التفاسير

< >
عرض

وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
١١٥
فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ
١١٦
-هود

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَٱصْبِرْ} على مشاقّ ما أُمِرْت به في تضاعيف الأوامرِ السابقةِ وأما ما نُهيَ عنه من الطغيان والركون إلى الذين ظلموا فليس في الانتهاء عنه مشقةٌ فلا وجهَ لتعميم الصبرِ له، اللهم إلا أن يُراد به ما لا يمكن عادة خلوُّ البشرِ عنه من أدنى ميلٍ بحكم الطبـيعةِ عن الاستقامة المأمورِ بها، ومن يسير ميلٍ بحكم البشرية إلى من وُجد منه ظلمٌ ما فإن في الاحتراز عن أمثاله من المشقة ما لا يخفى {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي يوفيهم أجورَ أعمالهم من غير بخسٍ أصلاً، وإنما عبِّر عن ذلك بنفي الإضاعةِ مع أن عدمَ إعطاءِ الأجرِ ليس بإضاعةٍ حقيقةً، كيف لا والأعمالُ غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يلزَم من تخلفه عنها ضياعُها، لبـيان كمالِ نزاهتِه تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يمتنع صدورُه عنه سبحانه من القبائح وإبرازِ الإثابةِ في معرض الأمورِ الواجبة عليه، وإنما عدل عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود مع إفادة فائدةٍ عامةٍ لكل من يتصف به، وهو تعليلٌ للأمر بالصبر، وفيه إيماءٌ إلى أن الصبرَ على ما ذكر من باب الإحسان.

{فَلَوْلاَ كَانَ} فهلا كان {مّنَ ٱلْقُرُونِ} الكائنةِ {مِن قَبْلِكُمْ} على رأي من جوّز حذفَ الموصولِ مع بعض صلتِه أو كائنةً من قبلكم {أُوْلُو بَقِيَّةٍ} من الرأي والعقلِ أو أولو فضلٍ وخير، وسُمّيا بها لأن الرجلَ إنما يستبقي مما يخرجه عادة أجودَه وأفضلَه، فصار مثلاً في الجودة والفضلِ ويقال: فلان من بقيةِ القومِ أي من خيارِهم، ومنه ما قيل: «في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا»، ويجوز أن تكون البقيةُ بمعنى البقوىٰ كالتقية من التقوى، أي فهلا كان منهم ذوو إبقاءٍ على أنفسهم وصيانةٍ لها من سخط الله تعالى وعقابه، ويؤيده أنه قرىء أولو بقْيةٍ وهي المرّةُ من مصدر بقاه يَبقيه إذا راقبه وانتظره أي أولو مراقبةِ وخشيةٍ من عذاب الله تعالى كأنهم ينتظرون نزولَه لإشفاقهم {يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلأرْضِ} الواقعِ منهم حسبَ ما حُكي عنهم {إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} استثناءٌ منقطعٌ أي لكن قليلاً منهم أنجيناهم لكونهم على تلك الصفةِ على أن مِنْ للبـيان لا للتبعيض لأن جميعَ الناجين ناهون، ولا صحة للاتصال على ظاهر الكلامِ لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي المذكورِ إلا للقليل من الناجين منهم كما إذا قلت هلاّ قرأ قومُك القرآن إلا الصلحاءَ منهم مريداً لاستثناء الصلحاءِ من المُحضَّضين على القراءة نعم يصح ذلك إن جعل استثناءً من النفي اللازمِ للتحضيض، فكأنه قيل: ما كان من القرون أولو بقيةٍ إلا قليلاً منهم، لكنَّ الرفعَ هو الأفصحُ حينئذ على البدلية {وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} بمباشرة الفسادِ وتركِ النهي عنه {مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ} أي أُنعموا من الشهوات واهتموا بتحصيلها، وأما المباشرون فظاهرٌ وأما المساهلون فلِما لهم في ذلك من نيل حظوظِهم الفاسدة. وقيل: المرادُ بهم تاركو النهي، وأنت خبـيرٌ بأنه يلزم منه عدمُ دخولِ مباشري الفسادِ في الظلم والإجرام عبارةً {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} أي كافرين فهو بـيانٌ لسبب استئصالِ الأمم المُهلَكة وهو فشوُّ الظلمِ واتباعُ الهوى فيهم وشيوعُ ترك النهي عن المنكرات مع الكفر، وقوله: واتّبع عطفٌ على مضمر دل عليه الكلامُ، أي لم ينهَوا واتبع الخ فيكون العدولُ إلى المظهر لإدراج المباشرين معهم في الحكم والتسجيلِ عليهم بالظلم، وللإشعار بعلية ذلك لما حاق بهم من العذاب، أو على استئنافٍ يترتب على قوله: إلا قليلاً أي إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهَوا عن الفساد وتاركي النهي عنه، فيكون الإظهارُ مقتضى الظاهِرِ، وقوله: وكانوا مجرمين عطفٌ على أترفوا أي اتبعوا الإتراف، وكونُهم مجرمين لأن تابعَ الشهواتِ مغمورٌ بالآثام، أو أريد بالإجرام إغفالُهم للشكر، أو على اتبع أي اتبعوا شهواتِهم وكانوا بذلك الاتباعِ مجرمين، ويجوز أن يكون اعتراضاً وتسجيلاً عليهم بأنهم قومٌ مجرمون، وقرىء وأُتْبع أي أُتبعوا جزاءَ ما أُترفوا فتكون الواو للحال ويجوز أن يُفسَّر به المشهورةُ، ويعضُده تقدم الإنجاء.