التفاسير

< >
عرض

لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً
٨
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً
٩
-الأحزاب

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

وقولُه تعالى: {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّـٰدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} متعلقٌ بمضمرٍ مستأنفٌ مسوقٌ لبـيانِ ما هو داعٍ إلى ما ذُكر من أخذِ الميثاقِ وغاية له لا بأخذنا فإنَّ المقصودَ تذكيرُ نفسِ الميثاقِ ثمَّ بـيانُ الغرضِ منه بـياناً قصديَّاً كما ينبـىءُ عنه تغيـيرُ الأسلوبِ بالالتفات إلى الغَيبةِ أي فعل الله ذلك ليسألَ يومَ القيامةِ الأنبـياءَ، ووضعَ الصَّادقينَ موضعَ ضميرِهم للإيذانِ من أولِ الأمرِ بأنَّهم صادقون فيما سُئلوا عنه وإنَّما السُّؤالُ لحكمةٍ تقتضِيه أي ليسألَ الأنبـياءَ الذين صدقُوا عهودَهم عمَّا قالُوه لقومِهم أو عن تصديقِهم إيَّاهم تبكيتاً لهم كما في قولِه تعالى: { يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } [سورة المائدة: الآية 109] أو المصدِّقين لهم عن تصديقِهم فإنَّ مصدِّقَ الصَّادقِ صادقٌ وتصديقَه صدقٌ وأما ما قيل: من أنَّ المعنى ليسأل المؤمنينَ الذين صدقُوا عهدَهم حين أشهدَهم على أنفسِهم عن صدقِهم عهدَهم فيأباهُ مقامُ تذكيرِ ميثاقِ النبـيـينَ. وقولُه تعالى: {وَأَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً} عطفٌ على ما ذُكر من المضمرِ لا على أخذَنا كما قيلَ. والتَّوجيه بأنَّ بعثةَ الرُّسلِ وأخذَ الميثاقِ منهم لإثابةِ المؤمنينَ أو بأنَّ المعنى أنَّ الله تعالى أكَّد على الأنبـياءِ الدَّعوةَ إلى دينِه لأجلِ إثابةِ المُؤمنينَ تعسُّفٌ ظاهرٌ مع أنَّه مفضٍ إلى كونِ بـيانِ إعدادِ العذابِ الأليمِ للكافرينَ غيرُ مقصودٍ بالذَّاتِ نعم يجوزُ عطفُه على ما دلَّ عليه قولُه تعالى: ليسألَ الصَّادقينَ كأنَّه قيل: فأثابَ المؤمنينَ وأعدَّ للكافرينَ الآيةَ.

