التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
٥٧
وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
٥٨
لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
٥٩
قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٦٠
قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَـٰلَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ
٦١
أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٦٢
أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
٦٣
فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ
٦٤
-الأعراف

مقاتل بن سليمان

{وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}، يقول: الرياح نشراً للسحاب، كقوله: { يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً } [الروم: 48]، يسير السحاب قدام الرياح، {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ}، يعنى إذا حملت الريح {سَحَاباً ثِقَالاً} من الماء، {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ}، ليس فيه نبات، {فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ} بالماء من الأرض، {مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ}، يعنى هكذا، {نُخْرِجُ}، يخرج الله {ٱلْموْتَىٰ} من الأرض بالماء، كما أخرج النبات من الأرض بالماء، {لَعَلَّكُمْ}، يعنى لكى {تَذَكَّرُونَ} [آية: 57] فتعتبروا فى البعث أنه كائن، نظيرها فى الروم والملائكة.
ثم ضرب مثلاُ للمؤمنين والكفار، فقال: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ}، يعنى الأرض العذبة إذا مطرت، {يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ}، فينتفع به كما ينفع المطر البلد الطيب فينبت، ثم ذكر الكافر، فقال: {وَٱلَّذِي خَبُثَ} من البلد، يعنى من الأرض السبخة أصابها المطر، فلم ينبت، {لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً}، يعنى إلا عسراً رقيقاً يبس مكانه، فلم ينتفع به، فهكذا الكافر يسمع الإيمان ولا ينطق به ولا ينفعه، كما لا ينفع هذا النبات الذى يخرج رقيقاً فييبس مكانه، {كَذٰلِكَ}، يعنى هكذا {نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} فى أمور شتى لما ذكره فى هاتين الآيتين، {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [آية: 58]، يعنى يوحدون ربهم.
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ}، يعنى وحدوا الله، {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ}، يقول: ليس لكم رب غيره، فإن لم تعبدوه، {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ} فى الدنيا {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [آية: 59] لشدته.
{قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ}، وهم القادة والكبراء لنوح: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [آية: 60].
{قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [آية: 61] إليكم.
{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي} فى نزول العذاب بكم فى الدنيا، {وَأَنصَحُ لَكُمْ} فيها وأحذركم من عذابه فى الدنيا، {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ} فى نزول العذاب بكم، {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [آية: 62] أنتم.
وذلك أن قوم نوح لم يسمعوا بقوم قط عذبوا، وقد سمعت الأمم بعدهم بنزول العذاب على قوم نوح، ألا ترى أن هوداً قال لقومه:
{ وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } [الأعراف: 69]، وقال صالح لقومه: { وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ } هلاك { عَادٍ } [الأعراف: 74]، وحذر شعيب قومه، فقال: {أَن يُصِيبَكُم} من العذاب { مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ } [هود: 89]، فمن ثم قال نوح لقومه: أعلم ما لا تعلمون.
فقال بعضهم لبعض: الكبراء للضعفاء: ما هذا إلا بشر مثلكم، أفتتبعونه؟ فرد عليهم نوح: {أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ}، يعنى بيان من ربكم، {عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ}، يعنى نفسه، {لِيُنذِرَكُمْ} العذاب فى الدنيا، {وَلِتَتَّقُواْ} الشرك وتوحدوا ربكم، {وَلَعَلَّكُمْ}، يعنى لكى {تُرْحَمُونَ} [آية: 63]، فلا تعذبوا.
{فَكَذَّبُوهُ} فى العذاب أنه ليس بنازل بنا، يقول الله: {فَأَنجَيْنَاهُ}، يعنى نوحاً، {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} من المؤمنين، {فِي ٱلْفُلْكِ}، يعنى السفينة من الغرق برحمة منا، {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ}، يعنى نزول العذاب، {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ} [آية: 64]، عموا عن نزول العذاب بهم، وهو الغرق.