التفاسير

< >
عرض

وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً
٤٥
مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً
٤٦
-النساء

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَٱللَّهُ أَعْلَمُ} أي منكم {بِأَعْدَائِكُمْ} جميعاً ومن جملتهم هؤلاءِ وقد أخبركم بعداوتهم لكم وما يريدون بكم لتكونوا على حذر منهم ومن مخالطتهم أو هو أعلمُ بحالهم ومآلِ أمرِهم، والجملةُ معترضةٌ لتقرير إرادتِهم المذكورةِ {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً} في جميع أمورِكم ومصالِحِكم {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً} في كل المواطنِ فثِقوا به واكتفُوا بولايته ونُصرتِه ولا تتولَّوْا غيرَه، أو لا تُبالوا بهم وبما يسومونَكم من السوء فإنه تعالى يكفيكم مكرَهم وشرَّهم ففيه وعدٌ ووعيدٌ، والباءُ مزيدةٌ في فاعل كفَى لتأكيد الاتصالِ الإسناديِّ بالاتصال الإضافيِّ، وتكريرُ الفعلِ في الجملتين مع إظهار الجلالةِ في مقام الإضمارِ لا سيما في الثاني لتقوية استقلالِهما المناسبِ للاعتراض، وتأكيدِ كفايتِه عز وجل في كلَ من الولاية والنُّصرةِ والإشعارِ بعلّيتهما، فإن الألوهية من موجباتهما لا محالة {مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} قيل: هو بـيانٌ لأعدائكم وما بـينهما اعتراضٌ، وفيه أنه لا وجهَ لتخصيص علمِه سبحانه بطائفة من أعدائهم لا سيما في معرِض الاعتراضِ الذي حقُّه العمومُ والإطلاقُ وانتظامُ ما هو المقصودُ في المقام انتظاماً أولياً كما أشير إليه، وقيل: هو صلةٌ لنصيراً أي ينصرُكم من الذين هادوا كما في قوله تعالى: { فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ } [هود، الآية 63] وفيه ما فيه من تحجير واسعِ نُصرتِه عز وجل مع أنه لا داعيَ إلى وضع الموصولِ موضِعَ ضميرِ الأعداءِ لأن ما في حيز الصلةِ ليس بوصفٍ ملائمٍ للنصر، وقيل: هو خبرُ مبتدإٍ محذوف وقع وقوله تعالى: {يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ} صفةٌ له أي من الذين هادوا قومٌ أو فريق يحرفون الخ، وفيه أنه يقتضي كونَ الفريقِ السابقِ بمعزل من التحريف الذي هو المصداقُ لاشترائهم في الحقيقة، فالذي يليق بشأن التنزيلِ الجليلِ أنه بـيانٌ للموصول الأولِ المتناولِ بحسب المفهومِ لأهل الكتابـين قد وُسِّط بـينهما ما وسط لمزيد الاعتناءِ ببـيان محلِّ التشنيعِ والتعجيبِ والمسارعةِ إلى تنفير المؤمنين منهم وتحذيرِهم عن مخالطتهم والاهتمامِ بحملهم على الثقة بالله عز وجل، والاكتفاءِ بولايته ونُصرتِه، وأن قولَه تعالى: {يُحَرّفُونَ} وما عُطف عليه بـيانٌ لاشترائهم المذكورِ وتفصيلٌ لفنون ضلالتِهم، وقد رُوعيت في النظم الكريمِ طريقةُ التفسير بعد الإبهامِ والتفصيلِ إثرَ الإجمالِ رَوْماً لزيادة تقريرٍ يقتضيه الحالُ.

