التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ فَمَا ٱخْتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
٩٣
فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ
٩٤
وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٩٥
إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ
٩٦
وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ
٩٧
-يونس

الكشف والبيان

{وَلَقَدْ بَوَّأْنَا} أنزلنا {بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} بعد هلاك فرعون {مُبَوَّأَ} منزل {صِدْقٍ} يعني خير، وقيل الأردن وفلسطين وهي: الأرض المقدسة التي بارك الله فيها لإبراهيم وذريته. الضحاك: هي مصر والشام.
{وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} الحلالات.
{فَمَا ٱخْتَلَفُواْ} يعني اليهود الذين كانوا على عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم {حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} البيان بأن محمداً صلى الله عليه وسلم يقول صدقاً ودينه حق. وقيل: العلم بمعنى المعلوم لقولهم للمخلوق: خلق، وللمقدور: قدر، وهذا [....... فتم طرف الأمر، قال الله.....]، ومعنى الآية فما اختلفوا في محمد حتى جاءهم المعلوم وهو كون محمد صلى الله عليه وسلم نبياً لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه.
{إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من الدين.
{فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ}، الآية، وقد أكثر العلماء في تفسير معنى الآية، قال مقاتل: قالت كفار مكة: إنما ألقى هذا الوحي على لسان محمد شيطان، فأنزل الله تعالى:
{فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} يعني القرآن.
{فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} يخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة رسولا نبياً.
وقيل: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره من الشاكّين به، كما ذهب العرب في خطابهم الرجل بالشيء ويريدون به غيره، كقوله تعالى:
{ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ } [الأحزاب: 1] كأن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به المؤمنون، ويدلّ عليه قوله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } [النساء: 94] [الأحزاب: 2] ولم يقل: تعمل.
قال المفسرون: كان الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا بالله بلسانهم، ومنهم كافر مكذّب لا يرى إلاّ أن ما جاء به باطل، أو شاكّ في الأمر لا يدري كيف هو يقدّم رجلا ويؤخِّر أخرى، فخاطب الله هذا الصنف من الناس فقال: {فَإِن كُنتَ} أيها الإنسان {فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} من الهدى على لسان محمد ( صلى الله عليه وسلم ).
{فَاسْأَلِ} الأكابر من علماء أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلاّم، وسلمان الفارسي، وتميم الداري وأشباههم فيشهدوا على صدقه، ولم يرد المعاندين منهم.
وقيل: إنْ بمعنى (ما)، وتقديره: فما كنت في شك مما أنزلنا إليك، فاسألوا يا معاشر الناس أنتم دون النبي. كما قال:
{ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ } [إبراهيم: 46] بمعنى وما كان مكرهم.
وقيل: إنّ الله علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشكّ ولكنّه أراد أن يأخذ الرسول بقوله لا أشك ولا [أماريٍ] إدامةً للحجة على الشاكّين من قومه كما يقول لعيسى:
{ ءَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } [المائدة: 116] وهو يعلم أنه لم يقل ذلك، بدليل قوله: { سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } [المائدة: 116] إدامة للحجة على النصارى.
وقال الفرّاء: علم الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير شاكّ، فقال له: فإن كنتَ في شكّ، وهذا كما تقول لغلامك الذي لا تشك في ملكك إياه: إن كنت عبدي فأطعني، أو تقول لابنك: إن كنت ابني فبرّني.
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: الشاك في الشيء يضيق به صدراً، فيقال لضيِّق الصدر شاك،يقول: إن ضقت ذرعاً بما تعاين من تعنتهم وأذاهم فاصبر، واسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك يخبروك كيف صبر الأنبياء على أذى [قومهم] وكيف كان عاقبة أمرهم من النصر والتمكين.
وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب سمعت أبا بكر محمد بن محمد بن أحمد القطان في [ذلك: ] كان جائزاً على الرسول صلى الله عليه وسلم وسوسة الشيطان لأن المجاهدة في ردّها يستحق عليها عظيم الثواب والله [............] وكان يضيق صدره من ذلك والله أعلم. وقال الحسين بن الفضل مع [حيث] الشرط لا يثبت الفعل.
والدليل عليه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية:
"والله لا أشك ولا أسأل" .
ثم أفتى [وزوّدنا] بالكلام فقال: {لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ * وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} القرآن.
{فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [الذين تحبط أعمالهم] {إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} لعنته إياهم [لنفاقهم]، قال ابن عباس: ينزل بك السخط، وقال: إن الله خلق الخلق [فمنهم شقي ومنهم] سعيد، فمن كان سعيداً لا يكفر إلاّ ريثما يراجع الإيمان ومن كان شقياً لا يؤمن إلاّ ريثما يراجع الكفر، وإنما العمل [...] وقرأ أهل المدينة: [كلمات] جمعاً.
{لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} دلالة {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} قال الأخفش: أنّث فعل [كل] لأنها مضافة إلى مؤنث، ولفظة كل للمذكر والمؤنث سواء.