التفاسير

< >
عرض

فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ
٢٠
وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ
٢١
فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ
٢٢
-الأعراف

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي فعل الوسوسةَ لأجلهما أو تكلم لهما كلاماً خفياً متدارَكاً متكرّراً، وهي في الأصل الصوتُ الخفي كالهيمنة والخشخشة ومنه وسوَسَ الحَلْيُ وقد سبق بـيانُ كيفيةِ وسوستِه في سورة البقرة {لِيُبْدِيَ لَهُمَا} أي ليُظهر لهما واللامُ للعاقبة أو للغرض على أنه أراد بوسوسته أن يسوءَهما بانكشاف عورتيهما، ولذلك عبّر عنهما بالسوأة وفيه دليلٌ على أن كشف العورةِ في الخلوة وعند الزوجِ من غير حاجة قبـيحٌ مستهجَنٌ في الطباع {مَا وُريَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} ما غُطي وسُتر عنهما من عوراتهما وكانا لا يَرَيانها من أنفسهما ولا أحدُهما من الآخر، وإنما لم تُقلب الواوُ المضمومةُ همزةً في المشورة كما قلبت في أويصِل: تصغير واصل لأن الثانيةَ مدةٌ، وقرىء سَوَاتِهما بحذف الهمزة وإلقاءِ حركتها على الواو، وبقلبها واواً وإدغام الواو الساكنة فيها {وَقَالَْ} عطف على وسوس بطريق البـيان {مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ} أي عن أكلها {إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} أي إلا كراهةَ أن تكونا ملكين {أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ} الذين لا يموتون أو يخلدون في الجنة، وليس فيه دلالةٌ على أفضلية الملائكةِ عليهم السلام لما أن من المعلوم أن الحقائقَ لا تنقلب وإنما كانت رغبتُهما في أن يحصُل لهما أوصافُ الملائكةِ من الكمالات الفطريةِ والاستغناء عن الأطعمة والأشربة وذلك بمعزل من الدِلالة على الأفضلية بالمعنى المتنازَعِ فيه.

{وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ} أي أقسم لهما، وصيغةُ المغالبة للمبالغة، وقيل: أقسما له بالقَبول وقيل: قالا له: أتقسم بالله أنك لمن الناصحين؟ وأقسم لهما فجُعل ذلك مقاسمة {فَدَلَّـٰهُمَا} فنزّلهما على الأكل من الشجرة، وفيه تنبـيهٌ على أنه أهبطهما بذلك من درجة عاليةٍ فإن التدليةَ والإدلاءَ إرسالُ الشيء من الأعلى إلى الأسفل {بِغُرُورٍ} بما غرّهما به من القسم، فإنهما ظنا أن أحداً لا يُقسِم بالله كاذباً أو ملتبسين الغرور {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا} أي فلما وجدا طعمَها آخِذَين في الأكل منها أخذْتهما العقوبةُ وشؤمُ المعصية فتهافت عنهما لباسُهما وظهرت لهما عوراتُهما، واختلف في أن الشجرة كانت السنبلةَ أو الكرْمَ أو غيرَهما وأن اللباسَ كان نوراً أو ظفراً {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ} طفِق من أفعال الشروعِ والتلبس كأخذ وجعل وأنشأ وعلِق وهَبَّ وانبرى أي أخذا يَرْقعَان ويُلزِقان ورقةً فوق ورقة {عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} قيل: كان ذلك ورقَ التينِ وقرىء يُخصِفان من أخصف أي يخصفان أنفسَهما ويُخَصِّفان من التخصيف ويَخِصّفان أصله يختصفان.

{وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا} مالكُ أمرِهما بطريق العتاب والتوبـيخِ {أَلَمْ أَنْهَكُمَا} وهو تفسيرٌ للنداء فلا محل له من الإعراب أو معمولٌ لقول محذوفٍ أي وقال أو قائلاً: ألم أنهَكُما؟ {عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ} ما في اسم الإشارةِ من معنى البُعد لما أنه إشارةٌ إلى الشجرة التي نُهي عن قُربانها {وَأَقُل لَّكُمَا} عطفٌ على أنهَكما أي ألم أقل لكما: {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} وهذا عتابٌ وتوبـيخٌ على الاغترار بقول العدوِّ كما أن الأولَ عتابٌ على مخالفة النهي، قيل: فيه دليلٌ على أن مطلقَ النهي للتحريم، ولكما متعلقٌ بعدو لما فيه من معنى الفعل أو بمحذوف هو حالٌ من عدوٌّ، ولم يُحك هذا القولُ هٰهنا، وقد حُكي في سورة طه بقوله تعالى: { إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ } [طه، الآية 117] الآية. روي أنه تعالى قال لآدمَ: ألم يكنْ فيما منحتُك من شجر الجنة مندوحةٌ عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى، وعزتك ولكن ما ظننتُ أن أحداً من خلقك يحلِفُ بك كاذباً، قال: فبعزتي لأُهبِطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيشَ إلا كدّاً فأُهبط وعُلّم صنعةَ الحديد وأُمر بالحَرْثِ فحرَثَ وسقَى وحصَد وداس وذرَى وعجَن وخَبَز.