاً بهم واستعطافاً إلى المتاب، فقال جامعاً الفريقين {ويوم} أي اذكر في تذكرك يوم {يحشرهم} أي أهل ولايتنا وأهل عداوتنا {جميعاً} لا نذر منهم أحداً {يا} أي فنقول على لسان من نشاء من جنودنا لأهل عداوتنا تبكيتاً وتوبيخاً حين لا يكون لهم مدافعة أصلاً: {معشر الجن} أي المستترين الموحشين من مردة الشياطين المسلطين على الإنس، وهم يرونهم من حيث لا ترونهم {قد استكثرتم} أي طلبتم وأوجدتم الكثرة {من الإنس} أي من إغواء المؤنسين الظاهرين حتى صار أكثرهم أتباعكم، فالآية من الاحتباك: عبر بما يدل على الستر أولاً دلالة على ضده - وهو الظهور - ثانياً، وبما معناه الاستئناس والسكون ثانياً دلالة على ضده وهو الإيحاش والنفرة - أولاً. {وقال} هو عطف على جواب الجن المستتر عن العامل في "يا معشر" الذي تقديره كما يهدي إليه الآيات التي تأتي في السورة الآتية في تفصيل هذه المحاورة: فقالوا: ربنا هم ضلوا، لأنهم كانوا يستمعون بنا في نفوذهم وسماعهم الأخبار الغريبة منا، فاستوجبوا العذاب بمفردهم، وستر جواب الجن لأنه - مع كونه لا يخفى لدلالة المعطوف عليه- مناسب لحالهم في الاستتار مع شهرتهم، وذكره بلفظ الماضي إشارة إلى تحقق وقوعه، لأنه خبر من لا يخلف الميعاد، والمراد بهذه المحاورة ضرب مما يأتي تفصيله بقوله { قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا } [الأعراف: 38] - الآية، وقوله {فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً} - الآية {أولياؤهم} أي الجن {من الإنس} أي الذين تولوهم بالاتباع والطاعة فيما دعوهم إليه من الضلال، معترفين مستعطفين {ربنا} أيها المربي لنا المحسن إلينا {استمتع} أي طلب المتاع وأوجده {بعضنا ببعض} نحن بهم فيما قالوا، وهم بنا في طاعتنا لهم وعياذنا بهم {وبلغنا} أي نحن وهم {أجلنا} وأحالوا الأمر على القدر فقالوا: {الذي أجلت لنا} وهو الموت الذي كتبته علينا وسويت بيننا في سوط قهره وتجرع كؤوس حره وقره، ثم هذا اليوم الذي كنا مشتركين في التكذيب به، فاستوجبنا العذاب كلنا.
ولما تم ذلك كان كأنه قيل: فما قال الله لهم بعد هذه المحاورة الغريبة التي هي ضرب من كلام أهل الباطن في الدنيا لجلج مضطرب لا حاصل له؟ فقيل: {قال} أي المخاطب لهم عن الله {النار مثواكم} أي منزلكم جميعاً من غير أن تنفعكم الإحالة على القدر {خالدين فيها} أي إلى ما لا آخر له، لأن الأعمال بالنية وقد كنتم على عزم ثابت أنكم على هذا الكفر ما بقيتم ولو إلى ما لا آخر له، فالجزاء من جنس العمل.
ولما كان من المقرر أنه لا تمام لملك من يجب عليه شيء ويلزمه بحيث لا يقدر على الانفكاك عنه، بين سبحانه أن ملكه ليس كذلك، بل هو على غاية الكمال، لا يجب عليه شيء بل كل فعله جميل، وجميع ما يبدو منه حسن، فعلق دوام عذابهم على المشيئة فقال: {إلا ما شاء} ولما كان القصد في هذه السورة إلى إظهار العظمة للغيرة على مقام الإلهية، عبر بالاسم الأعظم فقال: {الله} أي الذي له رداء الكبر فلا يستطيع أحد أن يعترض عليه ولا أن يهم بذلك، هيهات هيهات! انقطعت دون ذلك الآمال، فظلت ناكسة أعناق الرجال، وبيده إزار العز، فمن اختلج في سره أن يرفع ناكس عنقه ضربه بمقامع الذل، وأنزله في مهاوي الخزي، وقد تقرر أنه سبحانه لا يشاء انقطاع شيء من ذلك عنهم في حال من الأحوال، ونطق الكتاب بذلك في صرائح الأقوال، وفي سوقه معلقاً هكذا مع ما تقدم زيادة في عذابهم بتعليق رجائهم من انقطاع بلائهم بما لا مطمع فيه.
ولما كان في إظهار الجلال في هذا الحال من عظيم الأهوال ما لا يسعه المقال، أتبعه اللطف بالمخاطب به صلى الله عليه وسلم فقال: {إن ربك} أي المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك.
ولما كان السياق - في مثل هذه المقاولة في مجمع الحكم - للحكمة والعلم، وكان النظر إلى الحكمة في تنزيل كل شيء منزلة أعظم، قدم وصفها فقال: {حكيم} أي فلا يعذب المخلص ويترك المشرك ولا يعذب بعض من أشرك ويترك بعضاً {عليم *} أي بدقائق الأمور وجلائلها من الفريقين، فلا يخفى عليه عمل أحد فيهمله لذلك.
