التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ
٩٧
فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ
٩٨
-يونس

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ} واضحةُ المدلولِ مقبولةٌ لدى العقولِ لأن سببَ إيمانِهم وهو تعلقُ إرادته تعالى به مفقودٌ لكنّ فقدانَه ليس لمنعٍ منه سبحانه مع استحقاقهم له بل لسوء اختيارِهم المتفرِّعِ على عدم استعدادِهم لذلك {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} كدأب آلِ فرعونَ وأضرابهم {فَلَوْلاَ كَانَتْ} كلامٌ مستأنفٌ لتقرير ما سبق من استحالة إيمانِ من حقت عليهم كلمتُه تعالى لسوءِ اختيارِهم مع تمكنهم من التدارك فيكونُ الاستثناءُ الآتي بـياناً لكون قومِ يونسَ عليه السلام ممن لم يحِقَّ عليه الكلمةُ لاهتدائهم إلى التدارك في وقته ولولا بمعنى هلاّ وقرىء كذلك أي فهلاّ كانت {قَرْيَةٌ} من القرى المهلَكة {ءامَنتْ} قبل معاينةِ العذابِ ولم تؤخِّرْ إيمانَها إلى حين معاينتِه كما فعل فرعونُ وقومُه {فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} بأن يقبَله الله تعالى منها ويكشِفَ بسببه العذابَ عنها {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} استثناءٌ منقطعٌ أي لكن قومُ يونسَ {لَمَّا ءامَنُواْ} أولَ ما رأوا أمارةَ العذابِ ولم يؤخِّروا إلى حلوله {كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} بعد ما أظلهم وكاد يحِلّ بهم ويجوز أن تكونَ الجملةُ في معنى النفي كما يُفصح عنه حرفُ التحضيض فيكون الاستئناءُ متصلاً إذِ المرادُ بالقرى أهاليها كأنه قيل: ما آمنت طائفةٌ من الأمم الماضيِة فينفعهم إيمانُهم إلا قومَ يونَس عليه السلام فيكون قوله تعالى: {لَمَّا ءامَنُواْ} استئنافاً لبـيان نفعِ إيمانِهم ويؤيده قراءةُ الرفعِ على البدلية {وَمَتَّعْنَاهُمْ} بمتاع الدنيا بعد كشفِ العذاب عنهم {إِلَىٰ حِينٍ} مقدرٍ لهم في علم الله سبحانه. رُوي أن يونسَ عليه السلام بُعث إلى نينوىٰ من أرض الموْصِل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً فلما فقَدوه خافوا نزولَ العذاب فلبِسوا المُسوحَ وعجّوا أربعين ليلةً وقيل: قال لهم يونسُ عليه السلام: أجلُكم أربعون ليلةً فقالوا: إن رأينا أسبابَ الهلاك آمنّا بك فلما مضَتْ خمسٌ وثلاثون أغامت السماء غيماً أسودَ هائلاً يدخّن دُخاناً شديداً ثم يهبِط حتى يغشىٰ مدينتَهم ويسودّ سطوحُهم فلبِسوا المسوحَ وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائِهم وصِبـيانهم وداوبّهم وفرقوا بـين النساء والصبـيان والدواب وأولادِها فحنّ بعضُها إلى بعض وعلت الأصواتُ والعجيجُ وأظهروا الإيمانَ والتوبةَ وتضرَّعوا إلى الله تعالى فرحمهم وكشف عنهم وكان ذلك يومَ عاشوراءَ يومَ الجمعة. وعن ابن مسعود رضي الله عنه بلغ من توبتهم أن ترادّوا المظالمَ حتى إن الرجل كان يقتلع الحجرَ وقد وضع عليه أساسَ بنائه فيرده إلى صاحبه وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائِهم فقالوا: قد نزل بنا العذابُ فما ترى فقال لهم: قولوا: يا حيُّ حين لا حيَّ ويا حيُّ محيـيَ الموتى ويا حيُّ لا إلٰه إلا أنت فقالوا، فكشف عنهم. وعن الفضيل بن عياض قالوا: إن ذنوبَنا قد عظُمت وجلّت وأنت أعظمُ منها وأجلُّ افعل بنا ما أنت أهلُه ولا تفعلْ بنا ما نحن أهلُه.