التفاسير

< >
عرض

وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٦٥
أَلاۤ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰت وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ
٦٦
-يونس

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} تسليةٌ للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يلقاه من جهتهم من الأذية الناشئةِ عن مقالاتهم الموحشةِ وتبشيرٌ له عليه الصلاة والسلام بأنه عز وجل ينصُره ويُعزّه عليهم، إثرَ بـيانِ أن له ولأتباعه أمْناً من كل محذورٍ وفوزاً بكل مطلوبٍ، وقرىء ولا يُحْزِنك من أحزنه وهو في الحقيقة نهيٌ له عليه السلام عن الحزن كأنه قيل: لا تحزنْ بقولهم ولا تُبالِ بتكذيبهم وتشاورِهم في تدبـير هلاكِك وإبطالِ أمرِك وسائرِ ما يتفوهون به في شأنك مما لا خيرَ فيه، وإنما وُجِّه النهيُ إلى قولهم للمبالغة في نهيه عليه السلام عن الحزن لما أن النهيَ عن التأثير نهيٌ عن التأثر بأصله ونفيٌ له بالمرة وقد يوجّه النهيُ إلى اللازم والمرادُ هو النهيُ عن الملزوم كما في قولك: لا أُرَيَّنك هٰهنا، وتخصيصُ النهي عن الحزن بالإيراد مع شمول النفي السابقِ للحزن أيضاً لما أنه لم يكن فيه عليه السلام شائبةُ خوفٍ حتى ينهىٰ عنه وربما كان يُعنىٰ به عليه السلام في بعض الأوقاتِ نوعُ حزنٍ فسُلِّيَ عن ذلك، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ} تعليلٌ للنهي على طريقة الاستئنافِ أي الغلبةَ والقهرَ {للَّهِ جَمِيعاً} أي في ملكته وسلطانِه لا يملك أحدٌ شيئاً منها أصلاً لا هم ولا غيرُهم فهو يقهرُهم ويعصِمُك منهم وينصُرك عليهم وقد كان كذلك فهي من جملة المبشرات العاجلة، وقرىء بفتح (أن) على صريح التعليلِ أي لأن العزة لله {هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} يسمع ما يقولون في حقك ويعلم ما يعزمون عليه وهو مكافِئُهم بذلك. {أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} أي العقلاءَ من الملائكة والثقلين، وتخصيصُهم بالذكر للإيذان بعدم الحاجةِ إلى التصريح بغيرهم فإنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم إذا كانوا عبـيداً له سبحانه مقهورين تحت قهرِه وملكته فما عداهم من الموجودات أولى بذلك ـ وهو مع ما فيه من التأكيد لما سبق من اختصاص العزة بالله تعالى الموجبِ لسلوته عليه السلام وعدمِ مبالاتِه بالمشركين وبمقالاتهم ـ تمهيدٌ لما لحِق من قوله تعالى:

{وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَاء} وبرهانٌ على بطلان ظنونِهم وأعمالِهم المبنيةِ عليها، وما إما نافيةٌ وشركاءَ مفعولُ يتّبع ومفعولُ يدْعون محذوفٌ لظهوره أي ما يتّبع الذين يدعون من دون الله شركاءَ شركاءَ في الحقيقة وإن سمَّوْها شركاءَ فاقتُصر على أحدهما لظهور دلالتِه على الآخر، ويجوز أن يكون المذكورُ مفعولَ يدعون ويكون مفعولُ يتّبع محذوفاً لانفهامه من قوله تعالى: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ} أي ما يتبعونه يقيناً إنما يتبعون ظنَّهم الباطلَ، وإما موصولةٌ معطوفةٌ على مَنْ كأنه قيل: والله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاءَ أي وله شركاؤهم، وتخصيصُهم بالذكر مع دخولهم فيما سبق عبارةٌ أو دلالةٌ للمبالغة في بـيان بطلانِ اتباعِهم وفسادِ ما بنَوْه عليه من ظنهم شركاءَهم معبودين مع كونهم عبـيداً له سبحانه، وإما استفهاميةٌ أي وأيُّ شيءٍ يتّبعون أي لا يتبعون إلا الظنَّ والخيالَ الباطلَ كقوله تعالى: { مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا } [يوسف: 40] الخ، وقرىء تدعون بالتاء فالاستفهامُ للتبكيت والتوبـيخ كأنه قيل: وأي شيءٍ يتّبع الذين تدعونهم شركاءَ من الملائكة والنبـيـين تقريراً لكونهم متّبعين لله تعالى مطيعين له وتوبـيخاً لهم على اقتدائهم بهم في ذلك كقوله تعالى: { أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ } [الإسراء: 57] ثم صُرف الكلامُ عن الخطاب إلى الغَيبة فقيل: إنْ يتبعُ هؤلاء المشركون إلا الظنَّ ولا يتبعون ما يتبعه الملائكةُ والنبـيون من الحق {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يكذبون فيما ينسُبونه إليه سبحانه ويحزَرون ويقدّرون أنهم شركاءُ تقديراً باطلاً.