التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٥١
فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
٥٢
-آل عمران

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} فإنه الحقُّ الصريحُ الذي أجمع عليه الرسلُ قاطبةً فيكون آيةً بـيِّنة على أنه عليه الصلاة والسلام من جملتهم وقرىء {إِنَّ ٱللَّهَ} بالفتح بدلاً من آية أي «قد جئتكم بآية على أن الله ربـي وربُّكم» وقولُه: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} اعتراض، والظاهرُ أنه تكريرٌ لما سبق، أي «قد جئتكم بآية بعد آية مما ذكرتُ لكم من خلق الطير وإبراءِ الأكمهِ والأبرصِ والإحياءِ والإنباءِ بالخفيات وغيرِه من ولادتي بغير أبٍ ومن كلامي في المهد وغير ذلك»، والأولُ لتمهيد الحجة والثاني لتقريبها إلى الحكم ولذلك رُتّب عليه بالفاء قولُه: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي «لِمَا جئتُكم بالمعجزات الباهرةُ والآياتِ الظاهرة فاتقوا الله في المخالفة وأطيعونِ فيما أدعوكم إليه» ومعنى قراءةِ من فتح: «ولأن الله ربـي وربكم فاعبدوه» كقوله تعالى: { لإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ } [قريش، الآية: 1] الخ ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبُّكُمْ} إشارةً إلى أن استكمالَ القوةِ النظريةِ بالاعتقاد الحقِّ الذي غايتُه التوحيدُ وقال: {فَٱعْبُدُوهُ} إشارةً إلى استكمال القوةِ العمليةِ فإنه يلازِمُ الطاعة التي هي الإتيانُ بالأوامر والانتهاءُ عن المناهي ثم قرر ذلك بأن بـيّن أن الجمعَ بـين الأمرين هو الطريقُ المشهودُ له بالاستقامة، ونظيرُه قوله عليه الصلاة والسلام: "قُلْ آمَنْتُ بالله ثم اسْتَقِمْ" {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} شروعٌ في بـيان مآلِ أحوالِه عليه السلام إثرَ ما أشير إلى طرَفٍ منها بطريق النقلِ عن الملائكة، والفاءُ فصيحة تُفصِحُ عن تحقُّق جميعِ ما قالته الملائكةُ، وخروجُه من القوة إلى الفعل حسبما شرحتُه كما في قوله تعالى: { فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ } [سورة النمل، الآية 40] بعد قوله تعالى: { أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } [سورة النمل، الآية 40] كأنه قيل: فحمَلته فولدتْه فكان كيتَ وكيت وقال: ذيتَ وذيت وإنما لم يذكُرْه اكتفاءً بحكاية الملائكةِ وإيذاناً بعدم الخُلْفِ وثقةً بما فُصّل في المواضع الأُخَرِ. وأما عدمُ نظمِ بقية أحوالِه عليه الصلاة والسلام في سلك النقلِ فإما للاعتناء بأمرِها أو لعدم مناسبتها للمقام فيها من ذكر مُقاساتِه عليه الصلاة والسلام للشدائد ومعاناتِه للمكايد، والمرادُ بالإحساس الإدراكُ القويُّ الجاري مَجرَى المشاهدةِ، وبالكفر إصرارُهم عليه وعتوُّهم ومكابرتُهم فيه مع العزيمة على قتله عليه الصلاة والسلام كما ينبىء عنه الإحساسُ فإنه إنما يُستعمل في أمثال هذه المواقعِ عند كونِ مُتعلّقِه أمراً محذوراً مكروهاً كما في قوله عز وجل: { فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ } [الأنبياء، الآية 12] وكلمةُ مِنْ متعلقةٌ بأحسّ والضميرُ المجرورُ لبني إسرائيلَ أي ابتدأ الإحساسَ من جهتهم، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريحِ لما مر غيرَ مرةٍ من الاعتناء بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤخَّر، وقيل: متعلقةٌ بمحذوف وقعَ حالاً من الكفر {قَالَ} أي لِخُلّصِ أصحابِه لا لجميعِ بني إسرائيلَ لقوله تعالى: { كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ } [سورة الصف، الآية 14] الآية. وقوله تعالى: { فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ } [سورة الصف، الآية 14] ليس بنص في توجيه الخطابِ إلى الكل بل يكفي فيه بلوغُ الدعوة إليهم {مَنْ أَنصَارِى} الأنصارُ جمع نصير كأشراف جمع شريف.

