التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً
٨٣
فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً
٨٤
يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً
٨٥
وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً
٨٦
لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً
٨٧
-مريم

الدر المنثور في التفسير بالمأثور

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا‏ً}‏ قال‏:‏ تغويهم إغواء‏.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏تؤزهم‏} ‏ قال‏:‏ تحرض المشركين على محمد وأصحابه‏.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏تؤزهم أزا‏ً} ‏ تشليهم أشلاء‏.‏
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏تؤزهم أزاً‏} ‏ قال‏:‏ تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله‏.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏ {‏ألم تر أنَّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً‏} ‏ قال‏:‏ كقوله‏:‏
‏{ { ‏ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا‏ً } ‏[‏الزخرف: 36‏]‏‏.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف، عن ابن عباس‏:‏ أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله‏:‏ ‏ {‏تؤزهم أزا‏ً} ‏ قال‏:‏ توقدهم وقوداً‏.‏ قال فيه الشاعر‏:‏

حكيم أمين لا يبالي بخلبة إذا أزه الأقوام لم يترمرم

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏إنما نعد لهم عدا‏ً} ‏ يقول‏:‏ أنفاسهم التي يتنفسون في الدنيا، فهي معدودة، كسنهم وآجالهم‏.
وأخرج عبد بن حميد، عن أبي جعفر محمد بن علي في قوله‏:‏ ‏ {‏إنما نعد لهم عدا‏ً} ‏ قال‏:‏ كل شيء حتى النفس‏.‏
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا‏ً} ‏ قال‏:‏ ركبانا‏ً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر، عن أبي هريرة ‏{‏يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا‏ً} ‏ قال‏:‏ على الإبل‏.
وأخرج عبد بن حميد، عن أبي سعيد رضي الله عنه ‏ {‏يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا‏ً} ‏ قال‏:‏ على نجائب رواحلها من زمرد وياقوت، ومن أي لون شاء‏.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله‏:‏ ‏{‏يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً‏} ‏ قال‏:‏ إلى الجنة‏.
وأخرج عبد بن حميد، عن الربيع ‏ {‏يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا‏ً} ‏ قال‏:‏ يفدون إلى ربهم، فيكرمون ويعطون ويحيون ويشفعون‏.
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم‏ -
‏ ‏"‏ "يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق‏:‏ راغبين، وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا"
‏"‏‏. وأخرج ابن مردويه، عن علي، "عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله‏:‏ ‏{‏يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا‏ً} ‏ قال‏:‏ أما والله ما يحشرون على أقدامهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يؤتون من الجنة، لم تنظر الخلائق إلى مثلها‏:‏ رحالها الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيقعدون عليها، حتى يقرعوا باب الجنة‏" .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبدالله بن أحمد وفي زوائد المسند وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن علي رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ‏ {‏يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا‏ً}‏ فقال‏:‏ أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة، لم تنظر الخلائق إلى مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها، حتى يطرقوا باب الجنة‏.
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق،
"‏عن علي قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ‏{‏يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا‏ً} ‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، هل الوفد إلا الركب‏؟‏ قال النبي - صلى الله عليه وسلم‏ -‏ والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة منها مثل مد البصر، وينتهون إلى باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء، على صفائح الذهب وإذا شجرة على باب الجنة ينبع من أصلها عينان، فإذا شربوا من إحدى العينين فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً، فيضربون بالحلقة على الصفيحة، فلو سمعت طنين الحلقة يا علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتستخفها العجلة، فتبعث قيمها فيفتح له الباب، فإذا رآه خر له ساجداً، فيقول‏:‏ ارفع رأسك فإنما أنا قيمك، وكلت بأمرك‏.‏ فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت، حتى تعتنقه، ثم تقول‏:‏ أنت حبي، وأنا حبك وأنا الراضية، فلا أسخط أبداً، وأنا الناعمة فلا أبأس أبداً، وأنا الخالدة فلا أموت أبداً، وأنا المقيمة فلا أظعن أبداً، فيدخل بيتاً من أساسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بني على جندل اللؤلؤ والياقوت طرائق حمر، وطرائق خضر، وطرائق صفر، ما منها طريقة تشاكل صاحبتها‏.‏ وفي البيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون فراشاً، عليها سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضي جماعهن في مقدار ليلة من لياليكم هذه، تجري من تحتهم الأنهار؛ أنهار مطردة ‏{أنهار من ماء غير آسن‏}‏ ‏[‏محمد: 15‏]‏ صاف ليس فيه كدور ‏{‏وأنهار من لبن لم يتغير طعمه‏}‏ ‏[‏محمد: 15‏]‏ ولم يخرج من ضروع الماشية‏.‏ ‏{‏وأنهار من خمر لذة للشاربين‏}‏ ‏[محمد: 15‏]‏ لما يعصرها الرجال بأقدامها‏.‏ ‏{‏وأنهار من عسل مصفى} ‏[‏محمد: 15‏]‏ لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار فإن شاء أكل قائماً، وإن شاء أكل قاعداً، وإن شاء أكل متكئاً، فيشتهي الطعام فيأتيه طير بيض أجنحتها فيأكل من جنوبها، أي لون شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملك فيقول‏:‏ ‏{‏سلام عليكم‏} ‏[الزمر: 73‏]‏ {‏تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون‏}‏ ‏[‏الأعراف: 43‏]‏‏" .
وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق مسلم بن جعفر البجلي قال‏:‏ سمعت أبا معاذ البصري‏:‏ أن علياً قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون بنوق لها أجنحة عليها رحال الذهب، شرك نعالهم نور تلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة، ينبع من أصلها عينان، فيشربون من احداهما، فيغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث أبشارهم، ولا أشعارهم بعدها أبداً، وتجري عليهم نضرة النعيم، فيأتون باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفحة، فيسمع لها طنين فيبلغ كل حوراء‏:‏ أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خر له ساجداً فيقول‏:‏ ارفع رأسك إنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه ثم تقول‏:‏ أنت حبي وأنا حبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن، فيدخل بيتاً من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق‏:‏ أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها، في البيت سبعون سريراً، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من باطن الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد‏:‏ {أنهار من ماء غير آسن‏}‏ ‏[‏محمد: 15‏]‏ قال‏:‏ صاف لا كدر فيه، ‏{‏وأنهار من لبن لم يتغير طعمه‏}‏ ‏[‏محمد: 15‏]‏ قال‏:‏ لم يخرج من ضروع الماشية، {وأنهار من خمر لذة للشاربين}‏ ‏[محمد: 15‏]‏ قال‏:‏ لم تعصرها الرجال بأقدامها، ‏{‏وأنهار من عسل مصفى‏}‏ ‏[‏محمد: 15‏]‏ قال‏:‏ لم يخرج من بطون النحل فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائماً وإن شاء أكل قاعداً، وإن شاء أكل متكئاً‏.‏ ثم تلا {ودانية عليهم ظلالها‏}‏ [الإنسان:14]‏ الآية‏.‏ فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض وربما قال‏:‏ أخضر، فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم يطير فيذهب فيدخل الملك فيقول‏:‏ {سلام عليكم‏} {تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون‏}" .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا‏ً}‏ قال‏:‏ عطاشا‏ً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا‏ً}‏ قال‏:‏ ظماء إلى النار‏.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد‏:‏ ‏ {‏ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا‏ً} ‏ قال‏:‏ متقطعة أعناقهم من العطش‏.
وأخرج ابن المنذر، عن أبي هريرة‏:‏ ‏ {‏ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً‏} ‏ قال‏:‏ عطاشا‏ً.
وأخرج هناد، عن الحسن مثله‏.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا‏ً} ‏ قال‏:‏ شهادة أن لا إله إلا الله، وتبرأ من الحول والقوّة، ولا يرجو إلا الله‏.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏{‏إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا‏ً} ‏ قال‏:‏ المؤمنون يومئذ بعضهم لبعض شفعاء‏.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن مقاتل بن حيان ‏ {‏إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا‏ً}‏ قال‏:‏ العهد الصلاح‏.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا‏ً}‏ قال‏:‏ من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة‏.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:
‏ ‏"‏ "من أدخل على مؤمن سروراً فقد سرني، ومن سرني فقد اتخذ عند الرحمن عهداً، ومن اتخذ عند الرحمن عهداً فلا تمسه النار‏.‏ إن الله لا يخلف الميعاد‏"
‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن مسعود أنه قرأ ‏ {‏إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا‏ً} ‏ قال‏:‏ إن الله يقول يوم القيامة‏:‏ "‏من كان له عندي عهد فليقم، فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا‏.‏ قولوا اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا إنك أن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعله لي عندك عهداً تؤديه إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد"
‏"‏‏. وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ "من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة - قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها لم ينقص منها شيئاً - جاء وله عند الله عهد أن لا يعذبه، ومن جاء قد انتقص منهن شيئاً، فليس له عند الله عهد، إن شاء رحمه وإن شاء عذبه‏"
‏‏. وأخرج الحكيم الترمذي، عن أبي بكر الصديق قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏من قال في دبر كل صلاة - بعدما سلم - هؤلاء الكلمات‏:‏ كتبه ملك في رق فختم بخاتم، ثم دفعها إليّ يوم القيامة، فإذا بعث الله العبد من قبره، جاءه الملك ومعه الكتاب ينادي‏:‏ أين أهل العهود‏؟‏ حتى تدفع إليهم، والكلمات أن تقول‏:‏ اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم - إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل رحمتك لي عهداً عندك تؤديه إلي يوم القيامة‏:‏ إنك لا تخلف الميعاد‏" وعن طاوس‏:‏ أنه أمر بهذه الكلمات فكتبت في كفنه‏.