التفاسير

< >
عرض

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٧٩
وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ
٨٠
-الأنعام

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

فقال:

{إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ} التي هذه الأجرامُ التي تعبدونها من أجزائها {وٱلأَرْضِ} التي تغيب هي فيها {حَنِيفاً} أي مائلاً عن الأديان الباطلة والعقائدِ الزائغة كلِّها {وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} في شيء من الأفعال والأقوال {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ} أي شرَعوا في مغالبته في أمر التوحيد.

{قَالَ} استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من حكاية مُحاجَّتهم، كأنه قيل: فماذا قال عليه السلام حين حاجّوه؟ فقيل: قال منكِراً لما اجترأوا عليه من مُحاجَّته مع قصورهم عن تلك الرُتبة وعِزّةِ المطلب وقوةِ الخصم {أَتُحَاجُّونّى فِى ٱللَّهِ} بإدغام نونِ الجمعِ في نون الوقاية، وقرىء بحذف الأولى وقوله تعالى: {وَقَدْ هَدَانِ} حال من ضمير المتكلم مؤكِّدة للإنكار، فإن كونه عليه السلام مَهدِياً من جهة الله تعالى ومؤيَّداً من عنده مما يوجب استحالةَ مُحاجَّتِه عليه السلام أي أتجادلونني في شأنه تعالى ووحدانيّتِه والحال أنه تعالىٰ هداني إلى الحق بعد ما سلكت طريقتَكم بالفرض والتقدير وتبـيَّن بُطلانُها تبـيناً تاماً كما شاهدتموه، وقوله تعالى: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} جوابٌ عما خوّفوه عليه السلام في أثناء المُحاجّة من إصابة مكروهٍ من جهة أصنامِهم كما قال لهودٍ عليه السلام قومُه: { إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء } [هود، الآية 54] ولعلهم فعلوا ذلك حين فعل عليه السلامُ بآلهتهم ما فعل، و(ما) موصولةٌ اسميةٌ حُذف عائدُها، وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأوقات، أي لا أخاف ما تشركونه به سبحانه من معبوداتكم في وقتٍ من الأوقات إلا في وقتِ مشيئتِه تعالى شيئاً من إصابة مكروهٍ بـي من جهتها، وذلك إنما هو من جهته تعالى من غير دَخْلٍ لآلهتكم فيه أصلاً، وفي التعرُّض لعُنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضميرِه عليه السلام إظهارٌ منه لانقيادِه لحُكمه سبحانه وتعالى، واستسلامِه لأمره واعترافِه بكَوْنه تحتَ ملَكوتِه ورُبوبـيتِه. وقوله تعالى: {وَسِعَ رَبّي كُلَّ شَيْء عِلْماً} كأنه تعليلٌ للاستثناء، أي أحاط بكل شيءٍ علماً فلا يبعُد أن يكونَ في علمه تعالى أن يَحيقَ بـي مكروهٌ مِنْ قِبَلها بسببٍ من الأسباب، وفي الإظهار في موضع الإضمارِ تأكيدٌ للمعنى المذكور، واستلذاذٌ بذكره تعالى {أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ} أي أتُعرضون عن التأمل في أن آلهتَكم جماداتٌ غيرُ قادرةٍ على شيء ما مِنْ نفع ولا ضرر؟ فلا تتذكرون أنها غيرُ قادرة على إضراري، وفي إيراد التذكّرِ دون التفكر ونظائرِهِ إشارةٌ إلى أن أمرَ أصنامِهم مركوزٌ في العقول لا يتوقفُ إلا على التذكر.