التفاسير

< >
عرض

وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٢٥
وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٢٦
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٧
-الأنفال

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان لمجيب ربما قال: ليس عليّ إلا الإجابة في خاصة نفسي، وليس عليّ تعريض نفسي للأذى بالأخذ على يد غيري، نبَّه سبحانه على أن ذلك منابذة للدين واجتثاث له من أصله، لأن ترك العاصي على عصيانه كترك الكافر على كفرانه، وذلك موجب لعموم البلاء، ومزيد القضاء فقال تعالى: {واتقوا فتنة} أي بلاء مميلاً محيلاً إن لا تتقوه يعمكم، هكذا كان الأصل، لكن لما كان نهي الفتنة على إصابتهم أروع من سوق ذلك مساق الشرط ومن نهيهم عن التعريض لها لما فيه من تصوير حضورها وفهمها للنهي أتى به، ولما كان نهيها عن تخصيص الظالم أشد روعة لإفهامه، أمرها بأن تعم؛ قال مجيباً للأمر: {لا تصيبن} ولحقه نون التأكيد لأن فيه معنى النهي {الذين ظلموا} أي فعلوا بموافقة المعصية ما لا يفعله إلا من لا نور له {منكم} أيها المأمورن بالتقوى {خاصة} أي بل تعمكم، فهو نهي للفتنة والمراد نهي مباشرتها، أي لا يفعل أحد منكم الذنب يصبكم أثره عموماً أو لا يباشر أسباب العذاب بعضكم والبعض الآخر مقر له يعمكم الله به، وذلك مثل: لا أرينك هاهنا، والمعنى فكن هاهنا فأراك فالتقدير: واجعلوا بينكم وبين البلاء العام وقاية بإصلاح ذات بينكم واجتماع كلمتكم على أمر الله ورد من خالف إلى أمر الله ولا تختلفوا كما اختلفتم في أمر الغنيمة فتفشلوا فيسلط عليكم عذاب عام من أعدائكم أو غيرهم، فإن كان الطائع منكم أقوى من العاصي أو ليس أضعف منه فلم يرده فقد اشترك الكل في الظلم، ذلك بفعله وهذا برضاه، فيكون العذاب عذاب انتقام للجميع؛ روى أصحاب السنن الأربعة وحسنه الترميذي عن أبي الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبة خطبها: أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية وتأولونها على خلاف تأويلها { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلَّ إذا اهتديتم } [المائدة: 105] إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده" ؛ وللترمذي وحسنه عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والذي نفسي بيد! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم" ؛ وللإمام أحمد عنه رضي الله عنه أنه قال: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتحاضن على الخير أو ليسحتنكم الله جميعاً بعذاب أو ليؤمرن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم. وهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي، فإن كان الطائع أضعف من العاصي نزل على ما روى أبو داود والترمذي - وحسنه - وابن ماجه عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أنه قيل له: "كيف تقول في هذه الآية {عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] فقال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودينا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله، قال: يارسول الله! أجر خمسين رجلاً منهم؟ قال: أجر خمسين منكم" . والأحاديث في مثله كثيرة، وحينئذ يكون العذاب للعاصي نقمة وللطائع رحمة ويبعثون على نياتهم.
ولما حذرهم سبحانه عموم البلاء، أتبعه الإعلام بأنه قادر مربوب ليلزموا سبيل الاستقامه فقال: {واعلموا أن الله} أي الذي له الإحاطة بصفات العظمة {شديد العقاب*}.
