التفاسير

< >
عرض

وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
١٣
قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ
١٤
قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
١٥
-الأنعام

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَلَهُ} أي لله عز وجل خاصةً {مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} نُزِّلَ الملوان منزلةَ المكان فعبّر عن نسبة الأشياء الزمانية إليهما بالسُكنى فيهما، وتعديتُه بكلمة (في) كما في قوله تعالى: { وَسَكَنتُمْ فِى مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } [إبراهيم، الآية 45] أو السكونِ مقابلَ الحركة، والمرادُ ما سكن فيهما أو تحرّك فاكتفي بأحد الضدَّيْن عن الآخر {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} المبالغُ في سماع كلِّ مسموع {ٱلْعَلِيمُ} المبالغ في العلم بكلّ معلوم، فلا يخفى عليه شيءٌ من الأقوال والأفعال.

{قُلْ} لهم بعد ما بكّتهم بما سبق من الخطاب {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً} أي معبوداً بطريق الاستقلالِ أو الاشتراك، وإنما سُلِّطت الهمزةُ على المفعول الأول لا على الفعل إيذاناً بأن المنكرَ هو اتخاذُ غيرِ الله ولياً، لا اتخاذُ الوليِّ مطلقاً كما في قوله تعالى: { أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبّا } [الأنعام، الآية 164] وقوله تعالى: { أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ } [الزمر، الآية 64] الخ {فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض} أي مُبدعِهما، بالجرِّ صفةٌ للجَلالة مؤكِّدةٌ للإنكار لأنه بمعنى الماضي، ولذلك قُرىء (فطَرَ) ولا يضرّ الفصلُ بـينهما بالجملة لأنها ليست بأجنبـية إذ هي عاملةٌ في عامل الموصوف أو بدلٌ فإن الفصلَ بـينه وبـين المبدل منه أسهلُ لأن البدلَ على نية تكرير العامل وقرىء بالرفع والنصب على المدح، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما عرفتُ معنى الفاطرِ حتى اختصم إليَّ أعرابـيانِ في بئر فقال أحدهما: أنا فَطَرْتُها أي ابتدأتها {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} أي يرزُق الخلق ولا يُرْزَق، وتخصيصُ الطعام بالذكر لشدة الحاجة إليه أو لأنه معظمُ ما يصل إلى المرزوق من الرزق، ومحلُ الجملة النصبُ على أن الضميرَ لغير الله والمعنى أأُشرِك بمن هو فاطرُ السموات والأرض ما هو نازلٌ عن رتبة الحيوانية؟ وببنائهما للفاعل على أن الثانيَ بمعنى يستطعم أو معنى أنه يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله تعالى: { يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } [البقرة، الآية 245].

{قُلْ} بعد بـيان اتخاذِ غيرِه تعالى ولياً مما يَقْضي ببطلانه بديهةُ العقول {إِنّى أُمِرْتُ} من جنابه عز وجل {أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} وجهَه لله مخلِصاً له لأن النبـيَّ إمامُ أمته في الإسلام كقوله تعالى: { وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ } [الأنعام، الآية 163] وقوله تعالى: { سُبْحَـٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [الأعراف، الآية 143] {وَلاَ تَكُونَنَّ} أي وقيل لي: ولا تكونن {مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي في أمر من أمور الدين، ومعناه أُمرت بالإسلام ونُهيتُ عن الشرك، وقد جوَّزَ عطفَه على الأمر {قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى} أي بمخالفة أمرِه ونهيه أيَّ عصيانٍ كان فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً وفيه بـيانٌ لكمال اجتنابه عليه السلام عن المعاصي على الإطلاق وقوله تعالى: {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم} أي عذابَ يوم القيامة، مفعولُ أخاف، والشرطية معترِضةٌ بـينهما، والجوابُ محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه وفيه قطعٌ لأطماعهم الفارغة وتعريضٌ بأنهم عصاةٌ مستوجبون للعذاب العظيم.