التفاسير

< >
عرض

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
٦٦
-يوسف

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ} بعد ما عاينْتُ منكم ما عاينت {حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ ٱللَّهِ} أي ما أتوثق به من جهة الله عز وجل، وإنما جعله مَوثِقاً منه تعالى لأن تأكيدَ العهود به مأذونٌ فيه من جهته تعالى فهو إذن منه عز وجل {لَتَأْتُنَّنِى بِهِ} جوابُ القسم إذ المعنى حتى تحلِفوا بالله لتأتنني به {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} أي إلا أن تُغلبوا فلا تطيقوا به أو إلا أن تهلِكوا وأصلُه من إحاطة العدوِّ فإن مَنْ أحاط به العدوُّ فقد هلك غالباً وهو استئناءٌ من أعم الأحوال أو أعمِّ العلل على تأويل الكلامِ بالنفي الذي ينساق إليه أي لتأتُنني به ولا تمتنِعُنَّ منه في حال من الأحوال أو لعلة من العلل إلا حالَ الإحاطة بكم، ونظيرُه قولُهم: أقسمت عليك لَما فعلْتَ وإلا فعلتَ أي ما أريد منك إلا فعلَك، وقد جُوز الأولُ بلا تأويل أيضاً أي لتأتُنني به على كل حالٍ إلا حال الإحاطةِ بكم. وأنت تدري أنه حيث لم يكن الإتيانُ به من الأفعال الممتدة الشاملةِ للأحوال على سبـيل المعيةِ كما في قولك: لألزَمنّك إلا أن تُعطِيني حقي، ولم يكن عليه السلام يريد مقارنته على سبـيل البدلِ لما عدا الحالِ المستثناة كما إذا قلت: صَلِّ إلا أن تكون محدِثاً بل مجرد تحققِه ووقوعِه من غير إخلال به كما في قولك: لأحُجنَّ العامَ إلا أن أُحصر فإن مرادَك إنما هو الإخبار بعدم منعِ ما سوى حالِ الإحصار عن الحج لا الإخبارُ بمقارنته لتلك الأحوالِ على سبـيل البدلِ كما هو مرادُك في مثال الصلاة كأن اعتبارَ الأحوالِ معه من حيث عدمُ منعها منه، فآل المعنى إلى التأويل المذكور {فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ} عهدهم من الله حسبما أراد يعقوبُ عليه السلام {قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ} أي على ما قلنا في أثناء طلب الموْثِق وإيتائه من الجانبـين. وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ لاستحضار صورتِه المؤدّي أي تثبتهم ومحافظتِهم على تذكّره ومراقبتِه {وَكِيلٌ} مطلعٌ رقيبٌ يريد به عرضَ ثقتِه بالله تعالى وحثَّهم على مراعاة ميثاقهم.