ولما كان من أشد العقاب الإذلال، حذرهموه بالتذكير بما كانوا فيه من الذل، لأنه أبعث على الشكر وأزجر عن الكفر فقال: {واذكروا} وذكر المفعول به فقال: {إذ أنتم} أي في أوائل الإسلام {قليل} أي عددكم.
ولما كان وجود مطلق الاستضعاف دالاً على غاية الضعف بنى للمفعول قوله: {مستضعفون} أي لا منفذ عندكم {في الأرض} أطلقها والمراد مكة، لأنها لعظمها كأنها هي الأرض كلها، ولأن حالهم كان في بقية البلاد كحالهم فيها أو قريباً من ذلك، ولذلك عبر الناس في قوله: {تخافون} أي في حال اجتماعكم فكيف عند الانفراد {أن يتخطفكم} أي على سبيل التدريج {الناس} أي كما تتخطف الجوارح الصيود، فحذرهم سبحانه - بالتنبيه على قادر على أن يعيدهم إلى ما كانوا عليه - من هذه الأحوال بالمخالفة بين كلمتهم وترك التسبب إلى اجتماعها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي ذلك أيضاً إشارة إلى أنهم لما كانوا في تلك الحالة التي هي في غاية الضعف، وكانت كلمتهم مجتمعه على أمر الله الذي هو توحيده وطاعة رسوله، أعقبهم الإيواء في دار منيعة، قد أيدهم بالنصر وأحسن رزقهم، وذلك معنى قوله تعالى مسبباً عما قبله: {فآواكم} أي في دار الهجرة رحمة لكم {وأيدكم بنصره} أي بأهلها مع الملائكة {ورزقكم من الطيبات} أي الغنائم الكاملة الطيبة بالإحلال وعدم المنازع التي لم تحل لأحد قبلكم وغيرها {لعلكم تشكرون*} أي ليكون حالكم حال من يرجى شكره، فيكون بعيداً عن المنازعه في الأنفال، وذلك إشارة إلى أنهم مهما استمروا على تلك الحالة، كان - بإقبالهم على مثل ما أتاهم به وزادهم من فضله - أن جعلهم سادة في الدارين بما يهب لهم من الفرقان الآتي في الآية بعدها والتوفيق عند إتيانه، فالآية منصبة إلى الصحابه بالقصد الأول وهي صالحة للعرب كافة فتنصرف إليهم بالقصد الثاني؛ قال قتادة: كان هذا الحي من العرب أذل الناس وأشقاهم عيشاً وأجوعهم بطناً وأعراهم جلداً وأبينهم ضلالاً، من عاش شقياً ومن مات منهم تردى في النار معكوفين على رأس الحجرين الشديدين: فارس والروم، يؤكلون ولا يأكلون، وما في بلادهم شيء عليه يحسدون حتى جاء الله بالإسلام، فمكن لهم من البلاد ووسع لهم في الرزق والغنائم وجعلهم ملوكاً على قارب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم يحب شكره والشاكر في مزيد من الله تعالى.
ولما ختم الآية هو في غاية النصيحة منه تعالى لهم من الإيواء والنصر والرزق الطيب المشار به إلى الامتنان بإحلال المنعم، وختم ذلك بالحث على الشكر؛ نهانا عن تضييع الشكر في ذلك بالخيانة في أوامره بالغلول أو غيره فقال: {يا أيها الذين آمنوا} تذكيراً بما ألزموا به أنفسهم من الوفاء {لا تخونوا الله} أي تنقصوا من حقوق الملك الأعظم، فإن أصل الخون النقص ثم استعمل في ضد الأمانه والوفاء فصارت نقصاً خاصاً {والرسول} بغلول ولا غيره، بل أدوا الأمانه في جميع ذلك، ولعله كرر العامل في قوله: {وتخونوا آماناتكم} من الفرائض والحدود والنوافل وغيرها إشارة إلى أن الخيانتين مختلفتان، فخيانتهم لله حقيقة، وخيانتهم للأمانه استعارة، لأن حاملها لما أخلَّ بها كان كأنه خانها؛ وخفف عنهم بقوله: {وأنتم تعلمون*} حال الغفلة ونحوها، ويجوز أن يكون المفعول غير مراد فيكون المعنى: وأنتم علماء، ويكون ذلك مبالغة في النهي عنها بأنهم جديرون بأن لا يقبل منهم عذر بجهل ولا نسيان لأنهم علماء، والعالم هو العارف بالله، والعارف لا ينبغي أن ينفك عن المراقبة.