التفاسير

< >
عرض

وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
٤٥
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٤٦
-القصص

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً} أي ولكنَّا خلقنا بـين زمانِك وزمانِ مُوسى قُروناً كثيرةً {فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ} وتمادَى الأمدُ فتغيرتِ الشَّرائعُ والأحكامُ وعَميتْ عليهم الأنباءُ لا سيَّما على آخرِهم فاقتضَى الحالُ التَّشريعَ الجديدَ فأوحينَا إليكَ فحذفَ المستدرَكَ اكتفاءً بذكِر ما يُوجبه ويدلُّ عليهِ. وقولُه تعالى: {وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِى أَهْلِ مَدْيَنَ} نفيٌ لاحتمالِ كونِ معرفتِه عليه الصَّلاة والسَّلام للقصَّةِ بالسَّماعِ ممَّن شاهدَها أي وما كنتَ مُقيماً في أهلِ مدينَ من شُعيبٍ والمؤمنينَ به. وقولُه تعالى: {تَتْلُو عَلَيْهِمْ} أي تقرأُ على أهلِ مدينَ بطريقِ التعلمِ منهم {ءايَـٰتِنَا} الناطقةَ بالقصَّةِ إمَّا حالٌ من المُستكنِّ في ثاوياً أو خبرٌ ثانٍ لكنتَ {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} إيَّاك ومُوحين إليكَ تلك الآياتِ ونظائرَها {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا} أي وقتَ ندائِنا مُوسى حح { إِنّي أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } [سورة القصص: الآية 30] واستنبائنا إيَّاه وإرسالِنا له فرعونَ {وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مّن رَّبِكَ} أي ولكنْ أرسلناكَ بالقُرآنِ النَّاطقِ بما ذُكر وبغيرِه لرحمةٍ عظيمةٍ كائنةٍ منَّا لك وللنَّاسِ. وقيل: علمناكَ وقيل: عرَّفناك ذلك وليس بذاكَ كما ستعرفُه. والالتفاتُ إلى اسمِ الربِّ للإشعارِ بعلَّةِ الرَّحمةِ وتشريفِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالإضافةِ وقد اكتُفي عن ذكرِ المستدركِ هُهنا بذكر ما يُوجبه من جهتِه تعالى كما اكتفى عنْهُ في الأولِ بذكرِ ما يُوجبه من جهةِ النَّاسِ وصرَّح به فيما بـينُهما تنصيصاً على ما هُود المقصودُ وإشعاراً بأنَّه المرادُ فيهما أيضاً ووِ درُّ شأنِ التَّنزيلِ. وقولُه تعالى: {لِتُنذِرَ قَوْماً} متعلقٌ بالفعلِ المعلَّلِ بالرَّحمةِ فُهو ما ذكرنا من إرسالِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالقُرآنِ حتماً لما أنَّه المعللُ بالإنذارِ لا تعليمُ ما ذُكر. وقُرىء رحمةٌ بالرَّفعِ على أنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ وقولُه تعالى: {مَّا أَتَـٰهُم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ} صفةٌ لقوماً أي لم يأتهم نذيرٌ لوقوعِهم في فترةٍ بـينك وبـينَ عيسى وهي خمسمائةٌ وخمسونَ سنةً أو بـينك وبـين إسماعيلَ بناء على أنَّ عوةَ مُوسى وعيسى عليهما السَّلامُ كانتْ مختصَّةً ببني اسرائيلَ {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أيْ يتعظونَ بإنذارِك. وتغيـيرُ التَّرتيبِ الوقوعيِّ بـين قضاءِ الأمرِ والثّراء في أهلِ مدينَ والنِّداءِ للتنبـيهِ على أنَّ كلاًّ من ذلك برهانٌ مستقلُّ على أنَّ حكايتَه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ للقصَّةِ بطريقِ الوحِى الإلهيِّ ولو ذُكر أولاً نفيُ ثوائِه عليه الصَّلاة والسَّلام في أهلِ مدينَ ثمَّ نفيَ حضورُه عليه الصَّلاة والسَّلام عندَ النِّداءِ ثم نُفي حضورُه عند قضاءِ الأمرِ كما هو الموافقُ للترتيبِ الوقوعيِّ لربَّما تُوهم أنَّ الكلَّ دليلٌ واحدٌ على ما ذُكر كما في سورة البقرةِ.