التفاسير

< >
عرض

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
٢٢
وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ
٢٣
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ
٢٤
وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٢٥
قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ
٢٦
وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ
٢٧
فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
٢٨
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ
٢٩
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٣٠
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ
٣١
قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ
٣٢
قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ
٣٣
فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٣٤
ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ
٣٥
-يوسف

مقاتل بن سليمان

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ}، يعني ثماني عشرة سنة، {آتَيْنَاهُ حُكْماً}، يقول: أعطيناه فهماً، {وَعِلْماً وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} [آية: 22]، يعني وهكذا نجزي المخلصين بالفهم والعلم.
{وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} على نفسها وعلى يوسف في أمر الجماع، {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ}، يعني هلم لك نفسي، تريد المرأة الجماع، فغلبته بالكلام، {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ}، يعني أعوذ بالله، {إِنَّهُ رَبِّيۤ أَحْسَنَ مَثْوَايَ}، يقول: إنه سيدي، يعني زوجها، أكرم مثواي، يعني منزلتي، {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ}، يعني لا يفوز {ٱلظَّالِمُونَ} [آية: 23] إن ظلمته في أهله، وألقى عليها شهوة أربعين إنساناً.
{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ}، يقول: همت المرأة بيوسف حتى استلقت للجماع، {وَهَمَّ بِهَا} يوسف حين حل سراويله وجلس بين رجليها، {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}، يعني آية ربه لواقعها، والبرهان مثل له يعثوب عاض على إصبعه، فلما رأى ذلك، ولى دبراً واتبعته المرأة {كَذَلِكَ}، يعني هكذا، {لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ}، يعني الإثم، {وَٱلْفَحْشَآءَ}، يعني المعاصي، {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} [آية: 24] بالنبوة والرسالة، نظيرها
{ إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ } [ص: 46]، يعني بالنبوة.
{وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ}، يوسف أمامها هارب منها، وهي ورائه تتبعه لتحبسه على نفسها، فأدركته قبل أن ينتهي إلى الباب، {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ}، يقول: فمزقت قميصه من ورائه حتى سقط القميص عن يوسف، {وَأَلْفَيَا}، يقول: وجدا، كقوله:
{ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } [البقرة: 170]، يعني وجدا {سَيِّدَهَا}، يعني زوجها، {لَدَى ٱلْبَابِ}، يعني عند الباب ومعه ابن عمها يملخا بن أزليخا، {قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا}، يعني الزنا، {إِلاَّ أَن يُسْجَنَ} حبساً في نصب، {أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آية: 25]، يعني ضرباً وجيعاً.
{قَالَ} يوسف للزوج: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ} وهو يمليخا ابن عم المرأة، فتكلم بعقل ولب، قال: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ} [آية: 26]، أي إن كان يوسف هو الذي راودها، فقدت، يعني فمزقت قميصه من قُبل، يعني من قدامه، فصدقت على يوسف، ويوسف من الكاذبين في قوله.
{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ} [آية: 27]، أي وإن كان يوسف هو الهارب منها، فأدركته فقدت قميصه من دبر، فكذبت على يوسف، ويوسف من الصادقين في قوله، وقد سمعا جلبتهما وتمزيق القميص من وراء الباب.
{فَلَمَّا رَأَى} الزوج {قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ}، يقول: مزق من ورائه، {قَالَ} لها: {إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ}، يقول: تمزيق القميص من فعلكن، يعني امرأته، ثم قال: {إِنَّ كَيْدَكُنَّ}، يعني فعلكن {عَظِيمٌ} [آية: 28]؛ لأن المرأة لا تزال بالرجل حتى يقع في الخطيئة العظيمة.
ثم قال الشاهد ليوسف: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا} الأمر الذي فعلت بك، ولا تذكره لأحد، ثم أقبل الشاهد على المرأة، فقال: {وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ}، يعني واعتذرى إلى زوجك واستعفيه ألا يعاقبك، {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ} [آية: 29].
{وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ}، وهن خمس نسوة: امرأة الخباز، وامرأة الساقي وامرأة صاحب السجن، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب الإذن، قلن: {ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا} العبراني، يعني عبدها الكنعاني، {عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً}، يعني غلبها حباً شديداً هلكت عليه، {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [آية: 30]، يعني في خسران بين، يعني شقاء من حب يوسف، عليه السلام، حتى فشا عليها.
{فَلَمَّا سَمِعَتْ} زليخا {بِمَكْرِهِنَّ}، يعني بقولهن لها، {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} فجئنها، {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً}، وهو الأترج، وكل شىء يحز بالسكين فهو متكأ، {وَآتَتْ}، يعني وأعطت {كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً}، وأمرت يوسف، عليه السلام، فتزين وترجل، وكان أُعطى يوسف في زمانه ثلث الحسن، وآتاه الحسن من قِبل جده إسحاق من قبل أمه سارة، وورثت سارة حسنها من قِبل حواء امرأة آدم، عليه السلام، وحسن حواء من آدم؛ لأنها خلقت منه.
وقال مقاتل: كل ذكر أحسن من الأنثى من الأشياء كلها، وفضل يوسف في زمانه بحسنه على الناس، كفضل القمر ليلة البدر على الكواكب.
{وَقَالَتِ}، أي ثم قال: يا يوسف: {ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} من البيت، {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ}، يعني أعظمنه، {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}، يعني وحززن أصابعهن بالسكين حين نظرن إليه، {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ}، يعني معاذ الله، {مَا هَـٰذَا بَشَراً} إنساناً، {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} [آية: 31]، يعني حسن، فأعجبها ما صنعن وما قلن.
{قَالَتْ} زليخا: {فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} الذي افتتنتن به، {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ}، يعني فامتنع عن الجماع، {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ} [آية: 32]، يعني المذلين.
قالت النسوة: يا يوسف، ما يمنعك أن تقضي لها حاجتها؟ فدعى يوسف ربه، {قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} من الزنا، حين قلن ليوسف: ما يحملك على ألا تقضي حاجتها، {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ}، يقول: أفضى إليهن، {وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ} [آية: 33]، يعني من المذنبين.
{فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ}، يعني مكرهن وشرهن، {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لدعاء يوسف، {ٱلْعَلِيمُ} [آية: 34] به.
{ثُمَّ بَدَا لَهُمْ}، يعني ثم بدا للزوج {مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ}، يعني من بعد ما رأوا العلامات في تمزيق القميص من دبر أنه بريء، {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ} [آية: 35]، وذلك أنها قالت لزوجها حين لم يطاوعها يوسف: احبس يوسف في السجن لا يلج عليَّ، فصدقها فحبسته، فقال له صاحب السجن: من أنت؟ قال: ولم تسألني من أنا؟ قال: لأني أحبك، قال: أعوذ بالله من حبك، أحبني والدي، فلقيت من إخوتي ما لقيت، وأحبتني امرأة العزيز، فلقيت من حبها ما لقيت، فلا حاجة لي في حب أحد إلا في إلهي الذي في السماء، قال: أخبرني من أنت؟ قال: أنا يوسف نبي الله، ابن يعقوب صفي الله ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله، وكان يوسف في السجن يؤنس الحزين، ويطمئن الخائف، ويقوم على المريض، ويعبر لهم الرؤيا.