التفاسير

< >
عرض

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٤٨
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
١٤٩
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٥٠
-البقرة

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَلِكُلّ} أي ولكل أمةٍ من الأمم، على أن التنوين عوضٌ من المضاف إليه {وِجْهَةٌ} أي قِبلة وقد قرىء كذلك أو لكل قومٍ من المسلمين جانبٌ من جوانب الكعبة {هُوَ مُوَلّيهَا} أحدُ المفعولين محذوفٌ أي موليها وجهَه أو الله موليها إياه وقرىء ولكلِّ وِجهةٍ بالإضافة والمعنى ولكلَ وجهةٌ الله مولِّيها أهلَها واللام مزيدة للتأكيد وجبرِ ضعفِ العامل، وقرىء مولاها أي مَوْلىٰ تلك الجهةِ قد وَلِيهَا {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} أي تسابقوا إليها بنزع الجار كما في قوله:

ثنائي عليكم آلَ حربٍ ومنْ يمِلسواكم فإني مهتدٍ غيرُ مائلِ

وهو أبلغَ من الأمر بالمسارعة لما فيه من الحث على إحراز قصَبِ السبْقِ والمرادُ بالخيرات جميعُ أنواعِها من أمر القِبلة وغيرِه مما يُنال به سعادةُ الدارين أو الفاضلاتُ من الجهات وهي المسامتة للكعبة {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا} أي في أيّ موضعٍ تكونوا من موافِقٍ أو مخالفٍ مجتمعِ الأجزاء أو متفرقِها يحشُرُكم الله تعالى إلى المَحْشَر للجزاء، أو أينما تكونوا من أعماق الأرضِ وقُلل الجبال يقبضُ أرواحَكم، أو أينما تكونوا من الجهات المختلفةِ المتقابلةِ يجعلُ صلواتِكم كأنها صلاةٌ إلى جهة واحدة {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ} فيقدِر على الإماتة والإحياء والجمعِ، فهو تعليل للحكم السابق {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} تأكيدٌ لحكم التحويل وتصريحٌ بعدم تفاوت الأمرِ في حالتي السفر والحضَر ومنْ متعلقة بقوله تعالى: {فَوَلّ} أو بمحذوفٍ عُطف هو عليه أي من أيِّ مكان خرجت إليه للسفر فولِّ {وَجْهَكَ} عند صلاتك {شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أو افعل ما أُمرت به من أي مكانٍ خرجت إليه فول الخ {وَأَنَّهُ} أي هذا الأمرَ {لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ} أي الثابتُ الموافق للحِكمة {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فيجازيكم بذلك أحسنَ جزاءٍ فهو وعدٌ للمؤمنين وقرىء يعملون على صيغة الغيبة فهو وعيد للكافرين {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} إليه في أسفارك ومغازيك من المنازل القريبةِ والبعيدةِ {فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} الكلام فيه كما مر آنفاً {وحيثما كُنتُمْ} من أقطار الأرضِ مقيمين أو مسافرين حسبما يُعربُ عنه إيثارُ (كنتم) على خرجتم فإن الخطابَ عامٌ لكافة المؤمنين المنتشرين في الآفاق من الحاضرين والمسافرين، فلو قيل: وحيثما خرجتم لما تناول الخطابُ المقيمين في الأماكن المختلفة من حيث إقامتُهم فيها {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ} من مَحالِّكم {شَطْرَهُ} والتكريرُ لما أن القِبلةَ لها شأنٌ خطير، والنسخُ من مظانِّ الشبهةِ والفتنة فبالحَريِّ أن يؤكَّد أمرُها مرة بعد أخرى مع أنه قد ذُكر في كل مرة حِكمةٌ مستقلة {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} متعلقٌ بقوله تعالى: {فَوَلُّواْ} [البقرة، الآيتان 144 - 150] وقيل: بمحذوفٍ يدل عليه الكلامُ كأنه قيل: فعلنا ذلك لئلا الخ والمعنى أن التوليةَ عن الصخرة تدفع احتجاجَ اليهود بأن المنعوتَ في التوراة من أوصافه أنه يحوِّلُ إلى الكعبة، واحتجاجُ المشركين بأنه يدَّعي ملةَ إبراهيمَ ويخالف قِبلتَه {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} وهم أهلُ مكةَ، أي لئلا يكونَ لأحد من الناس حجةٌ إلا المعاندين منهم الذين يقولون ما تحوَّلَ إلى الكعبة إلا مَيْلاً إلى دين قومِه وحباً لبلده أو بَدا لَهُ فرجَع إلى قِبلةِ آبائِه، ويوشك أن يرجِعَ إلى دينهم. وتسميةُ هذه الكلمةِ الشنعاءِ حجةً مع أنها أفحشُ الأباطيل من قبـيل ما في قوله تعالى: { حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ } [الشورى، الآية 16] حيث كانوا يسوقونها مَساقَ الحُجة، وقيل: الحجةُ بمعنى مطلقِ الاحتجاجِ، وقيل: الاستثناءُ للمبالغة في نفي الحُجة رأساً كالذي في قوله: [الطويل]

ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهمبهنَّ فُلولٌ من قراعِ الكتائبِ

ضرورةَ أن لا حجةَ للظالم، وقرىء (أَلا الذين) بحرف التنبـيه على استئنافِ {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} فإن مطاعنَهم لا تضرُكم شيئاً {وَٱخْشَوْنِى} فلا تخالفوا أمري {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} علةُ محذوفٍ يدل عليه النظمُ الكريم أي أمرتُكم بما مرَّ لإتمامي للنعمةِ عليكم لما أنه نعمةٌ جليلة ولإرادتي لما أنه صراطٌ مستقيم مؤدٍّ إلى سعادة الدارين، كما أشير إليه في قوله عز وجل: { يَهْدِى مَن يَشَآء إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [البقرة، الآية 142، 213. وسورة يونس، الآية 25. وسورة النور، الآية 46] وفي التعبـير عن الإرادة بكلمةِ لعل الموضوعةِ للترجّي على طريقة الاستعارةِ التبعية - من الدلالة على كمال العنايةِ بالهداية - ما لا يخفىٰ، أو عطفٌ على علةٍ مقدرة، أي واخشوني لأحفظَكم عنهم وأتم الخ أو على قوله تعالى: لئلا يكونَ الخ وتوسيطُ قوله تعالى: فلا تخشَوْهم الخ بـينهما للمسارعة إلى التسلية والتثبـيت، وفي الخبر: "تمامُ النعمةِ دُخولُ الجنة" وعن عليٍّ رضي الله عنه: "تمامُ النعمةِ الموتُ على الإسلام"