التفاسير

< >
عرض

وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ
٣٦
قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
٣٧
وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ
٣٨
يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ
٣٩
مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٤٠
يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ
٤١
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
٤٢
وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ
٤٣
قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ
٤٤
وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ
٤٥
يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ
٤٦
قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ
٤٧
ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ
٤٨
ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
٤٩
وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ
٥٠
قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ
٥١
ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ
٥٢
وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٥٣
وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ
٥٤
قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
٥٥
وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
٥٦
وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
٥٧
-يوسف

مقاتل بن سليمان

ورقي إلى الملك أن غلامه الخباز يريد أن يجعل في طعامه سماً، ورقي إليه في غلامه الساقي مثل ذلك، فذلك قوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانَ}، الخباز والساقي، اسم أحدهما شرهم أقم، وهو الساقي، واسم الخباز شرهم أشم، {قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ} في المنام كأني {أَعْصِرُ خَمْراً}، يعني عنباً، قال: كأني دخلت البستان، فإذافيه أصل كرم، وعليه ثلاث عناقيد، فكأني أعصرهن وأسقي الملك، {وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ}، رأيت في المنام كأني {أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً}، ثلاث سلال، وأعلاهن جفنة من خبز فوق رأسي، مثل قوله: { فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ } [الأنفال: 12]، ومثله قوله: { ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ } [إبراهيم: 26]، يعني أعلا الأرض، {تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ}، يقول: أخبرنا بتفسير ما رأينا في المنام، {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [آية: 36]، وكان إحسانه في السجن أنه كان يعود مرضاهم ويداويهم، ويعزي مكروبهم، ورآه متعبداًَ لربه، فهذا إحسانه.
{قَالَ} يوسف: ألا أخبر كما بأعجب من الرؤيا التي رأيتما، قال: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ}، إلا أخبرتكما بألوانه {قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا} الطعام، فقالوا ليوسف: إنما يعلم هذا الكهنة والسحرة، وأنت لست في هيئة ذلك، فقال يوسف لهما: {ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ} أولئك الكهنة والسحرة، يعني أهل مصر، {لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ}، يعني لا يصدقون بتوحيد الله، ولا بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [آية: 37].
{وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [آية: 38].
ثم دعاهما إلى الإسلام وهما كافران، فقال: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ}، يعني الخباز والساقي، {أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ}، أآلهة شتى تعبدون خير، يعني أفضل، {أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} [آية: 39] لخلقه؛ لأن الآلهة مقهورة، كقوله في النمل:
{ ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } [النمل: 59] من الآلهة.
ثم قال يوسف، عليه السلام: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ} من الآلهة {إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ} أنها آلهة، {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ}، يعني القضاء، {إِلاَّ للَّهِ} في التوحيد، {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}، يقول: أمر الله أن يوحد، ويعبد وحده، له التوحيد، {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ}، يعني المستقيم، وغيره من الأديان ليس بمستقيم، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ}، يعني أهل مصر، {لاَ يَعْلَمُونَ} [آية: 40] بتوحيد ربهم.
{يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً}، وهو الساقي، قال له يوسف: تكون في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرج فتكون على عملك، فتسقي سيدك خمراً، {وَأَمَّا ٱلآخَرُ}، وهو الخباز، {فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ}، واسمه شرهم أشم، قال له يوسف: تكون في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرج فتصلب، فتأكل الطير من رأسك فكره الخباز تعبير رؤياه، فقال: ما رأيت شيئاً، إنما كنت ألعب، فقال له يوسف: {قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [آية: 41]، رأيتما أو لم تريا، فقد وقع بكما ما عبرت لكما.
