التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
١٣
أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٤
وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ
١٥
-الأحقاف

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ} أي جمعُوا بـينَ التوحيدِ الذي هُو خلاصةُ العلمِ، والاستقامةِ في أمورِ الدينِ التي هيَ مُنتهى العملِ وثُمَّ للدلالةِ على تَراخِي رتبةِ العملِ وتوقفِ الاعتدادِ به على التوحيدِ {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من لحوقِ مكروهٍ {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} من فواتِ محبوبٍ. والفاءُ لتضمنِ الاسمِ معنى الشرطِ والمرادُ بـيانُ دوامِ نفي الحزنِ لا بـيانُ نفي دوامِ الحزنِ كما يُوهمه كونُ الخبرِ مضارعاً وقد مرَّ بـيانُه مراراً {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفونَ بما ذُكِرَ من الوصفينِ الجليلينِ {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} حالٌ من المستكنِّ في أصحابُ. وقولُه تعالَى: {جَزَاء} منصوبٌ إمَّا بعاملٍ مُقدرٍ أي يُجزون جزاءً أو بمَعْنى ما تقدمَ فإنَّ قولَه تعالى أولئكَ أصحابُ الجنَّةِ في معنى جازيناهُم. {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الحسناتِ العلميةِ والعمليةِ.

{وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ} بأنْ يُحسنَ {بِوٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰناً} وقُرِىءَ حُسْناً أي بأنْ يفعلَ بهمَا حُسْناً أي فعلاً ذَا حُسنٍ أو كأنَّه في ذاتِه نفسُ الحسنِ لفرطِ حُسنهِ. وقُرِىءَ بضمِّ السينِ أيضاً، وبفتحِهما أيْ بأنْ يفعلَ بهما فعلاً حَسَناً أو وصينَاهْ إيصاءً حسناً. {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} أي ذاتَ كُرهٍ أو حملاً ذَا كُرهٍ وهو المشقةُ. وقُرِىءَ بالفتحِ وهما لغتانِ كالفُقرِ، وقيلَ: المضمومُ اسمٌ والمفتوحُ مصدرٌ. {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ} أيْ مدةُ حملِه وفصالِه، وهو الفطامُ، وقُرِىءَ وفَصلُه. والفصالُ كالفطمِ والفِطامِ بناءً ومَعْنى، والمرادُ بهِ الرَّضاعُ التامُّ المُنتهِي بهِ. كمَا أرادَ بالأمدِ المدةَ من قالَ:

كُلُّ حَيَ مُستكمِلٌ مُدَّةَ العمرِ ومُودٍ إذَا انتهى أمدُهْ

{ثَلاَثُونَ شَهْراً} تمضي عليَها بمعاناةِ المشاقِّ ومقاساةِ الشدائدِ لأجلِه وهذا دليلٌ على أن أقلَّ مدةِ الحملِ ستةُ أشهرٍ لما أنَّه إذا حُطَّ عنْهُ للفصالِ حولانِ لقولهِ تعالى: { { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } [سورة البقرة، الآية 233] يبقي للحملِ ذلكَ، قيلَ: ولعل تعيـينَ أقلِ مدةِ الحملِ وأكثرِ مدةِ الرَّضاعِ لانضباطِهما وتحققِ ارتباطِ النسبِ والرضاعِ بهما {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي اكتملَ واستحكمَ قوتُه وعقلُه {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} قيلَ: لم يبعثْ نبـيٌّ قبلَ أربعينَ. وقُرِىءَ حتَّى إذَا استَوى وبلغَ أشدَّهُ. {قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى} أي ألهمنِي، وأصلُه أَوْلعِني من أوزعتُه بكذَا {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَالِدَىَّ} أي نعمةَ الدِّينِ أو ما يعمُّها وغيرَها. {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ} التنكيرُ للتفخيمِ والتكثيرِ {وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى} أيْ واجعلِ الصلاحَ سارياً في ذُريتِي راسخاً فيهم كَما في قولِه:

[وإن تَعْتَذِرْ بالمحلِ مِن ذي ضُروعِها إلى الضَّيفِ] يجرحُ في عَراقيبِها نَصْلِي

قالَ ابنُ عبَّاسٍ: أجابَ الله تعالَى دعاءَ أبـي بكرٍ رضيَ الله عنُهم فأعتقَ تسعةً من المؤمنينَ منهم عامرُ بنُ فُهيرةَ ولم يُردْ شيئاً من الخيرِ إلاَّ أعانَهُ الله تعالى عليهِ ودَعَا أيضاً فقالَ وأصلحْ لي في ذُريتِي فأجابَهُ الله عزَّ وجلَّ فلم يكُن لهُ ولدٌ إلا آمنُوا جميعاً فاجتمعَ له إسلامُ أبويهِ وأولادِه جميعاً فأدركَ أبُوه أبُو قحافةَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وابنُه عبدُ الرحمنِ بنُ أبـي بكرٍ وابنُ عبدِ الرَّحمنِ أبُو عتيقٍ كلُّهم أدركُوا النبـيَّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولم يكُنْ ذلكَ لأحدٍ من الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعينَ. {إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ} عمَّا لا ترضاهُ أو عمَّا يشغلُني عن ذكرِك {وَإِنّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} الذينَ أخلصُوا لكَ أنفسَهُم.