التفاسير

< >
عرض

قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً
٣٠
وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً
٣١
وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً
٣٢
وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً
٣٣
ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ
٣٤
-مريم

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{قَالَ} استئنافٌ مبنيّ على سؤال نشأ من سياق النظمِ الكريم، كأنه قيل: فماذا كان بعد ذلك؟ فقيل: قال عيسى عليه السلام: {إِنّى عَبْدُ ٱللَّهِ} أنطقه الله عز وجل بذلك آثرَ ذي أثيرٍ تحقيقاً للحق وردًّا على من يزعُم ربوبـيته، قيل: كان المستنطِقُ لعيسى زكريا عليهما الصلاة والسلام، وعن السدي رضي الله عنه: لما أشارت إليه غضِبوا وقالوا: لَسُخرَيتُها بنا أشدُّ علينا مما فعلت، وروي أنه عليه السلام كان يرضَع فلما سمع ذلك ترك الرَّضاعَ وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار إليهم بسبابته فقال ما قال الخ، وقيل: كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبـيان {ٱلْكِتَـٰبَ} أي الإنجيلَ {وَجَعَلَنِى نَبِيّاً} {وَجَعَلَنِى} مع ذلك {مُبَارَكاً} نفّاعاً معلِّماً للخير، والتعبـيرُ بلفظ الماضي في الأفعال الثلاثة إما باعتبار ما سبق في القضاء المحتومِ أو بجعل ما في شرف الوقوعِ لا محالة واقعاً، وقيل: أكمله الله عقلاً واستنبأه طفلاً {أَيْنَمَا كُنتُ} أي حيثما كنت {وَاَوْصَـٰنِى بِـٱلصَّلَـوٰةِ} أي أمرني بها أمراً مؤكداً {وَٱلزَّكَوٰةِ} زكاةِ المال إن ملكتُه أو بتطهير النفسِ عن الرذائل {مَا دُمْتُ حَيّاً} في الدنيا.

{وَبَرّاً بِوَالِدَتِى} عطفٌ على مباركاً أي جعلني بارًّا بها، وقرىء بالكسر على أنه مصدرٌ وصف به مبالغةً، أو منصوبٌ بمضمر دل عليه أوصاني، أي وكلفني بَرًّا، ويؤيده القراءةُ بالكسر والجر عطفاً على الصلاة والزكاة والتنكيرُ للتفخيم {وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً} عنيداً لله تعالى لفَرْط تكبّره.

{وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} كما هو على يحيـى، على أن التعريفَ للعهد والأظهرُ أنه للجنس والتعريضِ باللعن على أعدائه، فإن إثباتَ جنسِ السلام لنفسه تعريضٌ بإثبات ضدِّه لأضداده كما في قوله تعالى: { { وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } [طه: 47] فإنه تعريضٌ بأن العذابَ على من كذّب وتولى.

{ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى من فُصّلت نعوتُه الجليلةُ، وما فيه من معنى البُعد للدِلالة على علو مرتبتِه وبُعد منزلتِه وامتيازِه بتلك المناقبِ الحميدةِ عن غيره ونزولِه منزلةَ المشاهَد المحسوس {عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} لا ما يصفه النصارى، وهو تكذيبٌ لهم ـ فيما يزعُمونه ـ على الوجه الأبلغِ والمنهاج البرهانيِّ حيث جعله موصوفاً بأضداد ما يصفونه {قَوْلَ ٱلْحَقّ} بالنصب على أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لقال: إني عبد الله الخ، وقوله تعالى: {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، وقرىء بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي هو قولُ الحق الذي لا ريب فيه، والإضافةُ للبـيان والضميرُ للكلام السابق لتمام القصة، وقيل: صفةُ عيسى أو بدلُه أو خبرٌ ثانٍ ومعناه كلمةُ الله، وقرىء قالَ الحقِّ وقول الحق فإن القولَ والقال في معنى واحد {ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتُرُونَ} أي يشكون أو يتنازعون، فيقول اليهودُ: ساحرٌ، والنصارى: ابنُ الله، وقرىء بتاء الخطاب.