التفاسير

< >
عرض

قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
٩٤
قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ
٩٥
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
٩٦
قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً
٩٧
-طه

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{قَالَ يَـاٱبْنَ أُمَّ} خَصّ الأمَّ بالإضافة استعظاماً لحقها وترقيقاً لقلبه لا لما قيل من أنه كان أخاه لأم فإن الجمهورَ على أنهما كان شقيقين {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى} أي ولا بشعر رأسي، روي أنه عليه السلام أخذ شعرَ رأسِه بـيمينه ولحيتَه بشماله من شدة غيظِه وفرْطِ غضبِه لله، وكان عليه السلام حديداً متصلّباً في كل شيء فلم يتمالكْ حين رآهم يعبدون العجلَ ففعل ما فعل وقوله تعالى: {إِنّى خَشِيتُ} الخ، استئنافٌ سيق لتعليل موجبِ النهي ببـيان الداعي إلى ترك المقاتلةِ وتحقيقِ أنه غيرُ عاصٍ لأمره بل ممتثلٌ به، أي إني خشيتُ لو قاتلت بعضَهم ببعض وتفانَوا وتفرقوا {أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرءيلَ} برأيك مع كونهم أبناءَ واحدٍ كما ينبىء عنه ذكرُهم بذلك العنوان دون القوم ونحوِه، وأراد عليه السلام بالتفريق ما يستتبعه القتالُ من التفريق الذي لا يرُجى بعده الاجتماعُ {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى} يريد به قولَه عليه السلام: اخلُفني في قومي وأصلح الخ، يعني إني رأيت أن الإصلاحَ في حفظ الدَّهْماءِ والمداراةِ معهم إلى أن ترجِع إليهم فلذلك استأنيتُك لتكون أنت المتدارِكَ للأمر حسبما رأيت لا سيما وقد كانوا في غاية القوةِ ونحن على القلة والضّعف كما يُعرب عنه قوله تعالى: { إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى } [الأعراف: 150].

{قَالَ} استئنافٌ وقع جواباً عما نشأ من حكاية ما سلف من اعتذار القوم بإسناد الفسادِ إلى السامري واعتذارِ هارونَ عليه السلام، كأنه قيل: فماذا صنع موسى عليه السلام بعد سماع ما حُكي من الاعتذارين واستقرارِ الفتنة على السامري؟ فقيل: قال موبخاً له: هذا شأنُهم {فَمَا خَطْبُكَ يٰسَـٰمِرِيُّ} أي ما شأنُك وما مطلوبُك مما فعلت، خاطبه عليه السلام بذلك ليُظهر للناس بُطلانَ كيدِه باعترافه ويفعلَ به وبما صنعه من العقاب ما يكون نكالاً للمفتونين به ولمن خلفهم من الأمم.

{قَالَ} أي السامريُّ مجيباً له عليه السلام: {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} بضم الصاد فيهما، وقرىء بكسرها فى الأول وفتحِها في الثاني، وقرىء بالتاء على الوجهين على خطاب موسى عليه السلام وقومِه، أي علمتُ ما لم يعلمْه القوم وفطِنت لما لم يفطَنوا له أو رأيت ما لم يرَوه، وهو الأنسب بما سيأتي من قوله: {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} لا سيما على القراءة بالخطاب فإن إدعاءَ علمِ ما لم يعلمه موسى عليه السلام جرأةٌ عظيمة لا تليق بشأنه ولا بمقامه بخلاف إدعاءِ رؤيةِ ما لم يرَه عليه السلام فإنها مما يقع بحسب ما يتفق، وقد كان رأى أن جبريلَ عليه السلام جاء راكبَ فرسٍ وكان كلما رفع الفرسُ يديه أو رجليه على الطريق اليَبَس يخرج من تحته النباتُ في الحال، فعرف أن له شأناً فأخذ من موطئه حفنةً وذلك قوله تعالى: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ} وقرىء من أثر فرسِ الرسولِ أي من تربة موطِيءِ فرسِ الملَك الذي أُرسل إليك ليذهبَ بك إلى الطور، ولعل ذكرَه بعنوان الرسالة للإشعار بوقوفه على ما لم يقِفْ عليه القومُ من الأسرار الإلٰهية تأكيداً لما صدّر به مقالتَه والتنبـيهِ على وقت أخْذِ ما أخذه، والقبضةُ المرّةُ من القبض أُطلقت على المقبوض مرةً، وقرىء بضم القاف وهو اسمُ المقبوض كالغُرفة والمُضغة، وقرىء فقبصْت قبصة بالصاد المهملة والأول للأخذ بجميع الكف والثاني بأطراف الأصابع، ونحوُهما الخضْمُ والقضم {فَنَبَذْتُهَا} أي في الحُليّ المُذابة فكان ما كان {وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى} أي ما فعلتُه من القبض والنبذ فقوله تعالى: {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى مصدر الفعلِ المذكور بعده، ومحلُّ كذلك في الأصل النصبُ على أنه مصدرٌ تشبـيهيٌّ أي نعتٌ لمصدر محذوف والتقديرُ سولت لي نفسي تسويلاً كائناً مثلَ ذلك التسويلِ فقُدّم على الفعل لإفادة القصِر واعتُبرت الكافُ مقحمةً لإفادة تأكيدِ ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة فصار نفسَ المصدرِ المؤكّدِ لا نعتاً له، أي ذلك التزيـينَ البديعَ زينت لي نفسي ما فعلتُه، لا تزيـيناً أدنى منه ولذلك فعلتُه وحاصلُ جوابه أن ما فعله إنما صدر عنه بمحضر اتباعِ هوى النفسِ الأمارة بالسوء وإغوائِها لا بشيء آخرَ من البرهان العقليّ أو الإلهامِ الإلٰهي.

