التفاسير

< >
عرض

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ
١٨
-البقرة

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ} أخبارٌ لمبتدأ محذوفٍ هو ضمير المنافقين، أو خبر واحد بالتأويل المشهور، كما في قولهم: هذا حلوٌ حامض والصممُ آفةٌ مانعة من السماع، وأصلُه الصلابة واكتنازُ الأجزاء، ومنه الحجرُ الأصم، والقناةُ الصماء، وصَمام القارورة: سِدادُها، سمي به فقدانُ حاسة السمع لما أن سببه اكتنازُ باطن الصّماخ، وانسدادُ منافذه بحيث لا يكاد يدخله هواءٌ يحصل الصوت بتموجه، والبُكم الخُرس، والعمىٰ عدم البصر عما من شأنه أن يُبصَر، وُصفوا بذلك مع سلامة مشاعرهم المعدودة لما أنهم حيث سدوا مسامعهم عن الإصاخة لما يتلى عليهم من الآيات والذكر الحكيم، وأبَوْا أن يتلقَّوْها بالقبول، ويُنطِقوا بها ألسنتهم، ولم يجتلوا ما شاهدوا من المعجزات الظاهرة على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينظروا إلى آيات التوحيد المنصوبة في الآفاق والأنفس بعين التدبر، وأصروا على ذلك بحيث لم يبقَ لهم احتمالُ الارعواء عنه، صاروا كفاقدي تلك المشاعر بالكلية، وهذا عند مُفْلقي سَحَرة البـيان من باب التمثيل البليغ، المؤسـس على تناسي التشبـيه كما في قول من قال:

ويصعَدُ حتى يظنَّ الجهولبأن له حاجةً في السماءْ

لما أن المقدر في النظم في حكم الملفوظ، لا من قبـيل الاستعارة التي يُطوىٰ فيها ذكرُ المستعار له بالكلية، حتى لو لم يكن هناك قرينة تحمل على المعنى الحقيقي، كما في قول زهير: [الطويل]

لدى أسدٍ شاكي السلاحِ مُقذَّفٍله لِبَدٌ أظفارُه لم تُقَلَّمِ

{فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} الفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها، أي هم بسبب اتصافِهم بالصفات المذكورة لا يعودون إلى الهدى الذي تركوه وضيّعوه أو عن الضلالة التي أخذوها، والآيةُ نتيجةٌ للتمثيل، مفيدةٌ لزيادة تهويلٍ وتفظيع، فإن قصارىٰ أمرِ التمثيل بقاؤهم في ظلماتٍ هائلة من غير تعرضٍ لمَشْعَريْ السمع والنطق، ولاختلال مَشعَرِ الإبصار، وقيل الضمير المقدر وما بعده للموصول باعتبار المعنى، كالضمائر المتقدمة.

فالآية الكريمة تتمة للتمثيل، وتكميل له بأن ما أصابهم ليس مجردَ انطفاء نارهم وبقائهم في ظلمات كثيفة هائلة، مع بقاء حاسة البصر بحالها، بل اختلت مشاعرُهم جميعاً، واتصفوا بتلك الصفات على طريقة التشبـيه أو الحقيقة فبقوا جامدين في مكاناتهم، لا يرجعون ولا يدْرون أيتقدّمون أم يتأخرون، وكيف يرجِعون إلى ما ابتدأوا منه، والعدولُ إلى الجملة الاسمية للدَلالة على استمرار تلك الحالة فيهم، وقرىء صماً بكماً عمياً، إما على الذي كما في قوله تعالى: { حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ } [المسد، الآية 4] والمخصوصُ بالذم هم المنافقون، أو المستوقدون وإما على الحالية من الضمير المنصوب في تَرَكهم، أو المرفوع في لا يبصرون وإما على المفعولية لتركهم، فالضميران للمستوقدين.