ولما استبان بهذا أنه ولّى الكفرة من ظالمي الجن ظالمي الإنس وسلطهم عليهم، أخبر تعالى أن هذا عمله مع كل ظالم من أي قبيل كان سواء كان كافراً أو لا فقال: {وكذلك} أي ومثل تلك التولية التي سلطنا بها الجن على الإنس بما زاد عذاب الفريقين {نولي} أي نتبع في جميع الأزمان من جميع الخلق {بعض الظالمين} أي الغريقين في الظلم {بعضاً} أي بأن نجمع بين الأشكال، في الأوصاف الباطنة والخصال، ونسلط بعضهم على بعض في الضلال والإضلال، والأوجاع والأنكال {بما كانوا} بجبلاتهم {يكسبون *} أي بسبب اجتماعهم في الطباع التي طبعناهم عليها يجتمعون وينقاد بعضهم لبعض، بحسب ما سببنا من الأسباب الملائمة لذلك الظلم الذي يسرناه لهم، حتى صارت أعمالهم كلها في غير مواضعها، فيظلم بعضهم بعضاً ويهلك بعضهم بعضاً، وهم لا يزدادون إلا الالتئام حتى يستحق الكل ما كتبنا لهم من عذاب؛ روى الطبراني في الأوسط ن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن الله عزّ وجلّ يقول: أنتقم ممن أبغض بمن أبغض ثم أصيّر كلاًّ إلى النار" وعن مالك بن دينار قال: رأيت في بعض كتب الله المنزلة أن الله تعالى يقول: افني أعدائي بأعدائي ثم أفنيهم بأوليائي. أو يقال: فقد أخبرنا أن الله عزّ وجلّ ولى المؤمنين بسبب محاسن أعمالهم، ومثل ما ولاهم ليعزهم يولي بعض الظلمة بعضاً ليهينهم بسبب ما كانوا يتعاطونه من مساوئ الأعمال ورديء الخلال وغث الخصال فيؤديهم إلى مهلك الأوجاع والأوجال، أو يقال: فقد بان أن كلاًّ من ظالمي الإنس والجن كان ولياً لكل، وكما جعلنا بعضهم أولياء بعض في الدنيا نفعل إذا حشرناهم في النار فنجعل بعضهم أولياء - أي أتباع بعض، ليستمتع بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضاً إن قدروا، وهيهات منهم ذلك هيهات! شغلهم البكاء والعويل والندم والنحيب.
ولما انقضت هذه المحاورة وما أنتجته من بغيض الموالاة والمجاورة وكان حاصلها أنها موالاة من ضرت موالاته، أتبعها سبحانه بمحاورة أخرى حاصلها معاداة من ضرت معاداته، فقال مبدلاً من الأولى إتماماً للتقريع والتوبيخ والتشنيع: {يا معشر الجن} قدمهم لأن السياق لبيان غلبتهم {والإنس} وبكتهم بقوله محذراً للسامعين الآن ومستعطفاً لهم إلى التوبة: {ألم يأتكم رسل} ولما صار القبيلان بتوجيه الخطاب نحوهم دفعة كالشيء الواحد قال: {منكم} وإن كان الرسل من الإنس خاصة.
ولما كان النظر في هذه السورة إلى العلم غالباً لإثبات تمام القدرة الذي هو من لوازمه بدليل
{ يعلم سركم وجهركم } [الأنعام: 3]، { أليس الله بأعلم بالشاكرين } [الأنعام: 53] { وعنده مفاتح الغيب } [الأنعام: 59] وغيرها، ولذلك أكثر فيها من ذكر التفصيل الذي لا يكون إلاّ للعالم، كان القص - الذي هو تتبع الأثر - أنسب لذلك فقال {يقصون} بالتلاوة والبيان لمواضع الدلائل {عليكم آياتي} أي يتبعون بالعلامات التي يحق لها بما لها من الجلال والعظمة أن تنسب إلى مواضع شبهكم، فيحلونها حلاً مقطوعاً به {وينذرونكم} أي يخوفونكم {لقاء يومكم هذا} أي بما قالوا لكم أنه يطلبكم طلباً حثيثاً وأنتم صائرون إليه في سفن الأيام ومراكب الآثام وأنتم لا تشعرون سيراً سريعاً {قالوا} معذرين من أنفسهم بالذل والخضوع {شهدنا} بما فعلت بنا أنت سبحانك من المحاسن وما فعلنا نحن من القبائح {على أنفسنا} أي بإتيان الرسل إلينا ونصيحتهم لنا بدليل الآية الأخرى { قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } [الزمر: 71] وبين أن ضلالهم كان بأردإ الوجوه وأسخفها الدنيا، بحيث إنهم اغتروا بها مع دناءتها لحصورها عن الآخرة مع شرفها لغيابها فقال: {وغرتهم} أي شهدوا هذه الشهادة والحال أنهم قد غرتهم {الحياة الدنيا} أي الحاضرة عندهم إذ ذاك الدنية في نفسها لفنائها، عن اتباع الرسل دأب الجاهل في الرضى بالدون والدابة في القناعة بالحاضر، فشهادتهم ضارة بهم، ولكن لم يستطيعوا كتمانها، بل {وشهدوا} أي في هذا الموطن من مواطن القيامة الطوال {على أنفسهم} أيضاً بما هو أصرح في الضرر عليهم من هذا، وهو {أنهم كانوا} جبلة وطبعاً {كافرين *} أي غريقين في الكفر، ويجوز أن يكون الغرور بأنهم ظنوا أحوال الآخرة تمشي على ما كانوا يألفونه في الدنيا من أن الاعتراف بالذنب والتكلم بالصدق قد ينفع المذنب ويكف من سورة المغضب حتى يترك العقاب ويصفح عن الجريمة، فلذلك شهدوا بإتيان الرسل إليهم وإقامة الحجة عليهم، وشهدوا على أنفسهم بالكفر، فما زادهم ذلك إلا وبالاً وحزناً ونكالاً.