{وَقَالَ} يوسف {لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا} من القتل إضمار، وهو الساقي: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ}، يعني سيدك، فإنه يسرني أن يخرجني من السجن، يقول الله: {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ}، يعني يوسف دعاء ربه، فلم يدع يوسف ربه الذي في السماء ليخرجه من السجن، واستغاث بعبد مثله، يعني الملك، فأقره الله في السجن عقوبة حين رجا أن يخرجه غير الله عز وجل، فذلك قوله: {فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [آية: 42]، يعني خمس سنين حتى رأى الملك، فأقره الله في السجن عقوبة حين رجا أن يخرجه غير الله عز وجل، فذلك قوله: {فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [آية: 42]، يعني خمس سنين حتى رأى الملك الرؤيا، وكان في السجن قبل ذلك سبع سنين، وعوقب ببضع سنين، يعني خمس سنين، فكان في السجن اثنتا عشرة سنة، فذلك قوله: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ} [يوسف: 35].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لو أن يوسف ذكر ربه، ولم يستغث بالملك، لم لبث في السجن بضع سنين، ولخرج من يومه ذاك" ، قال: وأتى جبريل يوسف حين استغاث بالملك وترك دعاء ربه، فقال له: إن الله يقول لك: يا ابن يعقوب، من حببك إلى أبيك وأنت أصغرهم؟ قال: أنت يا إلهي، قال: إن الله يقول: من عصمك من الخطيئة وقد هممت بها؟ قالك أنت يا إلهي، قال: فكيف تركتنى واستغثت بعبد مثلك؟ فلما سمع يوسف ذكر الخطيئة، قال: يا إلهى، إن كان خلق وجهي عندك من أجل خطيئتى، فأسألك بوجه أبي وجدي أن تغفر لي خطيئتي.
{وَقَالَ ٱلْمَلِكُ}، وهو الريان بن الوليد، للملأ من قومه {إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ}، أي بقرات، {عِجَافٌ وَ} رأيت {وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ}، ثم قال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} وهم علماء أهل الأرض، وكان أهل مصر من أمهر الكهنة والعرافين، {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [آية: 43]، ولم يعلموا تأويل رؤياه.
فـ{قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ}، يعني أحلام مختلطة كاذبة، ثم علموا أن لها تعبيراً، وأنها ليست من الأحلام المختلطة، فمن ثم قالوا: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} [آية: 44]، وجاءه جبريل، عليه السلام، فأخبره أنه يخرج من السجن غداً، وأن الملك قد رأى رؤيا، فلما نظر يوسف إلى جبريل عليه البياض مكلل باللؤلؤ. قال مقاتل: قال له: أيها الملك الحسن وجهه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، أي رسل ربي أنت؟ قال: أنا جبريل، قال: ما أتى بك؟ قال: أبشرك بخروجك، قال: ألك علم بيعقوب أبي ما فعل؟ قال: نعم، ذهب بصره من الحزن عليك.
قال: أيها الملك الحسن وجهه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، ما بلغ من حزنه؟ قال: بلغ حزنه حزن سبعين مثكلة بولدها، قال: أيها الملك الحسن وجهه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، فما له من الأجر؟ قال: أجر مائة شهيد، وألف مثكلة موجعة، قال: أيها الملك الحسن وجهه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، هل رأيت يعقوب؟ قال: نعم، قال أيها الملك، من ضم إليه بعدي؟ قال: أخاك بنيامين، قال يوسف: يا ليت السباع تقسمت لحمى ولم يلق يعقوب في سبيلي ما لقي.
فلما سمع الساقي رؤيا الملك، ذكر تصديق عبارة يوسف، عليه السلام، في نفسه، وفي الخباز، فذلك قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا} من القتل {وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ}، يعني وذكر بعد حين: {أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ}، يعني بتعبيره، {فَأَرْسِلُونِ} [آية: 45] إلى يوسف.
فلما أتى يوسف، قال له الساقي: {يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ}، يعني أيها الصادق فيما عبرت لي ولصاحبي، {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ}، قال: أما البقرات السبع السمان، والسنبلات الخضر، فهن سبع سنين مخصبات، وأما البقرات العجاف السبع، والسنبلات السبع الأخر اليابسات، فهن المجدبات، ثم قال الساقي: {لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ}، يعني أهل مصر، {لَعَلَّهُمْ}، يعني لكي {يَعْلَمُونَ} [آية: 46] تعبيرها، يعني تعبير هذه الرؤيا.
ثم علمهم كيف يصنعون، {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً}، يعني دائبين في الزرع، ثم علمهم يوسف ما يصنعون، فقال: {فَمَا حَصَدتُّمْ} من حب، {فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ}، فإنه أبقى له لئلا يأكله السوس، {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} [آية: 47]، فتشقونه.
{ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ}، يعني من بعد السنين المخصبات، {سَبْعٌ شِدَادٌ}، يعني مجدبات، {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ}، يعني ما ذخرتم لهن في هذه السنين الماضية، {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} [آية: 48]، يعني مما تدخرون فتحرزونه.
{ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ}، يعني من بعد السنين المجدبات، {عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ}، يعني أهل مصر بالمطر، {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [آية: 49] العنب، والزيت من الخصب، هذا من قول يوسف، وليس من رؤيا الملك، فرجع الرسول فأخبره فعجب.
{وَقَالَ ٱلْمَلِكُ} واسمه الريان بن الوليد {ٱئْتُونِي بِهِ}، يعني بيوسف، {فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ}، يعني رسول الملك، وهو الساقي، {قَالَ} له: {ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ}، يعني سيدك، {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ} الخمس {ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}، يعني حززن أصابعهن بالسكين، {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ}، يعني بقولهن {عَلِيمٌ} [آية: 50] حين قلن: ما يمنعك أن تقضى لها حاجتها؟ وأراد يوسف، عليه السلام، أن يستبين عذره عند الملك قبل أن يخرج من السجن، ولو خرج يوسف حين أرسل إليه الملك قبل أن يبرئ نفسه، لم يزل متهماً في نفس الملك، فمن ثم قال: {قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}، فيشهدان أن امرأة العزيز قالت: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ} [يوسف: 32].
فلما سألهن الملك، {قَالَ} لهن: {مَا خَطْبُكُنَّ}، يعني ما أمركن، كقوله:
{ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } [الحجر: 57]، يعني ما أمركم، {إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ}، وذلك أنهن قلن حين خرج عليهن يوسف من البيت: ما عليك أن تقضي لها حاجتها؟ فأبى عليهن، فرددن على الملك، {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ}، يعني معاذ الله، {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ}، يعني الزنا، فلما سمعت زليخا قول السنوة، {قَالَتِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ} عند ذلك، {ٱلآنَ حَصْحَصَ}، يعني الآن تبين {ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ} يوسف {لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [آية: 51] في قوله.
فأتاه الرسول في السجن، فأخبره بقول النسوة عند الملك، قال يوسف: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ}، يقول: هذا ليعلم سيده {أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} في أهله، ولم أخالفه فيهن، {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} [آية: 52]، يعني لا يصلح عمل الزناة، يقول: يخذلهم، فلا يعصمهم من الزنا، فأتاه الملك، وهو جبريل، بالبرهان الذي رأى، فقال ليوسف: أين ما هممت به أولاً حين حللت سراويلك وجلست بين رجليها؟.
فلما ذكر الملك ذلك، قال عند ذلك: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ}، يعني قلبي من الهم، لقد هممت بها، {إِنَّ ٱلنَّفْسَ}، يعني القلب {لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ} للجسد، يعني بالإثم، ثم استثنى، فقال: {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ}، يعني إلا ما عصم ربى، فلا تأمر بالسوء، { إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ} لما هم به من المعصية، {رَّحِيمٌ} [آية: 53] به حين عصمه.
{وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي}، يعني أتخذه، {فَلَمَّا} أتاه يوسف وَ{كَلَّمَهُ}، أي كلم الملك، {قَالَ} ليوسف: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ}، يقول: عندنا وجيه، {أَمِينٌ} [آية: 54] على ما وكلت به، كقوله:
{ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ } [التكوير: 20].
ثم {قَالَ} يوسف للملك: {ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ} بمصر، {إِنِّي حَفِيظٌ} لما وكلتنى به، {عَلِيمٌ} [آية: 55]، يعني عالم بلغة الناس كلها. قال مقاتل: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لو قال: إني حفيظ عليم إن شاء الله، لملك من يومه ذلك" ، وقال ابن عباس: لبث بعد ذلك سنة ونصفاً، ثم ملك أرض مصر. وقال مقاتل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عجبت من صبر يوسف وكرمه، والله يغفر له، لو كنت أنا لبادرت الباب حين بعث إليه الملك يدعوه"
{وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ}، يعني وهكذا مكنا ليوسف الملك {فِي ٱلأَرْضِ}، في أرض مصر، لـ{يَتَبَوَّأُ}، يقول: ينزل {مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا}، يعني سعتنا، {مَن نَشَآءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [آية: 56]، يعني نوفيه جزاءه، فجزاه الله بالصبر على البلاء، والصبر على المعصية بأن ملكه على مصر.
ثم قال: {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ}، يعني أكبر، يعني جزاء الآخرة أفضل مما أعطي في الدنيا من الملك، {لِّلَّذِينَ آمَنُواْ}، يعني صدقوا بالتوحيد، {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} [آية: 57] الشرك مثل الذي اتقى يوسف، عليه السلام.