التفاسير

< >
عرض

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ
١٦
ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ
١٧
شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
١٨
-آل عمران

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءَامَنَّا} في محل الرفعِ على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ كأنه قيل: مَنْ أولئك المتقون الفائزون بهذه الكرامات السنية فقيل: هم الذين الخ أو النصبِ على المدح أو الجر على أنه تابعٌ للمتقين نعتاً أو بدلاً أو للعباد كذلك والأول أظهر، وقوله تعالى: { وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ } [آل عمران، الآيات: 15- 20] حينئذ معترضةٌ، وتأكيد الجملة لإظهار أن إيمانهم ناشىء من وفور الرغبة وكمال النشاط، وفي ترتيب الدعاء بقولهم {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} على مجرد الإيمان دَلالةٌ على كفايته في استحقاق المغفرة والوقاية من النار {ٱلصَّـٰبِرِينَ} هو - على تقدير كونه الموصول في محل الرفع - منصوبٌ على المدح بإضمار أعني وأما على تقدير كونه في محل النصب أو الجر فهو نعت له، والمراد بالصبر هو الصبر على مشاقّ الطاعات وعلى البأساء والضراء وحين البأس {وَٱلصَّـٰدِقِينَ} في أقوالهم ونياتهم وعزائمِهم {وَٱلْقَـٰنِتِينَ} المداومين على الطاعات المواظبـين على العبادات {وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ} أموالَهم في سبـيل الله تعالى {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} قال مجاهدٌ وقَتادةُ والكلبـي: هم المصلون بالأسحار، وعن زيد بن أسلَمَ: هم الذين يصلون الصبحَ في جماعة. وقال الحسن: مدُّوا الصلاة إلى السحر ثم استغفروا. وقال نافع: كان ابن عمرَ رضي الله عنه يحيـي الليلة ثم يقول: يا نافع أسْحَرْنا؟ فأقول: لا فيعاود الصلاة فإذا قلت نعم قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح، وعن الحسن: كانوا يصلون في أول الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار. وتخصيصُ الأسحار بالاستغفار لأن الدعاء فيها أقربُ إلى الإجابة إذِ العبادة حينئذ أسبقُ والنفسُ أصفى والروح أجمعُ لا سيما للمتهجّدين، وتوسيط الواو بـين الصفات المعدودة للدلالة على استقلال كلَ منها وكمالهم فيها، أو لتغايُر الموصوفين بها.

{شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ} بفتح الهمزة أي بأنه أو على أنه {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي بـيّنَ وحدانيتَه بنصب الدلائل التكوينية في الآفاق والأنفس وإنزالِ الآيات التشريعية الناطقة بذلك. عبر عنه بالشهادة على طريقة الاستعارة إيذاناً بقوته في إثبات المطلوبِ وإشعاراً بإنكار المنكر، وقرىء إنه بكسر الهمزة إما بإجراء. {شَهِدَ} مُجرى قال، وإما بجعل الجملة اعتراضاً وإيقاعِ الفعل على قوله تعالى: { إِنَّ الدّينَ } [آل عمران، الآية 19] الخ على قراءة أن بفتح الهمزة كما سيأتي وقرىء شهداءٌ لله بالنصب على أنه حال من المذكورين أو على المدح وبالرفع على أنه خبر مبتدإٍ محذوف ومآله الرفع على المدح أي هم شهداء لله وهو إما جمع شهيد كظرفاء في جمع ظريف أو جمع شاهد كشعراء في جمع شاعر.

{وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ} عطف على الاسم الجليل بحمل الشهادة على معنىً مجازيّ شامل للإقرار والإيمان بطريق عموم المجاز أي أقروا بذلك {وَأُوْلُو ٱلْعِلْمِ} أي آمنوا به واحتجوا عليه بما ذكر من الأدلة التكوينية والتشريعية، قيل: المرادُ بهم الأنبـياء عليهم الصلاة والسلام وقيل: المهاجرون والأنصار وقيل: علماء مؤمني أهلِ الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأضرابِه وقيل: جميعُ علماء المؤمنين الذين عرفوا وحدانيته تعالى بالدلائل القاطعة، وارتفاعُهما على القراءتين الأخيرتين قيل: بالعطف على الضمير في شهداء لوقوع الفصل بـينهما وأنت خبـير بأن ذلك على قراءة النصبِ على الحالية يؤدي إلى تقيـيد حالِ المذكورين بشهادة الملائكة وأولي العلم، وليس فيه كثيرُ فائدةٍ فالوجه حينئذٍ كونُ ارتفاعِهما بالابتداء والخبرُ محذوفٌ لدلالة الكلام عليه أي والملائكة وأولو العلم شهداء ولك أن تحمل القراءتين على المدح نصباً ورفعاً فحينئذ يحسُن العطفُ على المستتر على كل حال وقوله تعالى: {قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ} أي مقيماً للعدل في جميع أمورِه بـيان لكماله تعالى في أفعاله إثرَ بـيانِ كماله في ذاته وانتصابُه على الحالية من {ٱللَّهِ} كما في قوله تعالى: { وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدّقًا } [البقرة، الآية 91] وإنما جاز إفرادُه مع عدم جواز جاء زيد وعمرو راكباً لعدم اللَّبس كقوله تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } [الأنبياء، الآية 72] ولعل تأخيرَه عن المعطوفين للدَلالة على علو رتبتهما وقُرب منزلتهما والمسارعةِ إلى إقامة شهودِ التوحيد اعتناءً بشأنه ورفعاً لمحله، والسرُّ في تقديمه على المعطوفين مع ما فيه من الإيذان بأصالته تعالى في الشهادة به كما مر في قوله تعالى: { ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } [البقرة، الآية 285] أو مِنْ {هُوَ} وهو الأوجه، والعامل فيها معنى الجملة أي تفرّد، أو أُحِقّه لأنها حال مؤكدة أو على المدح وقبل على أنه صفة للمنفي أي لا إلٰه قائماً الخ والفصل بـينهما من قبـيل توسعاتهم وهو مندرج في المشهود به إذا جعل صفة أو حالاً من الضمير أو نصباً على المدح منه وقرىء القائمُ بالقسط على البدلية من {هُوَ} فيلزم الفصلُ بـينهما كما في الصفة أو على أنه خبر لمبتدإ محذوف وقرىء قيّماً بالقسط.

{لا إله إِلاَّ هُوَ} تكريرٌ للتأكيد ومزيدِ الاعتناء بمعرفة أدلةِ التوحيد والحُكم به بعد إقامة الحجةِ وليجرِيَ عليه قوله تعالى: {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} فيُعلمَ أنه المنعوتُ بهما، ووجهُ الترتيب إذن تقدمُ العلمِ بقدرته على العلم بحكمته تعالى ورفعُهما على البدلية من الضمير أو الوصفية لفاعل شهد، أو الخبرية لمبتدأ مُضمَر وقد روي في فضلها أنه عليه السلام قال: "يُجاء بصاحبها يومَ القيامة فيقول الله عز وجل: إن لعبدي هذا عندي عهداً، وأنا أحقُّ من وفىٰ بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة" وهو دليل على فضل علم أصولِ الدين وشرفِ أهله، وروي عن سعيد بن جبـير أنه كان حول البـيت ثلثُمائة وستون صنماً فلما نزلت هذه الآية الكريمة خرَرْنَ سُجّداً. وقيل: نزلت في نصارى نَجرانَ. وقال الكلبـي: "قدم على النبـي صلى الله عليه وسلم حَبرانِ من أحبار الشام فلما أبصرا المدينة قال أحدُهما: ما أشبه هذه المدينةَ بصفة مدينة النبـي الذي يخرُج في آخر الزمان فلما دخلا عليه عليه السلام عرفاه بصفته فقالا له عليه السلام: أنت محمدٌ؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم قالا: وأنت أحمدُ؟ قال عليه السلام: أنا محمدٌ وأحمد قالا: فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك قال عليه السلام: سلا فقال: أخبِرْنا عن أعظم شهادةٍ في كتاب الله عز وجل فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة فأسلم الرجلان" .