التفاسير

< >
عرض

فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ
٥٥
وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ
٥٦
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ
٥٧
وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ
٥٨
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ
٥٩
-التوبة

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما انتفى عن أموالهم النفع الأخروي الذي هو النفع، تسبب عن ذلك الزهد فيها الموجب لعدم الالتفات إليها وعدم اعتقاد أن فيها بركة ودلالة على خير، فقال - مبيناً ما فيها من الفساد الذي يظن أنه صلاح: {فلا} - بفاء السبب، فالسياق ابلغ من سياق الآتية بعد النهي عن الصلاة عليهم {تعجبك أموالهم} أي وإن أنفقوها في سبيلي وجهزوا بها الغزاة. فإن ذلك عن غير إخلاص منهم ولا حسن نية ولا جميل طوية، وإنما هو لما أذلهم من عزة الإسلام وأخافهم من سطوة الانتقام فهو من جملة العذاب، وعطف عليها الأولاد لمشاركتها لها في الملاذ والقوة والاستعمال في الجهاد، فقال مؤكداً للنفي بإعادة النافي: {ولا أولادهم} فكأنه قيل: فماذا يراد بإعطائهم ذلك؟ ولو منعوها وأعطيها المخلصون لكان قوة للدين، فقال: {إنما يريد الله} أي يوقع الإرادة لهم بها الملك الذي له الإحاطة بجميع الحكمة كما أن له الإحاطة بتمام القدرة، وأبلغ في الحصر بإدخال اللام في قوله: {ليعذبهم} أي لأجل أن يعذبهم {بها في الحياة} أي وإن كان يتراءى أنها لذيذة، لأن ذلك من شأن الحياة فإنما هي لهم موت في الحقيقة {الدنيا} أي تارة بجمعها وتربيتها وتارة ببذلها كرهاً في سبيل الله أو في تزكيتها وتارة بغيرذلك {وتزهق} أي وإنما يريد بتمكينهم منا لأجل أن يخرج وقت الموت بغاية الصعوبة {أنفسهم} أي بسببها {وهم} أي والحال أنهم {كافرون*} أي عريقون في الكفر، وهكذا كل من أراد استدراجه سبحانه فإنه في الغالب يكثر أموالهم وأولادهم لنحو هذا لأنهم إذ رأوا زيادتهم بها على بعض المخلصين ظنوا أن ذلك إنما هو لكرامتهم وحسن حالتهم فيستمرون عليها حتى يموتوا فهو سبحانه لم يرد بها منحتهم بل فتنتهم ومحنتهم، وأما الدين فإن القادر يقويه بغير ذلك فيكون أظهر لدليله وأوضح لسبيله؛ فالحاصل أنه ظهر لهم أنهم أكرموا بها وخفي عنهم أنها سبب لعذابهم في الحياة باتكالهم عليها، وفي الممات بصعوبته عليهم المشار إليه بالزهوق، وفي الآخرة بسبب موتهم على حال الكفر باستدراجهم بها، وأما المؤمن فلا يموت حتى يرى من الثواب ما يسليه عن كل شيء فيشتاق إلى لقاء الله وتخرج نفسه وهو في غاية المحبة لخروجها لأن البدن عائق له عما يرى.
ولما وضح بهذه الأمور منابذتهم للمؤمنين وخروجهم من ربقة الدين المصحح لوصفهم بالفسق، أوضح لبساً آخر من أحوالهم يقيمونه بالأيمان الكاذبه فقال: {ويحلفون} أي طلبوا لكم الفتنة والحال انهم يجددون الأيمان {بالله} أي على ما له من تمام العظمة {إنهم} أي المنافقين {لمنكم} أي أيها المؤمنون على اعتقادكم باطناً كما هم ظاهراً {وما} أي والحال أنهم ما {هم} صادقين في حلفهم أنهم {منكم ولكنهم قوم} أي مع أن لهم قوة وقياماً فيما يحاولونه {يفرقون*} أي يخافون منكم على دمائهم خوفاً عظمياً يفرق همومهم فهو الملجىء لهم إلى الحلف كذباً على التظاهر بالإسلام، فكأنه قيل: فما لهم يقيمون بيننا والمبغض لا يعاشر من يبغضه؟ فقيل: لأنهم لا يجدون ما يحميهم منكم {لو يجدون ملجئاً} أي شيئاً يلجؤون إليه من حصن أو جبل أو قوم يمنعونهم منكم {أو مغارات} في الجبال تسعهم، جمع مغارة - مفعلة من غار في الشيء - إذا دخل فيه، والغور: ما انخفض من الأرض.
ولما كانت الغيران - وهي النقوب في الجبال - واسعة والوصول إليها سهلاً، قال: {أو مدخلاً} أي مكاناً يدخلونه يغاية العسر والصعوبة لضيقه أو لمانع في طريقه أو قوماً يداخلونهم وإن كانوا يكرهونهم - بما أرشد إليه التشديد: {لولوا إليه} أي لاشتدوا في التوجه إليه متولين مرتدين عنكم على أعقابهم {وهم يجمحون*} أي حالهم حال الدابة التي كانت مسرعة في طواعية راكبها فإذا هي قد نكصت على عقبها ثم أخذت في غير قصده بغاية الإسراع ونهاية الرغبة والداعية لا يردها بئر تقع فيه ولا مهلكة ولا شيء.
ولما قرر حال من يتخلف عن الجهاد، وربما بذل ماله فيه افتداء لسفره، شرع في ذكر من يشاركه في الإنفاق والنفاق ويخالفه فقال: {ومنهم من يلمزك} أي يعيبك عند مشاكليه على طريق الملازمة في ستر وخفاء أو تظاهر وقلة حياء {في الصدقات} أي اللاتي تؤتيها لأتباعك، ولما أخبر عن اللمز، أخبر أنه لحظ نفسه لا للدين فقال: {فإن أعطوا منها رضوا} أي عنك {وإن لم يعطوا منها} فاجؤوا السخط الذي يتجدد في كل لحظة ولم يتخلفوا عنه أصلاً، وعبر عن ذلك بقوله: {إذا هم يسخطون*} فوافقوا الأولين في جعل الدنيا همهم، وخالفوهم في أن أولئك أنفقوا ليتمتعوا بالتخلف وهؤلاء طلبوا ليتنعموا بنفس المال الذي يأخذونه؛ قيل: إنها نزلت في ذي الخويصرة لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم حنين: اعدل يامحمد! فإني لم أرك تعدل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
"ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟" وسيأتي حديثة.
ولما أخبر تعالى عن حالهم السيىء الدنيء الذي لا يجديهم في الدنيا ويهلكهم في الأخرى، نبههم على ما هو الأصلح لهم من الحال الشريف السني فقال: {ولو أنهم} أي المنافقين {رضوا ما آتاهم الله} أي المنعم بجميع النعم لأن له جميع الكمال {ورسوله} الذي عظمته من عظمته قل ذلك المؤتي أو كثر طال زمنه أو قصر {وقالوا} أي مع الرضى {حسبنا الله} أي كافينا لأن له جميع العظمة فهو الغني المطلق.
ولما كانت الكفاية تارة تكون بالتنجيز العاجل وتارة بالوثوق بالوعد الآجل، بين أن الثاني هو المراد لأنه أدل على الإيمان فقال: {سيؤتينا الله} أي الملك الأعظم بوعد لا خلف فيه واعتقدوا أن لا حق لأحد فقالوا: {من فضله ورسوله} أي الذي لا يخالف أمره، على ما قدر لنا في الأزل؛ ثم عللوا ذلك بقولهم: {إنا إلى الله} أي المستجمع لصفات الكمال وحده {راغبون*} أي عريقون في الرغبة، فلذلك نكتفي بما يأتي من قبله كائناً ما كان، أي لكان ذلك خيراً لهم لأنه لا ينالهم إلا ما قسم سبحانه لهم شاؤوا أو أبوا.