فعند ذلك {قَالَ} عليه السلام {فَٱذْهَبْ} أي من بـين الناس وقوله تعالى: {فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ} الخ، تعليلٌ لموجب الأمرِ و(في) متعلقةٌ بالاستقرار في لك أي ثابتٌ لك في الحياة أو بمحذوف وقع حالاً من الكاف والعاملُ معنى الاستقرار في الظرف المذكورِ لاعتماده على ما هو مبتدأٌ معنى لا بقوله تعالى: {أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} لِمَكان، أي إن قولك: لا مساس ثابت لك كائناً في الحياة أي مدةَ حياتك أن تفارقَهم مفارقةً كلية، لكن لا بحسب الاختيارِ بموجب التكليفِ بل بحسب الاضطرارِ المُلجِىءِ إليها، وذلك أنه تعالى رماه بداء عَقام لا يكاد يمَسّ أحداً أو يمَسّه أحدٌ كائناً من كان إلا حُمَّ من ساعته حُمّى شديدةً، فتحامى الناسَ وتحامَوْه وكان يصيح بأقصى طَوقه: لا مِساس وحُرّم عليهم ملاقاتُه ومواجهتُه ومكالمتُه ومبايعتُه وغيرُها مما يُعتاد جرَيانُه فيما بـين الناسِ من المعاملات، وصار بـين الناس أوحشَ من القاتل اللاجىء إلى الحَرم ومن الوحش النافِر في البرية، ويقال: إن قومَه باقٍ فيهم تلك الحالةُ إلى اليوم، وقرىء لا مَساسِ كفَجارِ وهو علمٌ للمسّة، ولعل السرَّ في مقابلة جنايتِه بتلك العقوبةِ خاصة ما بـينهما من مناسبة التضادّ فإنه لما أنشأ الفتنةَ بما كانت ملابستُه سبباً لحياة المَوات عوقب بما يُضادُّه حيث جُعلت ملابستُه سبباً للحمّى التي هي من أسبابُ موتِ الأحياء {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً} أي في الآخرة {لَّن تُخْلَفَهُ} أي لن يُخلفَك الله ذلك الوعدَ بل ينجزه لك البتةَ بعد ما عاقبك في الدنيا، وقرىء بكسر اللام والأظهر أنه من أخلفتُ الموعدَ أي وجدتُه خلفاً، وقرىء بالنون على حكاية قوله عز وجل: {وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً} أي ظلِلْتَ مقيماً على عبادته فحُذفت اللامُ الأولى تخفيفاً، وقرىء بكسر الظاءِ بنقل حركةِ اللام إليها {لَّنُحَرّقَنَّهُ} جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي بالنار ويؤيده قراءةُ لنُحْرِقنه من الإحراق، وقيل: بالمِبْرد على أنه مبالغةٌ في حرق إذا بُرد بالمِبرَد ويعضده قراءة لنَحْرُقنه {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ} أي لنُذْرِينّه، وقرىء بضم السين {فِي ٱلْيَمّ} رماداً أو مُبْرَداً كأنه هباءٌ {نسفاً} بحيث لا يبقى منه عينٌ ولا أثرٌ ولقد فعل عليه السلام ذلك كلَّه حينئذ كما يشهد به الأمرُ بالنظر، وإنما لم يصرح به تنبـيهاً على كمال ظهورِه واستحالةِ الخُلْف في وعده المؤكّدِ باليمين.