التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ
١٥
وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
١٦
-الأنفال

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} خطابٌ للمؤمنين بحكم كلي جارٍ فيما سيقع من الوقائع والحروبِ جيءَ به في تضاعيف القصةِ إظهاراً للاعتناء بشأنه ومبالغةً في حثهم على المحافظة عليه {إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} الزحفُ الدبـيبُ يقال: زحَف الصبـيُّ زحفاً إذا دبّ على إسته قليلاً قليلاً، سُمّي به الجيشُ الداهُم المتوجِّهُ إلى العدو لأنه لكثرته وتكاثفِه يُرى كأنه يزحَف وذلك لأن الكلَّ يرى كجسم واحدٍ متصلٍ فيُحَسُّ حركتُه بالقياس إليه في غاية البُطء وإن كانت في نفس الأمر على غاية السرعة قال قائلهم:

وأرعنَ مثلِ الطَّوْدِ تحسَب أنهموُقوفٌ لِجاجٌ والركابُ تُهملَج

ونصبُه إما على أنه إما حالٌ من مفعول لقِيتم أي زاحفين نحوَكم وإما على أنه مصدرٌ مؤكدٌ لفعل مضمرٍ هو الحالُ منه أي يزحَفون زحفاً، وأما كونُه حالاً من فاعله أو منه ومن مفعوله معاً كما قيل فيأباه قوله تعالى: {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} إذ لا معنى لتقيـيد النهي عن الإدبار بتوجههم السابقِ إلى العدو أو بكثرتهم بل توجُّهُ العدوِّ إليهم وكثرتُهم هو الداعي إلى الإدبار عادةً والمُحوِجُ إلى النهي عنه، وحملُه على الإشعار بما سيكون منهم يومَ حُنينٍ حيث تَوَلَّوا مدْبرين وهم زحفٌ من الزحوف اثنا عشر ألفاً بعيدٌ، والمعنى إذ لقِيتموهم للقتال وهم كثيرٌ جمٌّ وأنتم قليلٌ فلا تولوهم أدبارَكم فضلاً عن الفرار بل قابلوهم وقاتِلوهم مع قلتكم فضلاً عن أن تدانوهم في العدد أو تساووهم {وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ} أي يوم اللقاء {دُبُرَهُ} فضلاً عن الفرار، وقرىء بسكون الباء {إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ} إما بالتوجه إلى قتال طائفةٍ أخرى أهم من هؤلاء وإما بالفرّ للكرّ بأن يُخيِّل لعدوّه أنه منهزمٌ ليغُرَّه ويُخرِجَه من بـين أعوانه ثم يعطِفَ عليه وحدَه أو مع مَنْ في الكمين من أصحابه وهو باب من خِدعِ الحربِ ومكايدِها {أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} أي منحازاً إلى جماعة أخرى من المؤمنين لينضمّ إليهم ثم يقاتلَ معهم العدو. "عن ابن عمرَ رضي الله عنهما قال: إن سريةً فرّوا وأنا معهم فلما رجعوا إلى المدينة استحيَوْا ودخلوا البـيوتَ فقلت: يا رسولَ الله نحن الفرارون فقال صلى الله عليه وسلم: بل أنتم العكّارون أي الكرارون ـ من عكر أي رجع ـ وأنا فئتُكم" ، وانهزم رجلٌ من القادسية فأتى المدينةَ إلى عمرَ رضي الله عنه فقال: يا أميرَ المؤمنين هلكتُ ففرَرْتُ من الزحف فقال رضي الله عنه: أنا فئتُك، ووزنُ متحيِّز متفيعل لا متفعّل وإلا لكان متحوزاً لأنه من حاز يحوز وانتصابُهما إما على الحالية وإلا لغوٌ لا عمَلَ لها وإما على الاستثناء من المُولّين أي ومن يولهم دبرَه إلا رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً {فَقَدْ بَاء} أي رجع {بِغَضَبٍ} عظيم لا يقادر قدرُه و(من) في قوله تعالى: {مِنَ ٱللَّهِ} متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لغضب مؤكدةٌ لما أفاده التنوينُ من الفخامة والهولِ بالفخامة الإضافية أي بغضب كائنٍ منه تعالى {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} أي بدلَ ما أراد بفراره أن يأويَ إليه من مأوى ينجيه من القتل {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} في إيقاع البَوْءِ في موقع جوابِ الشرطِ الذي هو التوليةُ ـ مقروناً بذكر المأوى والمصير من الجزالة ـ ما لا مزيدَ عليه. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الفرارَ من الزحف من أكبر الكبائرِ وهذا إذا لم يكن العدوُّ أكثرَ من الضِّعف لقوله تعالى: { ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ } [الأنفال: 66] الآية، وقيل: الآية مخصوصةٌ بأهل بـيتهِ والحاضرين معه في الحرب.