التفاسير

< >
عرض

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقاً غَلِيظاً
٢١
وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً
٢٢
-النساء

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

وقوله عز وجل: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} إنكارٌ لأخذه إثرَ إنكارٍ وتنفيرٌ عنه بعد تنفيرٍ، وقد بولغ فيه حيث وُجّه الإنكارُ إلى كيفية الأخذِ إيذاناً بأنه مما لا سبـيل له إلى التحقق والوقوعِ أصلاً لأن ما يدخُل تحت الوجودِ لا بد أن يكون على حال من الأحوال فإذا لم يكن لشيء حالٌ أصلاً لم يكن له حظٌّ من الوجود قطعاً، وقوله عز وجل: {وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} حالٌ من فاعل تأخُذونه مفيدةٌ لتأكيد النكيرِ وتقريرِ الاستبعادِ، أي على أي حالٍ أو في أي حالٍ تأخُذونه والحالُ أنه قد جرى بـينكم وبـينهن أحوالٌ منافيةٌ له من الخَلْوة وتقرُّرِ المَهرِ وثبوتِ حقِّ خِدْمتِهن لكم وغير ذلك {وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً غَلِيظاً} عطفٌ على ما قبله داخلٌ في حكمه أي أخذْنَ منكم عهداً وثيقاً وهو حقُّ الصحبةِ والمعاشرةِ أو ما وثّق اللَّهُ تعالى عليهم في شأنهن بقوله تعالى: { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } [البقرة، الآية 229] أو ما أشار إليه النبـي عليه الصلاة والسلام: "أخذتُموهن بأمانةِ اللَّهِ واستحللتم فروجَهن بكلمة الله تعالى" .

{وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ} شروعٌ في بـيان من يحْرُم نكاحُها من النساء ومَنْ لا يحرُم، وإنما خُصَّ هذا النكاحُ بالنهي ولم يُنْظَمْ في سلك نكاحِ المحرِّماتِ الآتيةِ مبالغةً في الزجر عنه حيث كانوا مُصِرِّين على تعاطيه قال ابنُ عباسٍ وجمهورُ المفسِّرين: كان أهلُ الجاهليةِ يتزوّجون بأزواج آبائِهم فنُهوا عن ذلك، واسمُ الآباءِ ينتظِمُ الأجدادَ مجازاً فتثبُت حرمةُ ما نكحوها نصاً وإجماعاً، ويستقِلُّ في إثبات هذه الحُرمةِ نفس النكاحِ إذا كان صحيحاً وأما إذا كان فاسداً فلا بد في إثباتها من الوطء أو ما يجري مجراه من التقبـيل والمسِّ بشهوة ونحوِهما، بل هو المثبِتُ لها في الحقيقة حتى لو وقع شيءٌ من ذلك بحكم مِلكِ اليمينِ أو بالوجه المحرَّمِ تثبتُ به الحُرمةُ عندنا خلافاً للشافعي في المحرّم أي لا تنكحوا التي نكحها آباؤكم، وإيثارُ (ما) على مَنْ للذهاب إلى الوصف، وقيل ما مصدريةٌ على إرادة المفعولِ من المصدر {مّنَ ٱلنّسَاء} بـيانٌ لما نُكِح على الوجهين {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} استثناءٌ مما نكَحَ مفيدٌ للمبالغة في التحريم بإخراج الكلامِ مُخرَجَ التعليقِ بالمُحال على طريقةِ قولهِ: [الطويل]

ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهمبهنّ فُلولٌ من قراع الكتائبِ

والمعنى لا تنكِحوا حلائلَ آبائِكم إلا من ماتت منهن، والمقصودُ سدُّ طريقِ الإباحةِ بالكلية ونظيرُه قوله تعالى: { حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ } [الأعراف، الآية 40] وقيل: هو استثناء مما يستلزِمُه النهي ويستوجبه مباشرةً المنهيُّ عنه كأنه قيل: لا تنكِحوا ما نكح آباؤكم من النساء فإنه موجبٌ للعقاب إلا ما قد مضى فإنه معفوٌّ عنه، وقيل: هو استثناءٌ منقطعٌ معناه لكنْ ما قد سلف لا مؤاخذةَ عليه لا أنه مقرَّرٌ، ويأباهما قولُه تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتاً} فإنه تعليلٌ للنهي وبـيانٌ لكون المنهيِّ عنه في غاية القُبحِ مبغوضاً أشدَّ البُغضِ وأنه لم يزَلْ في حكم الله تعالى وعلمِه موصوفاً بذلك ما رَخَّص فيه لأمة من الأمم فلا يلائم أن يُوسَّطَ بـينهما ما يُهوِّن أمرَه من ترك المؤاخذةِ على ما سلفَ منه {وَسَاء سَبِيلاً} في كلمة {سَاء} قولانِ: أحدُهما أنها جاريةٌ مَجرى بئسَ في الذم والعملِ ففيها ضميرٌ مُبْهمٌ يفسِّره ما بعده والمخصوصُ بالذم محذوفٌ تقديرُه وساء سبـيلاً سبـيلُ ذلك النكاحِ كقوله تعالى: { بِئْسَ ٱلشَّرَابُ } [الكهف، الآية 29] أي ذلك الماءُ، وثانيهما أنها كسائر الأفعالِ وفيها ضميرٌ يعود إلى ما عاد إليه ضميرُ {إِنَّهُ}، وسبـيلاً تميـيز، والجملةُ إما مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب أو معطوفةٌ على خبر كان محكيةٌ بقول مُضْمرٍ هو المعطوفُ في الحقيقة تقديرُه ومقولاً في حقه ساء سبـيلاً، فإن ألسنةَ الأممِ كافةً لم تزَلْ ناطقةً بذلك في الأعصار والأمصار. قيل: مراتبُ القُبحِ ثلاثٌ: القبحُ الشرعيُّ والقبحُ العقليُّ والقبحُ العاديُّ، وقد وصف الله تعالى هذا النكاحَ بكل ذلك، فقولُه تعالى: {فَـٰحِشَةً} مرتبةُ قُبحِه العقليِّ وقولُه تعالى: {وَمَقْتاً} مرتبةُ قبحِه الشرعيِّ وقولُه تعالى: {وَسَاء سَبِيلاً} مرتبةُ قبحِه العاديِّ، وما اجتمع فيه هذه المراتبُ فقد بلغَ أقصى مراتبِ القُبحِ.