التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ
٥٥
ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٥٦
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٱكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
٥٧
-البقرة

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} تذكيرٌ لنعمة أخرى عليهم بعد ما صدر عنهم ما صدر من الجناية العظيمةِ التي هي اتخاذُ العجل أي لن نؤمنَ لأجل قولِك ودعوتِك أو لن نُقرَّ لك، والمؤمَنُ به إعطاءُ الله إياه التوراةَ أو تكليمَه إياه أو أنه نبـيٌّ أو أنه تعالى جعل توبتَهم بقتلهم أنفسَهم {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} أي عياناً وهي في الأصل مصدرُ قولِك جهَرتُ بالقراءة، استُعيرت للمعاينة لما بـينهما من الاتحاد في الوضوح والانكشافِ، إلا أن الأولَ في المسموعات والثاني في المُبْصَرات ونصبُها على المصدرية لأنها نوع من الرؤية أو حالٌ من الفاعل أو المفعول وقرىء بفتح الهاء على أنها مصدر كالغَلَبة أو جمعٌ كالكَتَبة فيكون حالاً من الفاعل لا غير، والقائلون هم السبعون المختارون لميقات التوبةِ عن عبادة العجل، روُي أنهم لما ندِموا على ما فعلوا وقالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفرْ لنا لنكونن من الخاسرين، أمر الله موسى عليه السلام أن يجمع سبعين رجلاً ويحضُرَ معهم الطورَ يُظهرون فيه تلك التوبةَ فلما خرجوا إلى الطور وقع عليه عمودٌ من الغمام وتغشاه كله فكلم الله موسى عليه السلام يأمره وينهاه، وكان كلما كلّمه تعالى أوقع على جبهته نوراً ساطعاً لا يستطيع أحدٌ من السبعين النظرَ إليه وسمِعوا كلامَه تعالى مع موسى عليه السلام افعل ولا تفعل فعند ذلك طمِعوا في الرؤية فقالوا ما قالوا كما سيأتي في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى وقيل: عشرة آلاف من قومه {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ} لفرط العنادِ والتعنّتِ وطلب المستحيل فإنهم ظنوا أنه سبحانه وتعالى مما يشبه الأجسامَ وتتعلق به الرؤيةُ تعلُّقَها بها على طريق المقابلة في الجهات والأحياز، ولا ريبَ في استحالته إنما الممكنُ في شأنه تعالى الرؤيةُ المنزهة عن الكيفيات بالكلية وذلك للمؤمنين في الآخرة وللأفرادِ من الأنبـياء الذين بلغوا في صفاء الجوهر إلى حيث تراهم كأنهم وهم في جلابـيبَ من أبدانهم قد نَضَوْها وتجرّدوا عنها إلى عالم القدس في بعض الأحوال في الدنيا. قيل: جاءت نارٌ من السماء فأحرقتهم وقيل: صيحة وقيل: جنودٌ سمعوا بحسيسها فخرّوا صعِقين ميتين يوماً وليلة. وعن وهْبٍ: أنهم لم يموتوا بل لما رأَوْا تلك الهيئة الهائلةَ أخذتهم الرعدةُ ورَجَفوا حتى كادت تبِـينُ مفاصلُهم وتنقضُّ ظهورُهم وأشرفوا على الهلاك فعند ذلك بكىٰ موسى عليه السلام ودعا ربه فكشف الله عز وجل عنهم ذلك فرجعت إليهم عقولُهم ومشاعرُهم ولم تكن صعقةُ موسى عليه السلام موتاً بل غَشْيةً لقوله تعالى فلما أفاق {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} أي ما أصابكم بنفسه أو بآثاره {ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} بتلك الصاعقة، قيدُ البعثُ به لما أنه قد يكون من الإغماء وقد يكون من النوم كما في قوله تعالى: { ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ لِنَعْلَمَ } [الكهف، الآية 12] الخ {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي نعمةَ البعث أو ما كفرتموه بما رأيتم من بأس الله تعالى.

{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} أي جعلناها بحيث تُلقي عليكم ظلَّها، وذلك أنه تعالى سخَّر لهم السحابَ يسير بسيرهم وهم في التيه يُظلهم من الشمس وينزل بالليل عمودٌ من نار يسيرون في ضوئه وثيابُهم لا تتسخ ولا تَبْلى {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} أي الترنجبـين والسُّمانىٰ وقيل: كان ينزل عليهم المنُّ مثلَ الثلج من الفجر إلى الطلوع لكل إنسانٍ صاعٌ وتبعَثُ الجَنوبُ عليهم السُّمانىٰ فيذبح الرجلُ منه ما يكفيه {كُلُواْ} على إرادة القول أي قائلين لهم أو قيل لهم: كلوا {مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} من مستلذاته و(ما) موصولةً كانت أو موصوفةً عبارة عن المن والسلوى {وَمَا ظَلَمُونَا} كلامٌ عدَل بهم عن نهج الخطابِ السابقِ للإيذان باقتضاء جناياتِ المخاطبـين للإعراض عنهم وتَعدادِ قبائحهم عند غيرهم على طريق المباثة معطوفٌ على مضمر قد حذف للإيجاز والإشعار بأنه أمر محقق غني عن التصريح به أي فظلموا بأن كفروا تلك النعمَ الجليلةَ وما ظلمونا بذلك {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالكُفران إذ لا يتخطاهم ضررُه، وتقديمُ المفعول للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفيُ السابقُ وفيه ضربُ تهكّمٍ بهم، والجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارِهم على الكفر.