التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
٥٤
وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ
٥٥
ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٥٦
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٱكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
٥٧
-البقرة

مقاتل بن سليمان

{ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [آية: 54]، {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} [آية: 55]، {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آية: 56].
{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ}، وذلك أن موسى، عليه السلام، قالت له بنو إسرائيل وهم فى التيه: كيف لنا بالأبنية، وقد نزلنا فى القفر، وخرجنا من العمران، من حر الشمس، فظلل الله عز وجل عليهم الغمام الأبيض يقيهم حر الشمس، ثم إنهم سألوا موسى، عليه السلام، الطعام، فأنزل الله عليهم طعام الجنة، وهو {ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ}، أما المن، فهو الترنجبين، فكان ينزل بالليل على شجرهم أبيض كالثلج، حلو مثل العسل، فيغدون عليه كل إنسان صاع لكل ليلة، فيغدون عليه فيأخذون ما يكفيهم ليومهم، ذلك لكل رجل صاع، ولا يرفعون منه فى غد، ويأخذون يوم الجمعة ليومين؛ لأن السبت كان عندهم لا يشخصون فيه ولا يعلمون، كان هذا لهم فى التيه، وتنبت ثيابهم مع أولادهم، فأما الرجال، فكانت ثيابهم عليهم لا تبلى ولا تنخرق ولا تدنس.
وأما السلوى، فهو الطير، وذلك أن بنى إسرائيل سألوا موسى اللحم وهم فى التيه، فسأل موسى ربه عز وجل، فقال الله: لأطعمهم أقل الطير لحماً، فبعث الله سبحانه السماء، فأمطرت لهم السلوى وهى السمانا، وجمعتهم ريح الجنوب، وهى طير حمر تكون فى طريق مصر، فأمطرت قدر ميل فى عرض الأرض، وقدر رمح فى السماء بعضه على بعض، فقال الله عز وجل لهم: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ}، يعنى من حلال، كقوله:
{ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً } [المائدة: 6]، يعنى حلالاً طيباً فى غير مأثم، وإذا وجدوا الماء فهو حرام، فمن ثم قال: {طَيِّباً}، يعنى حلالاً من {مَا رَزَقْنَاكُمْ} من السلوى، ولا تطغوا فيه، يعنى تعصوا الله فى الرزق فيما رزقكم، ولا ترفعوا منه لغد، فرفعوا وقددوا مخافة أن ينفد، ولو لم يفعلوا لدام لهم ذلك، فقددوا منه ورفعوا فدود وتغير ما قددوا منه وما رفعوا فعصوا ربهم، فذلك قوله سبحانه: {وَمَا ظَلَمُونَا}، يعنى وما ضرونا، يعنى ما نقصونا من ملكنا بمعصيتهم شيئاً حين رفعوا وقددوا منه فى غد، {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آية: 57]، يعني أنفسهم يضرون، نظيرها فى الأعراف قوله سبحانه: { مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } [الأعراف: 160] إلى آخر الآية.