والكَلِمُ اسمُ جنسٍ واحدُه كلِمةٌ كتَمْر وتمرة، وتذكيرُ ضميرِه باعتبار إفرادِه لفظاً، وجمعيةُ مواضعِه باعتبار تعدُّدِه معنى، وقرىء بكسر الكاف وسكون اللام جمع كِلْمة تخفيف كَلِمة وقرىء يحرِّفون الكلامَ والمرادُ به هٰهنا إما ما في التوراة خاصةً وإما ما هو أعمُّ منه ومما سيُحكىٰ عنهم من الكلمات المعهودةِ الصادرةِ عنهم في أثناء المحاروةِ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مساغَ لإرادة تلك الكلماتِ خاصة بأن يُجعلَ عطفُ قولِه تعالى: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} الخ، على ما قبله عطفاً تفسيرياً لما ستقف على سره، فإن أريد به الأولُ كما هو رأيُ الجمهورِ فتحريفُه إزالتُه عن مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها من التوراة كتحريفهم في نعت النبـيِّ عليه السلام (أسمرُ رَبعةٌ) عن موضعه في التوراة بأن وضعوا مكانه آدمُ طُوالٌ وكتحريفهم الرجمَ بوضعهم بدله الحدَّ أو صرفِه عن المعنى الذي أنزله الله تعالى فيه إلى ما لا صِحةَ له بالتأويلات الزائغةِ الملائمةِ لشهواتهم الباطلةِ، وإن أُريد به الثاني فلا بد من أن يُرادَ بمواضعه ما يليق به مطلقاً سواءٌ كان ذلك بتعيـينه تعالى صريحاً كمواضِعِ ما في التوراة، أو بتعيـين العقلِ أو الدين كمواضعِ غيرِه، وأياً ما كان فقولُهم: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} ينبغي أن يجريَ على إطلاقه من غير تقيـيدٍ بزمان أو مكانٍ ولا تخصيصٍ بمادة دون مادةٍ، بل وأن يُحمَلَ على ما هو أعمُّ من القول الحقيقيِّ ومما يُترجِم عنه عِنادُهم ومكابَرتُهم ليندرجَ فيه ما نَطقَتْ به ألسنةُ حالِهم عند تحريفِ التوراةِ فإن من لا يتفوّه بتلك العظيمةِ لا يكاد يتجاسرُ على مثل هذه الجنايةُ، وإلا فحملُه على ما قالوه في مجلس النبـيِّ صلى الله عليه وسلم من القبائح خاصةً يستدعي اختصاصَ حُكمِ الشرطيةِ الآتيةِ وما بعدها بهن من غير تعرُّضٍ لتحريفهم التوراةَ مع أنه معظمُ جناياتِهم المعدودةِ، ومن هٰهنا انكشف لك السرُّ الموعودُ فتأمل. أي يقولون في كل أمرٍ مخالفٍ لأهوائهم الفاسدةِ سواءٌ كان بمحضر النبـيِّ صلى الله عليه وسلم أوْ لا، بلسان المقالِ أو الحال: سمعنا وعصينا عِناداً وتحقيقاً للمخالفة وقوله تعالى: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} عطف على سمِعنا وعصينا داخلٌ تحت القولِ أي ويقولون ذلك في أثناء مخاطبتِه عليه السلام خاصةً وهو كلامٌ ذو وجهين محتمِلٌ للشر بأن يُحملَ على معنى اسمَعْ حالَ كونِك غيرَ مسمَعٍ كلاماً أصلاً بصمم أو موت أي مدعواً عليك بلا سمِعْتَ أو غيرَ مسمَعٍ كلاماً ترضاه، فحينئذ يجوز أن يكون نصبُه على المفعولية، وللخير بأن يُحمل على اسمَعْ منا غيرَ مسمَعٍ مكروهاً. كانوا يخاطبون به النبـيَّ صلى الله عليه وسلم استهزاءً به مُظْهرين له عليه السلام إرادةَ المعنى الأخيرِ وهم مضمِرون في أنفسهم المعنى الأولَ مطمئنون به {وَرٰعِنَا} عطفٌ على اسمَعْ غيرَ مسمَعٍ، أي ويقولون في أثناء خِطابِهم له عليه السلام هذا أيضاً، يوردون كلاًّ من العظائمِ الثلاثِ في مواقعها. وهي أيضاً كلمةٌ ذاتُ وجهينِ محتملة للخير بحملها على معنى ارقُبْنا وانظُرْنا نُكلّمْك، وللشر بحملها على السبّ بالرُّعونة أي الحَمق، أو بإجرائها مُجرىٰ ما يُشبِهُها من كلمة عبرانيةٍ أو سريانية كانوا يتسابُّون بها وهي راعينا كانوا يخاطبونه عليه السلام بذلك ينوون الشتيمةَ والإهانةَ ويُظهرون التوقيرَ والاحترامَ، ومصيرُهم إلى مسلك النفاقِ في القولين الأخيرَين مع تصريحهم بالعصيان في الأول لما قالوا من أن جميعَ الكفرةِ كانوا يواجهونه بالكفر والعصيانِ ولا يواجهونه بالسبِّ ودُعاءِ السوءِ وقيل: كانوا يقولون الأولَ فيما بـينهم، وقيل: يجوز أن لا ينطِقوا بذلك ولكنهم لمّا لم يؤمنوا به صاروا كأنهم نطَقوا به.

{لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} أي فتْلاً بها وصرفاً للكلام عن نهجه إلى نسبة السبِّ حيث وضعوا غيرَ مُسمَعٍ لا أن سمعت مكروهاً وأجْرَوا راعِنا المشابِهةَ لراعينا مُجْرى انظُرنا أو فتلاً بها وضمّاً لما يُظهرونه من الدعاء والتوقير إلى ما يُضمِرونه من السبِّ والتحقير {وَطَعْناً فِى ٱلدّينِ} أي قدحاً فيه بالاستهزاءِ والسُّخريةِ، وانتصابُهما على التعليل ليقولون باعتبار تعلّقِه بالقولين الأخيرين أي يقولون ذلك لصرف الكلامِ عن وجهه إلى السب والطعن في الدين، أو على الحالية أي لاوِينَ طاعِنين في الدين {وَلَوْ أَنَّهُمْ} عندما سمعوا شيئاً من أوامر الله تعالى ونواهيه {قَالُواْ} بلسان المقالِ أو بلسان الحالِ مكانَ قولِهم: سمعنا وعصَينا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} إنما أعيد سمِعْنا مع أنه متحقِّقٌ في كلامهم وإنما الحاجةُ إلى وضْعِ أطعنا مكانَ عصينا لا للتنبـيه على عدم اعتبارِه بل على اعتبار عدمه كيف لا وسماعُهم سماعُ الردِّ ومُرادُهم بحكايته الإعلامُ بأن عِصيانَهم للأمر بعد سماعِه والوقوفِ عليه فلا بد من إزالته وإقامةِ سماعِ القَبول مُقامَه.

{وَٱسْمَعْ} أي لو قالوا عند مخاطبةِ النبـي عليه الصلاة والسلام بدلَ قولِهم اسمَعْ غيرَ مُسمَعٍ: اسمع {وَٱنْظُرْنَا} أي ولو قالوا ذلك بدلَ قولِهم: راعِنا ولم يدُسّوا تحت كلامِهم شراً وفساداً، أي لو ثبت أنهم قالوا هذا مكانَ ما قالوا من الأقوال {لَكَانَ} قولُهم ذلك {خَيْراً لَّهُمْ} مما قالوا {وَأَقْوَمُ} أي أعدلَ وأسدَّ في نفسه، وصيغةُ التفضيلِ إما على بابها واعتبارِ أصلِ الفضلِ في المفضَّلِ عليه بناءً على اعتقادهم أو بطريق التهكمِ، وإما بمعنى اسمِ الفاعلِ وإنما قُدّم في البـيان حالُه بالنسبة إليهم على حاله في نفسه لأن هِممَهم مقصورةٌ على ما ينفعهم.

{وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} أي ولكن لم يقولوا ذلك واستمرُّوا على كفرهم فخذلهم الله تعالى وأبعدَهم عن الهدى بسبب كفرِهم بذلك {فَلاَ يُؤْمِنُونَ} بعد ذلك {إِلاَّ قَلِيلاً} قيل: أي إلا إيماناً قليلاً لا يُعبأ به وهو الإيمانُ ببعض الكتُبِ والرسلِ أو إلا زماناً قليلاً وهو زمانُ الاحتضارِ فإنهم يؤمنون حين لا ينفعهم الإيمانُ، قال تعالى: { وَإِن مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } [النساء، الآية 159] وكلاهما ليس بإيمان قطعاً، وقد جُوِّز أن يراد بالقِلة العدمُ بالكلية على طريقة قوله تعالى: { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } [الدخان، الآية 56] أي إن كان الإيمانُ المعدومُ إيماناً فهم يُحدِثون شيئاً من الإيمان فهو في المعنى تعليقٌ بالمحال وأنت خبـيرٌ بأن الكلَّ يأباه ما يعقُبه من الأمر بالإيمان بالقرآنِ الناطقِ بهذا لإفضائه إلى التكليف بالمُحال الذي هو إيمانُهم بعدم إيمانِهم المستمرِّ، أما على الوجه الأخيرِ فظاهرٌ وأما على الأولين فلاِءَن أمرَهم بالإيمان المُنْجَزِ بجميع الكتبِ والرسلِ تكليفٌ لهم بإيمانهم ببعض الكتبِ والرسلِ وبعدم إيمانِهم إلى وقت الاحتضارِ، فالوجهُ أن يُحملَ القليلُ على مَنْ يؤمنون لإفضائه إلى وقوعِ إيمانِ مَنْ لعنه الله تعالى وخَذَله مع ما فيه من نسبة القراء إلى الاتفاق على غير المختارِ بل بجعله ضميرَ المفعولِ في لعنهم أي ولكن لعنهم الله إلا فريقاً قليلاً فإنه تعالى لم يلعنْهم فلم ينسَدَّ عليهم بابُ الإيمانِ وقد آمن بعد ذلك فريقٌ من الأحبار كعبد اللَّه بنِ سلام وكعبٍ وأضرابِهما كما سيأتي.