التفاسير

< >
عرض

فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
٥٠
وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٥١
ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ
٥٢
وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ
٥٣
أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
٥٤
-القصص

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ} أي فإنْ لم يفعلُوا ما كلَّفتهم من الإتيانِ بكتابٍ أهدى منهما كقولِه تعالى: { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } [سورة البقرة: الآية 24] وإنَّما عبَّر عنه بالاستجابةِ إيذاناً بأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام على كمالِ أمنٍ من أمرِه كأنَّ أمرَه عليه الصَّلاة والسَّلام لهم بالإتيانِ بما ذُكر دعاءٌ لهم إلى أمرٍ يريدُ وقوعَه. والاستجابةُ تتعدَّى إلى الدُّعاءِ بنفسِه وإلى الدَّاعِي باللامِ فيحذف الدُّعاء عندَ ذلكَ غالباً، ولا يكادُ يقال: استجابَ الله له دعاءَه {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ} الزَّائغةَ من غيرِ أنْ يكونَ لهم متمسَّكٌ ما أصلاً إذ لو كان لهم ذلكَ لأَتَوا به {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ} استفهامٌ إنكاريٌّ للنَّفيِ أيْ لا أضلَّ ممَّن اتَّبع هواهُ {بِغَيْرِ هُدًى مّنَ ٱللَّهِ} أي هو أضلُّ من كلِّ ضالَ وإنْ كانَ ظاهرُ السَّبكِ لنفيِ الأصلِ لا لنفيِ المُساوي كما هُو في نظائرِه مراراً. وتقيـيدُ اتِّباعِ الهَوَى بعدمِ الهُدى من الله تعالى لزيادةِ التَّقريعِ والإشباعِ في التَّشنيعِ والتَّضليلِ وإلا فمقارنتُه لهدايتِه تعالى بـينةُ الاستحالةِ {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} الذين ظلمُوا أنفسَهم بالانهماكِ في اتباعِ الهَوَى والإعراضِ عن الآياتِ الهاديةِ إلى الحقِّ المُبـينِ.

{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ ٱلْقَوْلَ} وقُرىء بالتَّخفيف أي أنزلنا القرآنَ عليهم متواصلاً بعضَه إثرَ بعضٍ حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحةُ أو متتابعاً وعداً ووعيداً قصصاً وعبراً ومواعظَ ونصائحَ {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} فيؤمنون بما فيه {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ} أي من قبلِ إيتاءِ القُرآنِ {هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} وهم مُؤمنو أهلِ الكتابِ وقيل: أربعون من أهلِ الإنجيلِ اثنانِ وثلاثون جاءوا مع جعفرٍ من الحبشةِ وثمانيةٌ من الشامِ {وَإِذَا يُتْلَىٰ} أي القرآنُ {عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّنَا} أي الحقُّ الذي كنَّا نعرفُ حقِّيتِه وهو استنئافٌ لبـيانِ ما أوجب إيمانَهم. وقوله تعالى: {إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ} أي مِن قبلِ نزولِه {مُسْلِمِينَ} بـيانٌ لكونِ إيمانِهم به أمراً متقادمَ العهدِ لما شاهدوا ذكرَه في الكتبِ المتقدمةِ وأنَّهم على دينِ الإسلام قبل نزولِ القرآنِ {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بما ذُكر من المنعوتِ {يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} مرةً على إيمانِهم بكتابِهم ومرةً على إيمانِهم بالقرآنِ {بِمَا صَبَرُواْ} بصبرِهم وثباتِهم على الإيمانينِ أو على الإيمان بالقرآنِ قبل النزول وبعده أو على أذى من هاجرَهم من أهلِ دينِهم ومن المشركين {وَيَدْرَءونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ} أي يدفعونَ بالطَّاعةِ المعصيةَ لقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها" {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} في سبـيلِ الخيرِ.