التفاسير

< >
عرض

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ
١٥
قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ
١٦
أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ
١٧
لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ
١٨
أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
١٩
ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ
٢٠
وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ
٢١
وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ
٢٢
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ
٢٣
سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ
٢٤
وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ
٢٥
ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ
٢٦
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ
٢٧
ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ
٢٨
ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ
٢٩
-الرعد

الكشف والبيان

{وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يعني الملائكة والمؤمنين {طَوْعاً وَكَرْهاً} يعني المنافقين والكافرين الذين أكرهوا على السجود بالسبعة.
وروى ابن المبارك عن سفيان قال: كان ربيع بن هشيم إذا قرأ هذه الآية قال: بل طوعاً يا رباه.
{وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} يعني ضلال الساجدين طوعاً أو كرهاً يسجد لله حين يقي ضلل أحدهم عن يمينه أو شماله.
قال ابن عباس: نظيرها في النحل.
قال الكلبي: إذا سجد بالغدو أو العشي سجد معه ظله.
وقال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعاً وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعاً وهو كاره، والأصال جمع أُصل، والأُصل جمع الأصيل وهو العشاء من العصر إلى غروب الشمس. {قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي خالقهما ومدبرهما فسيقولون الله ولابد لهم من ذلك فإذا أجابوك {قُلِ} أنت أيضاً {ٱللَّهُ} ثم قيل لهم إلزاماً للحّجة {قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} يعني الأصنام يعبدونها من دون الله وهي لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً ثم نصرف لهم الأفعال {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} وكذلك لا يستوي الضال والمؤمن المهتدي.
وقرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي: {أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ} بالياء. الباقون: بالتاء واختاره أبو عبيد قال: لأنه يحصل من اسم المؤنت ومن الفعل مقابل والظلمات والنور مثل الكفر والإيمان {أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} فأصبحوا لا يدرون أمن خلق الله هو أو من خلق آلهتهم {قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} [.........] للحق والباطل مثلين. فقال عزمن قائل {أَنَزَلَ} هو {مِنَ ٱلسَّمَآءِ} يعني المطر {مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} الكبير بقدره والصغير بقدره {فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ} الذي حدث على ذلك الماء {زَبَداً رَّابِياً} حال تعريفها يود الماء فالماء الباقي الصافي النافع هو الحق.
والذاهب الزائل الباطل الذي يتعلق بالأشجار وجوانب الأودية والأنهار وهو الباطل ويقال: إن هذا سيل القرآن ينزل من السماء فيحتمل منه القلوب حظها على قدر اليقين والشك والعقل والجهل فهذا مثل الحق والباطل.
والمثل الآخر قوله: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ}.
قرأ حميد أبو محجن أبووهب وحمزة والكسائي يوقدون بالياء، واختاره أبو عبيد؛ لقوله تعالى: {يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} ولا مخاطبة هاهنا {ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ} أي زينة يتخذونها {أَوْ مَتَاعٍ} وهو ما ينتفع به وكلُّ ما تمتعت به فهو متاع.
قال المشعث:

