التفاسير

< >
عرض

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ
١٨
يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ
١٩
وَٱللَّهُ يَقْضِي بِٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ
٢٠
أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ
٢١
-غافر

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ} أي القيامةِ سميتْ بَها لأُزوفِهَا وهُو القربُ غيرَ أنَّ فيهِ إشعاراً بضيقِ الوقتِ وقيلَ الخطةُ الآزفةُ وهي مشارفةُ أهلِ النارِ دخولَها وقيل: وقتَ حضورِ الموتِ كما في قولِه تعالَى: { { فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ } [سورة الواقعة: الآية 83] وقولِه: { { كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ } }. [سورة القيامة: الآية 26] وقولُه تعالَى: {إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ} بدلٌ منْ يومَ الآزفةِ فإنَّها ترتفعُ من أماكِنها فتلتصقُ بحلوقِهم فلا تعودُ فيتروّحوا ولا تخرجُ فيستريحوا بالموتِ {كَـٰظِمِينَ} عَلى الغَمِّ حالٌ منْ أصحابِ القلوبِ عَلى المَعْنى إِذِ الأصلُ قلوُبُهم أوْ مِنْ ضميرِهَا في الظرفِ وجمعُ السلامةِ باعتبارِ أنَّ الكظَم منْ أحوالِ العُقلاءِ كقولِه تعالَى: { فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ } [سورة الشعراء: الآية 4] أوْ منْ مفعولِ أنذرْهم عَلى أنَّها حالٌ مقدرةٌ أيْ أنذرهُم مقدراً كظمَهُم أوْ مشارفينَ الكظمَ.

{مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ} أَيْ قريبٍ مشفقٍ {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} أيْ لاَ شفيعَ مُشفَّعٌ على مَعْنى نفِي الشفاعةِ والطاعةِ معاً على طريقةِ قولِه: [الطويل]

على لاحبٍ لا يُهتدى بمنارِ [إذا سافه العوذُ الديافيُّ جَرْجَرا]

والضمائرُ إنْ عادتْ إلى الكُفارِ وهو الظاهرُ فوضعُ الظالمينَ موضعَ ضميرِهم للتسجيلِ عليهم بالظلمِ وتعليلِ الحكمِ بهِ {يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} النظرةَ الخائنةَ كالنظرةِ الثانيةِ إلى غيرِ المَحْرمِ واستراقِ النظرِ إليهِ أو خيانةَ الأعينِ على أنها مصدرٌ كالعافيةِ {وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ} من الضمائرِ والأسرارِ والجملةُ خبرٌ آخرُ مثلُ يُلقي الروحَ للدِّلالةِ على أنَّه ما مِنْ خفيَ إلا وهُو متعلقُ العلمِ والجزاءِ. {وَٱللَّهُ يَقْضِى بِٱلْحَقّ} لأنَّه المالكُ الحاكُم على الإطلاقِ فلا يقضِي بشيءٍ إلا وهُو حقٌّ وعدلٌ {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} يعبدونَهم {مِن دُونِهِ} تعالَى {لاَ يَقْضُونَ بِشَيْء} تهكمٌ بهم لأنَّ الجمادَ لا يُقالُ في حقِّه يَقْضِي أو لا يَقْضِي. وقُرىء تَدْعُون عَلى الخطابِ التفاتاً أو على إضمارِ قُلْ {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تقريرٌ لعلمِه تعالَى بخائنةِ الأعينِ وقضائِه بالحقِّ ووعيدٌ لهمُ على ما يقولونَ ويفعلو نَ وتعريضٌ بحالِ ما يدْعونَ من دونِه. {أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ} أي مآلُ حالِ مَنْ قبلَهم من الأُممِ المكذبةِ لرُسلِهم كعادٍ وثمودَ وأضرابِهم. {كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} قدرةً وتمكناً من التصرفاتِ. وإنَّما جيءَ بضميرِ الفصلِ معَ أنَّ حقَّه التوسطُ بـينَ معرفتينِ لمضاهاةِ أفعلَ للمعرفةِ في امتناعِ دخولِ اللامِ عليهِ. وقُرِىءَ أشدَّ منكُم بالكافِ {وَءَاثَاراً فِي ٱلأَرْضِ} مثلُ القلاعِ الحصينةِ والمدائنِ المتينةِ، وقيلَ: المَعْنى وأكثرَ آثاراً، كقولِه: [مجزوء الطويل]

[يا ليت زوجَك قد غدا] متقلداً سيفاً ورُمحاً

{فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} أخذاً وبـيلاً {وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ} أي منْ واقٍ يقيهم عذابَ الله.