التفاسير

< >
عرض

رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ
٨
رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ
٩
-آل عمران

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} من تمام مقالةِ الراسِخين أي لا تُزِغْ قلوبَنا عن نهج الحقِّ إلى اتباع المتشابهِ بتأويلٍ لا ترتضيه، قال صلى الله عليه وسلم: "قلبُ ابن آدمَ بـين أصْبعين من أصابع الرحمٰن إن شاء أقامه على الحقّ وإن شاء أزاغه عنه" وقيل: معناه لا تَبْلُنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} أي إلى الحق والتأويل الصحيح أو إلى الإيمان بالقسمين وبعد نُصبَ بلا تزِغ على الظرف وإذْ في محل الجر بإضافته إليه خارجٌ من الظرفية أي بعد وقت هدايتِك إيانا وقيل: إنه بمعنى أنْ {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ} كِلا الجارّين متعلقٌ بهَبْ وتقديم الأول لما مر مراراً ويجوز تعلّقُ الثاني بمحذوف هو حالٌ من المفعول أي كائنة من لدنك ومن لابتداء الغاية المجازية ولدُنْ في الأصل ظرف بمعنى أولُ غايةِ زمانٍ أو مكان أو غيرِهما من الذوات نحوُ من لدُنْ زيدٍ وليست مرادفةً لعند إذ قد تكون فضلة، وكذا لدى، وبعضُهم يخُصُّها بظرف المكان وتضاف إلى صريح الزمان كما في قوله: [الرجز]

تنتفضُ الرّعدةُ في ظُهَيْريمن لدنِ الظُهرِ إلى العُصَيرِ

ولا تُقطع عن الإضافة بحال، وأكثرُ ما تضاف إلى المفردات وقد تضاف إلى أنْ وصلتِها كما في قوله: [الطويل]

ولم تقْطعَ اصلاً من لدنْ أنْ ولِيتَناقرابةَ ذي رَحْمٍ ولا حقَّ مسلمِ

أي من لدن ولايتِك إيانا وقد تضاف إلى الجملة الاسميةِ كما في قوله:

تَذَكَّرُ نُعماه لدُنْ أنت يافعُ

وإلى الجملة الفعلية أيضاً كما في قوله: [الطويل]

لزِمنا لدنْ سالمتمونا وِفاقَكمفلا يكُ منكم للخِلاف جُنوحُ

وقلما تخلو عن من كما في البـيتين الأخيرين {رَحْمَةً} واسعةً تُزلِفُنا إليك ونفوزُ بها عندك أو توفيقاً للثبات على الحق، وتأخيرُ المفعول الصريح عن الجارّين لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر فإن من حقه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفسُ مترقبةً لوروده لا سيما عند الإشعارِ بكونه من المنافعِ باللام فإذا أورده يتمكن عندها فضلُ تمكّنٍ {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} تعليل للسؤال أو لإعطاء المسؤولِ وأنت إما مبتدأٌ أو فصلٌ أو تأكيدٌ لاسم إنّ وإطلاقُ الوهاب ليتناول كلَّ موهوب، وفيه دِلالة على أن الهدى والضلال من قِبله تعالى وأنه متفضّلٌ بما يُنعم به على عباده من غير أن يجب عليه شيء.

{رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ} أي لحساب يومِ أو لجزاء يوم حُذف المضاف وأقيم مُقامه المضافُ إليه تهويلاً له وتفظيعاً لما يقع فيه {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي في وقوعه ووقوعِ ما فيه من الحشر والحسابِ والجزاء، ومقصودُهم بهذا عرضُ كمالِ افتقارِهم إلى الرحمة وأنها المقصِدُ الأسنى عندهم، والتأكيدُ لإظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينةِ وقوة اليقينِ بأحوال الآخرة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} تعليلٌ لمضمون الجملة المؤكدةِ أو لانتفاء الريب، والتأكيد لما مر، وإظهارُ الاسمِ الجليل مع الالتفات لإبراز كمالِ التعظيم والإجلالِ الناشىء من ذكر اليوم المَهيب الهائل بخلاف ما في آخر السورة الكريمة فإنه مقامُ طلب الإنعام كما سيأتي وللإشعار بعلة الحُكم فإن الألوهيةَ منافيةٌ للإخلاف وقد جُوّز أن تكون الجملةُ مَسوقةً من جهته تعالى لتقرير قولِ الراسخين، والميعادُ مصدرٌ كالميقات واستُدل به الوعيدية وأجيب بأن وعيدَ الفساقِ مشروطٌ بعدم العفو بدلائلَ مفصلةٍ كما هو مشروط بعدم التوبة وِفاقاٌ.