{يَـا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} إنْ جُعل النِّعمةَ مصدرَاً، فالجارُّ متعلِّقٌ بها وإلا فهو متعلِّق بمحذوفٍ هو حالٌ منها أي كائنةً عليكُم {إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ} ظرفٌ لنفسِ النِّعمةِ أو لثبوتِها لهم، وقيل: منصوبٌ باذكروا على أنَّه بدلُ اشتمالٍ من نعمةِ الله، والمرادُ بالجنودِ الأحزابُ وهُم قريشٌ وغَطَفانُ ويهودُ قريظةَ والنَّضيرِ وكانُوا زُهاءَ اثني عشرَ ألفاً فلمَّا سمعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بإقبالِهم ضربَ الخندقَ على المدينةِ بإشارةِ سلمانَ الفارسيِّ ثمَّ خرجَ في ثلاثةِ آلافٍ من المُسلمينَ فضربَ معسكَرهُ والخندقُ بـينَهُ وبـينَ القومِ وأمرَ بالذَّرارىِ والنِّساءِ فَرفعوا في الآطامِ واشتدَّ الخوفُ وظنَّ المؤمنونَ كلَّ ظنَ ونجمَ النِّفاقُ في المنافقينَ حتَّى قال معتِّبُ بنُ قُشيرٍ: كان محمدٌ يَعِدنا كنوزَ كسرى وقيصرَ ولا نقدرُ أنْ نذهبَ إلى الغائطِ ومضَى على الفريقينِ قريبٌ من شهرٍ لا حربَ بـينهم إلا أنَّ فوارسَ من قريشٍ منهم عمروُ بنُ عبدِوُدِّ وعكرمةُ بنُ أبـي جهلٍ وهُبـيرةُ بن أبـي وهبٍ ونوفلُ بنُ عبدِ اللَّه وضرارُ بنُ الخطَّابِ ومرداسُ أخُو بني محاربٍ قد ركبُوا خيولَهم وتيَّممُوا من الخندقِ مكاناً مضيقاً فضربُوا خيولَهم فاقتحمُوا فجالتْ بهم في السَّبخة بـين الخندقِ وسلعٍ فخرج عليُّ بنُ أبـي طالبٍ رضي الله عنه في نفرٍ من المسلمين حتَّى أخذَ عليهم الثَّغرة التي اقتحمُوا منها فأقبلتِ الفرسانُ نحوَهم وكان عمروٌ معلماً ليُرى مكانُه فقال له عليٌّ رضي الله عنه: يا عمرُو إنِّي أدعُوك إلى الله ورسولِه والإسلامِ قال: لا حاجةَ لي إليهِ قال: فإنيِّ أدعُوك إلى النِّزالِ قال: يا ابنَ أخي والله إنِّي لا أحبُّ أنْ أقتلَك قال عليٌّ لكنِّي والله أحبُّ أنْ أقتلَك فحمي عمروٌ عند ذلكَ وكان غيُوراً مشهُوراً بالشَّجاعةِ واقتحمَ عن فرسِه فعقَره أو ضربَ وجهَه ثم أقبلَ عَلَى عليَ فتناولاَ وتجاولاَ فضرَبه عليٌّ رضي الله عنه ضربةً ذهبتْ فيها نفسُه فلما قتلَه انهزمتْ خيلُه حتى اقتحمتْ من الخندقِ هاربةً وقتل مع عمروٍ رجلانِ منبِّه بنُ عثمانَ بنِ عبدِ الدَّار ونوفلُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ المُغيرةِ المخزومِّي قتلَه أيضاً عليٌّ رضي الله عنه وقيل: لم يكُن بـينهم إلا التَّرامي بالنَّبلِ والحجارةِ. حتَّى أنزل الله تعالى النَّصرَ وذلكَ قولُه تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} عطفٌ على جاءتْكُم مسوقٌ لبـيانِ النِّعمةِ إجمالاً وسيأتي بقيَّتُها في آخرِ القصَّة {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} وهم الملائكةُ عليهم السَّلامُ، وكانُوا ألفاً بعثَ الله عليهم صَباً باردةً في ليلةٍ شاتيةٍ فأخصرتْهمُ وسفتِ التُّرابَ في وجوهِهم وأمرَ الملائكةَ فقلعت الأوتادَ وقطَّعتِ الأطنابَ وأطفأتِ النِّيرانَ وأكفأتِ القُدورَ وماجتِ الخيلُ بعضُها في بعضٍ وقُذفَ في قلوبِهم الرُّعبُ وكبَّرتِ الملائكةُ في جوانبِ عسكرِهم فقال طليحةُ بنُ خوُيلدِ الأسديُّ: أما محمدٌ فقد بدأكم بالسِّحرِ فالنَّجاءَ النَّجاءَ فانهزمُوا من غيرِ قتالٍ {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من حفرِ الخندقِ وترتيبِ مبادىءِ الحربِ وقيل: من التجائِكم إليه ورجائِكم من فضلِه. وقُرىء بالياءِ أي بما يعملُه الكفَّارُ أي من التَّحرزِ والمحاربةِ أو من الكفرِ والمعاصِي. {بَصِيراً} ولذلكَ فعلَ ما فعلَ من نصرِكم عليهم، والجملةُ اعتراضٌ مقررٌ لما قبله.