التفاسير

< >
عرض

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ
٢٥
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ
٢٦
لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
٢٧
-الأنبياء

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} استئنافٌ مقررٌ لما أُجمل فيما قبله من كون التوحيد مما نطَقت به الكتبُ الإلٰهيةُ وأجمعت عليه الرسلُ عليهم الصلاة والسلام، وقرىء (يوحىٰ) على صيغة الغائب مبنياً للمفعول وأياً ما كان فصيغةُ المضارع لحكاية الحالِ الماضية استحضاراً لصورة الوحي.

{وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} حكايةٌ لجناية فريق من المشركين جيء بها لإظهار بُطلانِها وبـيانِ تنزّهه تعالى عن ذلك إثرَ بـيان تنزّهِه سبحانه عن الشركاء على الإطلاق وهم حيٌّ من خُزاعَةَ يقولون: الملائكةُ بناتُ الله تعالى، ونقل الواحدي أن قريشاً وبعضَ أجناسِ العرب جهينةَ وبني مُلَيح يقولون ذلك. والتعرضُ لعنوان الرحمانية المنبئةِ عن كون جميع ما سواه تعالى مربوباً له تعالى نعمةً أو مُنعَماً عليه لإبراز كمالِ شناعةِ مقالتِهم الباطلةِ {سُبْحَـٰنَهُ} أي تنزّه بالذات تنزّهَه اللائقَ به على أن السُّبحانَ مصدرٌ من سبح أي بَعُد أو أسبّحه تسبـيحَه على أنه علمٌ للتسبـيح وهو مقولٌ على ألسنة العباد أو سبحوه تسبـيحَه وقوله تعالى: {بَلْ عِبَادٌ} إضرابٌ وإبطالٌ لما قالوه، كأنه قيل: ليست الملائكةُ كما قالوا بل هم عبادٌ له تعالى {مُّكْرَمُونَ} مقربون عنده، وقرىء مكرّمون بالتشديد تنبـيهٌ على منشأ غلطِ القوم.

وقوله تعالى: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ} صفةٌ أخرى لعباد منبئةٌ عن كمال طاعتهم وانقيادِهم لأمره تعالى، أي لا يقولون شيئاً حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به وأصلُه لا يسبق قولُهم قولَه تعالى، فأسند السبقُ إليه منسوباً إليه تعالى تنزيلاً لسبق قولِهم قولَه تعالى منزلةَ سبقهم إياه تعالى لمزيد تنزيههم عن ذلك وللتنبـيه على غاية استهجان السبقِ المعرَّضِ به للذين يقولون ما لا يقوله الله تعالى، وجعلُ القول محلاً للسبق وأداةً له ثم أنيب اللامُ عن الإضافة للاختصار والتجافي عن التكرار، وقرىء لا يسبقونه بضم الباء من سابقته فسبقته أسبُقه وفيه مزيدُ استهجانٍ للسبق وإشعارٌ بأن من سبق قولُه قولَه تعالى فقد تصدّى لمغالبته تعالى في السبق فسبقه فغلبه والعياذ بالله تعالى، وزيادةُ تنزيهٍ لهم عما نُفيَ عنهم ببـيان أن ذلك عندهم بمنزلة الغلَبة بعد المغالبة، فأنى يُتوهم صدورُه عنهم {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} بـيانٌ لتبعيتهم له تعالى في الأعمال إثرَ بـيانِ تبعيتهم له تعالى في الأقوال، فإن نفيَ سبقِهم له تعالى بالقول عبارةٌ عن تبعيّتهم له تعالى فيه، كأنه قيل: هم بأمره يقولون وبأمره يعملون لا بغير أمره أصلاً، فالقصرُ المستفادُ من تقديم الجار معتبرٌ بالنسبة إلى غير أمرِه لا إلى أمر غيرِه.