التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
١٦٤
-الأعراف

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَإِذْ قَالَتِ} عطفٌ على إذ يعدون مَسوقٌ لتماديهم في العدوان وعدمِ انزجارِهم عند بعد العظاتِ والإنذارات {أُمَّةٌ مّنْهُمْ} أي جماعةٌ من صلحائهم الذين ركبوا في عِظتهم متن كلِّ صعبٍ وذَلول حتى يئسوا من احتمال القبولِ لآخرين لا يُقلِعون عن التذكير رجاءً للنفع والتأثير مبالغةً في الإعذار وطمعاً في فائدة الإنذار {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} أي مخترِمُهم بالكلية ومطهرُ الأرض منهم {أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا} دون الاستئصال بالمرة وقبل مهلكهم مخزيهم في الدنيا أو معذبُهم في الآخرة لعدم إقلاعِهم عما كانوا عليه من الفسق والطغيانِ والترديد لمنع الخلوِّ دون منع الجمعِ فإنهم مهلَكون في الدنيا ومعذَّبون في الآخرة، وإيثارُ صيغةِ اسمِ الفاعل ـ مع أن كلاًّ من الإهلاك والتعذيب مترقَّبٌ ـ للدِلالة على تحققهما وتقرُّرِهما البتةَ، كأنهما واقعان وإنما قالوه مبالغةً في أن الوعظَ لا ينجع فيهم أو ترهيباً للقوم أو سؤالاً عن حكمة الوعظِ ونفعِه، ولعلهم إنما قالوه بمحضر من القوم حثاً لهم على الاتعاظ، فإن بتَّ القولِ بهلاكهم وعذابهم مما يُلقي في قلوبهم الخوفَ والخشيةَ، وقيل: المرادُ طائفةٌ من الفِرقة الهالكةِ أجابوا به وُعّاظَهم رداً عليهم وتهكماً بهم وليس بذاك كما ستقف عليه {قَالُواْ} أي الوعاظُ {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبّكُمْ} أي نعظُهم معذرةً إليه تعالى على أنه مفعول له وهو الأنسب بظاهر قولِهم لمَ تعِظون، أو نعتذر معذرةً على أنه مصدرٌ لفعل محذوفٍ، وقرىء بالرفع على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ، أي موعظتُنا معذرةٌ إليه تعالى حتى لا نُنسَبَ إلى نوع تفريطٍ في النهي عن المنكر، وفي إضافة الربِّ إلى ضمير المخاطَبـين نوعُ تعريضٍ بالسائلين {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} عطفٌ على معذرةً أي ورجاءً لأن يتقوا بعضَ التقاة، وهذا صريحٌ في أن القائلين: (لمَ تعظون) الخ، ليسوا من الفِرقة الهالكةِ وإلا لوجب الخطاب.