{إِلَى ٱللَّهِ} متعلقٌ بمحذوف وقعَ حالاً من الياء أي مَنْ أنصاري متوجهاً إلى الله ملتجئاً إليه أو بأنصاري متضمناً معنى الإضافةِ كأنه قيل: «مَنِ الذين يُضيفون أنفسَهم إلى الله عز وجل ينصُرونني كما ينصُرني» وقيل: {إِلَىٰ} بمعنى في، أي في سبـيل الله وقيل: بمعنى اللام وقيل: بمعنى مع {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال ينساقُ إليه الذهنُ كأنه قيل: فماذا قالوا في جوابه عليه الصلاة والسلام؟ فقيل قال: {ٱلْحَوَارِيُّونَ} جمعُ حَواريّ يقال: فلان حَواري فلان أي صفوتُه وخالصتُه من الحَوَر وهو البـياضُ الخالص ومنه الحوارياتُ للحَضَريات لخُلوص ألوانِهن ونقائِهن، سُمّي به أصحابُ عيسى عليه الصلاة والسلام لخُلوص نياتِهم ونقاءِ سرائرِهم، وقيل: لِمَا عليهم من آثار العبادةِ وأنوارِها، وقيل: كانوا ملوكاً يلبَسون البـياضَ وذلك أن واحداً من الملوك صنعَ طعاماً وجمع الناسَ عليه وكان عيسى عليه الصلاة والسلام على قصعةٍ لا يزال يأكلُ منها ولا تنقُص، فذكروا ذلك للملك فاستدعاه عليه الصلاة والسلام فقال له: من أنت؟ قال: «عيسى بن مريم»، فترك مُلكَه وتبِعه مع أقاربه فأولئك هم الحَواريون، وقيل: كانوا صيادين يصطادون السمكَ يلبَسون الثيابَ البـيض فيهم شمعونُ ويعقوبُ ويوحنا فمرّ بهم عيسى عليه الصلاة والسلام فقال لهم: «أنتم تصيدون السمكَ فإن اتبعتموني صَرْتم بحيث تصيدون الناسَ بالحياة الأبدية» قالوا: من أنت؟ قال: «عيسى بنُ مريم عبدُ اللَّه ورسولُه» فطلبوا منه المعجزة، وكان شمعونُ قد رمىٰ شبكتَه تلك الليلةَ فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى عليه الصلاة والسلام بإلقائها في الماء مرةً أخرى ففعل فاجتمع في الشبكة من السمك ما كادَتْ تتمزقُ واستعانوا بأهل سفينةٍ أخرى وملأوا السفينتين، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السلام وقيل: كانوا اثنيْ عشرَ رجلاً آمنوا به عليه الصلاة والسلام واتبعوه وكانوا إذا جاعوا قالوا: جُعْنا يا روحَ الله فيضرِب بـيده الأرضَ فيخرُجُ منها لكل واحد رغيفان، وإذا عطِشوا قالوا: عطِشنا فيضرب بـيده الأرضَ فيخرُج منها الماءُ فيشربون فقالوا: من أفضلُ منا؟ قال عليه الصلاة والسلام: «أفضلُ منكم من يعمل بـيدِه ويأكلُ من كَسْبه» فصاروا يغسِلون الثيابَ بالأُجرة فسُمّوا حَواريـين. وقيل: إن أمَّه سلّمتْه إلى صبّاغ فأراد الصباغُ يوماً أن يشتغل ببعض مَهمَّاتِه فقال له عليه الصلاة والسلام: هٰهنا ثيابٌ مختلفة قد جَعَلْتُ لكل واحدٍ منها علامةً معينةً فاصبِغْها بتلك الألوانِ، فغاب فجعلها عليه الصلاة والسلام كلَّها في جُبَ واحدٍ وقال: «كوني بإذن الله كما أُريد» فرجع الصبَّاغُ فسأله فأخبره بما صنع فقال: أفسدتَ عليّ الثيابَ قال: «قمْ فانظرْ» فجعل يُخرِجُ ثوباً أحمرَ وثوباً أخضرَ وثوباً أصفرَ إلى أن أخرج الجميعَ على أحسنِ ما يكون حسبما كان يريد فتعجَّبَ منه الحاضرون وآمنوا به عليه الصلاة والسلام وهم الحواريون، قال القفالُ: ويجوزُ أن يكون بعضُ هؤلاء الحواريـين الاثنيْ عشرَ من الملوك وبعضُهم من صيادي السمك وبعضُهم من القصّارين وبعضُهم من الصبَّاغين والكلُّ سُمّوا بالحَواريـين لأنهم كانوا أنصارَ عيسى عليه الصلاة والسلام وأعوانَه والمخلِصين في طاعته ومحبتِه.

{نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} أي أنصار دينه ورسولِه {آمنَّا بِٱللَّهِ} استئنافٌ جارٍ مَجرى العلةِ لما قبله فإن الإيمانَ به تعالى موجبٌ لنُصرة دينِه والذبِّ عن أوليائه والمحاربةِ مع أعدائه {وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} مخلِصون في الإيمانِ منقادون لما تريد منا من نُصرتك، طلبوا منه عليه الصلاة والسلام الشهادةَ بذلك يومَ القيامة يوم أُشهِدَ الرسلُ عليهم الصلاة والسلام لأُممهم وعليهم إيذاناً بأن مرمىٰ غرضِهم السعادةُ الأخروية.