التفاسير

< >
عرض

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٢٦
تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٢٧
-آل عمران

الدر المنثور في التفسير بالمأثور

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال "ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته. فأنزل الله {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء....} الآية".
وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال "جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد سل ربك {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء} إلى قوله {وترزق من تشاء بغير حساب} ثم جاءه جبريل فقال: يا محمد فسل ربك
{ وقل رب أدخلني مدخل صدق... } [الإسراء: 80] الآية. فسأل ربه بقول الله تعالى فأعطاه ذلك".
وأخرج الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء...} إلى آخر الآية" .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اسم الله الأعظم {قل اللهم مالك الملك} إلى قوله {بغير حساب} .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء عن معاذ بن جبل قال:
"شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ديناً كان عليَّ فقال: يا معاذ أتحب أن يقضى دينك؟ قلت: نعم. قال {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي منهما ما تشاء، وتمنع منهما ما تشاء، اقض عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهباً أدي عنك" .
وأخرج الطبراني "عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتقده يوم الجمعة، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى معاذاً فقال: يا معاذ ما لي لم أرك؟ فقال اليهودي عليَّ وقية من تبر، فخرجت إليك فحسبني عنك فقال: ألا أعلمك دعاء تدعو به فلو كان عليك من الدين مثل صبير أداه الله عنك، فادع الله يا معاذ {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزُّ من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب} رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي من تشاء منهما وتمنع من تشاء منهما، ارحمني رحمة تغنني بها عن رحمة من سواك، اللهم أغنني من الفقر، واقض عني الدين، وتوفني في عبادتك وجهاد في سبيلك" .
وأخرج الطبراني في الصغير بسند جيد عن أنس بن مالك قال "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد ديناً لأداه الله عنك؟ قل يا معاذ {اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطيهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك" .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {تؤتي الملك من تشاء} قال: النبوة.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير {قل اللهم مالك الملك} أي رب العباد الملك لا يقضي فيهم غيرك {تؤتي الملك من تشاء} أي أن ذلك بيدك لا إلى غيرك {إنك على كل شيء قدير} أي لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود في قوله {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} قال: يأخذ الصيف من الشتاء ويأخذ الشتاء من الصيف {وتخرج الحي من الميت} يخرج الرجل الحي من النطفة الميتة {وتخرج الميت من الحي} يخرج النطفة الميتة من الرجل الحي.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} قال: قصر أيام الشتاء في طول ليله، وقصر ليل الصيف في طول نهاره.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} قال: ما نقص من الليل يجعله في النهار وما نقص من النهار يجعله في الليل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي {تولج الليل في النهار} حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات {وتولج النهار في الليل} حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} قال: أخذ أحدهما من صاحبه.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} قال: يأخذ النهار من الليل حتى يكون أطول منه ويأخذ الليل من النهار حتى يكون أطول منه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {تخرج الحي من الميت} قال: يخرج النطفة الميتة من الحي، ثم يخرج من النطفة بشراً حياً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} قال: الناس الأحياء من النطف والنطف ميتة تخرج من الناس الأحياء، ومن الأنعام والنبات كذلك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة {تخرج الحي من الميت} قال: هي البيضة تخرج من الحي وهي ميتة ثم يخرج منها الحي.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة {تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} قال: النخلة من النواة والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة والسنبلة من الحبة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك. مثله.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن {تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} يعني المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والمؤمن عبد حي الفؤاد والكافر عبد ميت الفؤاد.
وأخرج سعد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات وأبو الشيخ في العظمة عن سلمان قال: خمر الله طينة آدم أربعين يوماً، ثم وضع يده فيه فارتفع على هذه كل طيب، وعلى هذه كل خبيث، ثم خلط بعضه ببعض، ثم خلق منها آدم. فمن ثم {تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن.
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال
"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما خلق الله آدم عليه السلام أخرج ذريته فقبض قبضة بيمينه فقال: هؤلاء أهل الجنة ولا أبالي، وقبض بالأخرى قبضة فجاء فيها كل رديء فقال: هؤلاء أهل النار ولا أبالي، فخلط بعضهم ببعض فيخرج الكافر من المؤمن ويخرج المؤمن من الكافر" . فذلك قوله {تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي}.
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود أو عن سلمان
"عن النبي صلى الله عليه وسلم {تخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} قال: المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن" .
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الزهري في قوله {تخرج الحي من الميت} عن عبدالله بن عبدالله "أن خالدة ابنة الأسود بن عبد يغوث دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من هذه؟ قيل: خالدة بنت الأسود قال: سبحان الله الذي يخرج الحي من الميت. وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافراً"
. وأخرج ابن مسعود من طريق أبي سلمة بن عبدالرحمن عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم. مثله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس، أنه كان يقرأ "يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي" خفيفة.
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن وثاب، أنه قرأ "يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي" وقرأ {إلى بلد ميت} [فاطر: 9] مثقلات كلهن.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {وترزق من تشاء بغير حساب} قال: لا يخرجه بحساب يخاف أن ينقص ما عنده. أن الله لا ينقص ما عنده.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران {بغير حساب} قال: غدقاً.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} أي بتلك القدرة التي تؤتي الملك بها من تشاء وتنزعها ممن تشاء {وترزق من تشاء بغير حساب} لا يقدر على ذلك غيرك، ولا يصنعه إلا أنت. أي وإن كنت سلطت عيسى عليه السلام على الأشياء التي تزعمونه إنه إله. من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، وخلق الطير من الطين، والخبر عن الغيوب لأجعله به آية للناس، وتصديقاً له في نبوته التي بعثته بها إلى قومه، فإن من سلطاني وقدرتي ما لم أعطه. تمليك الملوك بأمر النبوّة ووضعها حيث شئت، وإِيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، ورزق من شئت من بر وفاجر بغير حساب، وكل ذلك لم أسلط عيسى عليه ولم أملكه إياه، أفلم يكن لهم في ذلك عبرة وبينة أن لو كان له إلهاً كان ذلك كله إليه، وهو في علمهم يهرب من الملوك، وينتقل منهم في البلاد من بلد إلى بلد.