التفاسير

< >
عرض

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ
٦٨
وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٦٩
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ
٧٠
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ
٧١
-الزمر

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ} هي النَّفخةُ الأولى {فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ} أي خرُّوا أمواتاً أو مغشيّاً عليهم {إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ} قيل: هم جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ فإنَّهم لا يموتُون بعد وقيل: حَمَلةُ العرشِ. {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ} نفخةٌ أخرى هي النَّفخةُ الثَّانيةُ. وأُخرى يحتملُ النَّصبَ والرَّفعَ. {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ} قائمون من قبورِم أو متوقفون. وقُرىء بالنَّصبِ على أنَّ الخبرَ {يُنظَرُونَ} وهو حالٌ من ضميرِه والمعنى يُقلِّبون أبصارَهم في الجوانبِ كالمبهوتينَ أو ينتظرون ما يفعل بهم. {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبّهَا} بما أقام فيها من العدلِ استُعير له النُّورُ لأنَّه يزيِّنُ البقاعَ ويُظهر الحقوقَ كما يسمَّى الظُّلم ظُلمةً. وفي الحديثِ: "الظُّلم ظلماتٌ يومَ القيامةِ" ولذلك أضيف الأسمُ الجليلُ إلى ضميرِ الأرضُ أو بنور خلقه فيها بلا توسُّطِ أجسامٍ مضيئةٍ ولذلك أُضيف إلى الاسمِ الجليلِ. {وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ} الحسابُ والجزاءُ من وضع المحاسبِ كتابَ المحاسبةِ بـين يديه أو صحائفُ الأعمال في أيدي العمَّالِ واكتفى باسم الجنسِ عن الجمعِ وقيل: اللَّوحُ المحفوظُ يقابل به الصَّحائفُ. {وَجِـيء بِٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلشُّهَدَاء} للأممِ وعليهم من الملائكةِ والمؤمنينَ وقيل: المُستشَهدون {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} بـين العباد {بِٱلْحَقّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقصِ ثوابٍ أو زيادةِ عقابٍ على ما جرى به الوعدُ.

{وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} أي جزاءَه {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} فلا يفوتُه شيءٌ من أفعالِهم. وقولُه تعالى {وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُواْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً} الخ تفصيلٌ للتَّوفيةِ وبـيانٌ لكيفيَّتيِها أي سِيقُوا إليها بالعُنفِ والإهانةِ أفواجاً متفرقةً بعضُها في إثرِ بعضٍ مترتِّبةً حسب ترتُّبِ طبقاتهم في الضَّلالةِ والشِّرارةِ. والزُّمَر جمعُ زُمْرةٍ، واشتقاقها من الزَّمرِ وهو الصَّوتُ إذِ الجماعةُ لا تخلُو عنه. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا} ليدخلُوها. وحتَّى هي التي تُحكى بعدها الجملةُ. وقرىء بالتَّشديدِ. {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} تقريعاً وتوبـيخاً {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ} من جنسِكم. وقُرىء نُذُر منكم. {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِ رَبّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَـاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} أي وقتِكم هذا وهو وقتُ دخولِهم النَّارَ، وفيه دليلٌ على أنَّه لا تكليفَ قبل الشِّرعِ من حيثُ أنَّهم علَّلوا توبـيخَهم بإتيان الرُّسلِ وتبليغَ الكُتبِ {قَالُواْ بَلَىٰ} قد أتَونا وأنذرونا {وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} حيثُ قال الله تعالى لإبليسَ: { { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } [سورة ص: الآية 85] وقد كنَّا ممَّن تبعَه وكذَّبنا الرُّسلَ وقلنا ما نزَّل الله من شيءٍ إنْ أنتمُ إلاَّ تكذبُون.