التفاسير

< >
عرض

ٱللَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
١١
وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ
١٢
وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ
١٣
وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ
١٤
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
١٥
-الروم

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ} أي يُنشئهم {ثُمَّ يُعِيدُهُ} بعد الموتِ بالبعثِ {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} إلى موقفِ الحسابِ والجزاءِ. والالتفاتُ للمُبالغةِ في التَّرهيبِ وقُرىء بالياءِ {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ} التي هي وقتُ إعادة الخلق ورجعهم إليه، {يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي يسكُتون مُتحيِّرينَ لا ينبِسُون، يقال ناظرتُه فأبلسَ إذا سكتَ وأيسَ من أنْ يحتجَّ. وقُرىء بفتحِ اللامِ، من أبلسَه إذا أفحمَه وأسكتَه {وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء} يجيرونَهم من عذابِ الله تعالى كما كانُوا يزعمونَه. وصيغةُ الجمعِ لوقوعِها في مقابلةِ الجمعِ أي لم يكُن لواحدٍ منهم شفيعٌ أصلاً {وَكَانُواْ بِشُرَكَائِهِمْ كَـٰفِرِينَ} أي بإلهٰيَّتهم وشركتِهم مِ سبحانه حيثُ وقفُوا على كُنهِ أمرِهم. وصيغةُ الماضِي للدِّلالةِ على تحقُّقِه وقيلَ كانُوا في الدُّنيا كافرين بسببِهم وليسَ بذاكَ إذْ ليسَ في الإخبارِ به فائدةٌ يعتدُّ بها. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ} أُعيدَ لتهويلِه وتفظيعِ ما يقعُ فيه. وقولُه تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} تهويلٌ له إثرَ تهويلٍ، وفيه رمزٌ إلى أنَّ التَّفرقَ يقعُ في بعضٍ منه. وضميرُ يتفرَّقُون لجميعِ الخلقِ المدلولِ عليهم بما تقدَّمَ من بدئِهم وإعادتِهم ورجعِهم لا المجرمون خاصَّة. وليسَ المرادُ بتفرُّقِهم افتراقَ كلِّ فردٍ منهم عن الآخرِ بل تفرُّقَهم إلى فريقَيْ المؤمنينَ والكافرينَ كما في قولِه تعالى: { { فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ } [سورة الشورى: الآية 7] وذلك بعد تمامِ الحسابِ. وقولُه تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} تفصيلٌ وبـيانٌ لأحوالِ ذينكَ الفريقينِ. والرَّوضةُ كلُّ أرضٍ ذاتِ نباتٍ وماءٍ ورَوْنقٍ ونَضارةٍ. وتنكيرُها للتَّفخيم. والمرادُ بها الجَّنةُ، والحُبورُ السُّرورُ يقال حبرَهُ إذا سرَّهُ سُروراً تهلَّل له وجهُه، وقيل: الحَبرةُ كلُّ نغمةٍ حسنةٍ والتَّحبـيرُ التَّحسينُ. واختلفتْ فيه الأقاويلُ لاحتمالِه وجوهَ جميعِ المسارِّ. فعنِ ابنِ عبَّاسٍ ومُجاهدٍ: يُكرمون. وعن قَتادةَ يُنعَّمون. وعن ابن كيسانَ يُحلَّون وعن بكر بن عيَّاشِ: التِّيجانُ على رؤوسِهم. وعن وكيعٍ: السَّماعُ في الجَّنةِ. "وعن النبـيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم، أنَّه ذكَر الجنَّةَ وما فيها من النعيمِ وفي آخرِ القومِ أعرابـيُّ فقالَ: يا رسولَ الله هَلْ في الجَّنةِ من سماعٍ قال عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا أعرابـيُّ إنَّ في الجنَّةِ لنهراً حافَّتاه الأبكارُ من كلِّ بـيضاءَ خُوصانيةِ يتغنَّين بأصواتٍ لم يسمعِ الخلائقُ بمثلِها قَطّ فذلكَ أفضلُ نعيمِ الجنَّةِ" قال الرَّاوي فسألتُ أبا الدرداءِ رضي الله عنه بمَ يتغنَّين قال بالتَّسبـيحِ. ورُوي إنَّ في الجنَّةِ لأشجاراً عليها أجراسٌ من فضَّةٍ فإذا أرادَ أهلُ الجَّنةِ السَّماعَ بعثَ الله تعالى ريحاً من تحتِ العرشِ فتقعُ في تلكَ الأشجارِ فتحركُ تلك الأجراسَ بأصواتٍ لو سمعها أهلُ الدُّنيا لماتُوا طرباً.