تمتع يا مشعث أن شيئاًسبقت به الممات هو المتاع

أراد به جواهر الأرض من الذهب والفضة.
والحديد والصفر والنحاس والرصاص، ومنه يستخلص الأشياء مما ينتفع به من الحلي والأواني وغيرهما.
{زَبَدٌ مِّثْلُهُ} يقول: له زبد إذا أُنث مثل زبد السيل، والباقي الصافي من هذه الجواهر فيذهب خبثه والزبد الذي لا يبقى ولا ينتفع به مثل الباطل.
قال الله تعالى: {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ} الذي علا السيل. {فَيَذْهَبُ جُفَآءً} سريعاً متفرقاً.
قال أبو عمرو: هو من قول العرب: أجفأت القدر النذر وجنات وذلك إذا غلت فأنصب زبدها أو سكنت لم يبقَ منه شيء.
وقال القبتي: الجفاء ما رمى به الوادي إلى جنانه. فقال: جفأته إذا صرعه.
وقال ابن الأنباري: جفاء يعني بالياً متفرقاً.
يقال: جفأت الريح بالغيم إذا فرقته وذهبت به.
قال بعضهم: يعني تباعد الأرض. يقال جفأ الوادي وأجفأ إذا نشف.
قال الفراء: إنما أراد بقوله جفاء الجفاء لأنه مصدر، قولك جفأ الوادي غثاه جفاء فخرج مخرج الاسم وهو مصدر.
وكذلك يفعل العرب في مصدر كل ما كان من فعل شيء اجتمع بعضه إلى بعض كالقماش والرقاق والحطام والغنام يخرجه على مذهب الاسم، كما فعلت ذلك في قولهم أعطيته عطاء بمعنى الاعطاء، ولو أُريد من القماش المصدر على الصحة لقيل قمشته قمشاً.
{وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} من العوالق {فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} تم الكلام على هذا. ثم قال: {لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ} أطاعوه {ٱلْحُسْنَىٰ} بالجنة {وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} يوم القيامة، قال الله {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ} مجازياً بالعقوبة، قال إبراهيم النخعي والزبد. أتدري ما سوء الحساب؟ قلت: لا. قال هو أن يحاسب الرجل على معصية فعلها ويكفر عنه خطيئته، {وَمَأْوَاهُمْ} في الآخرة {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} الفراش والمصير {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ} [.........]ٍ فهو كافيه {كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} عنه لا يعلمه ولا تعمل {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} الخطاب للأصحاب وذوي العقول {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} في أمرهم يعني فرضه عليهم فلاهم يخالفونه إلى ما هم فيه، {وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ * وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} قيل أراد الإيمان بجميع الكتب والرسل ولا يعترفون بها.
وقال أكثر المفسرين: يعني الرحم ويقطعونها.
الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: اشتكى أبو الدرداء فعاده عبد الرحمن بن عوف. فقال: خيرّهم أو صلهم ما علمت يا محمد. فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"قال الله تبارك وتعالى: أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشقتت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" .
عن شيبة قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن موهب وأبوه عثمان بن عبد الله، أنهما سمعا موسى بن طلحة يحدث عن أبي أيوب الأنصاري: "أنّ رجلا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال القوم: ماله وماله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرب ماله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم ذرها" قال: كأنه كان على راحلته.
عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن كعب قال: والذي فلق البحر لبني إسرائيل إنّ في التوراة لمكتوباً يابن آدم اتق ربك وأبرّ والديك وصل رحمك أمدُّ لك في عمرك وأُيسّر لك يسرك، وأصرف عنك عسرك.
وعن أبي إسحاق عن مغراء العبدي عن عبد الله بن عمرو قال: من اتقى ربه ووصل رحمه نسئ له في عمره وثرا ماله وأحبه أهله.
صالح عن جرير عن برد عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"اعمل الخير [ليس شيء اطيع الله فيه أعجل ثواباً من صلة] الرحم وليس شيء أعجل عقاباً من البغي وقطيعة الرحم، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع" .
{وَالَّذِينَ صَبَرُواْ} على طاعة الله وتصبروا عن معصية الله.
قاله ابن زيد، وقال ابن عباس: وصبروا على أمر الله.
قال عطاء: على الرزايا والمصائب والحوادث والنوائب.
أبو عمران الجوني: صبروا على دينهم.
{ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} طالب يعتصم بالله ويستغفر ربه أن يعصيه ويخالفه في أمره {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} يعني الزكاة {وَيَدْرَءُونَ} ويدفعون {بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} يقال: درأ الله عني بشرّك.
قال ابن زيد: يعني لا يكافؤون الشر بالشر ولكن يدفعونه بالخير.
وقال القتيبي: معناه إذا سفه عليهم حلموا فالسفه السيئة والحلم الحسنة.
قتادة: ردوا عليهم معروفاً نظيره
{ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } [الفرقان: 63].
قال الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا أخلصوا عفوا، وإذا قُطعوا وصلوا.
ابن كيسان: إذا أذنبوا أيسوا وإذا حرفوا أثابوا ليدفعوا بالتوبة عن أنفسهم فغفر الذنب.
فهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك عنه قال: يدفعون بالصالح من العمل الشر من العمل، ويؤيد هذا الخبر المأثور:
"إن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله أوصني. قال: إذا عملت سيئة فاعمل لجنبها حسنة تمحها، السر بالسر والعلانية بالعلانية" .
قال عبد الله بن المبارك: هذه ثماني خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة.
أبو بكر الوراق: هذه ثمانية جسور فمن أراد القربة من الله عبرها.
{ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} ثم بين فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}.
قرأه العامة: بفتح الياء وضم الخاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمر: بضم الياء وفتح الخاء.
قال عبد الله بن عمير: وإن في الجنة قصراً يقال له عدن حوله البروج والمروج فيه خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلاّ نبي أو صديق أو شهيد.
{وَمَنْ صَلَحَ} لهن {مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} أهلهم وولدهم أيضاً يدخلونها {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم} فيه آمناً تقديره ويقولون سلام عليكم {بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}.
قال مقاتل: يدخلون في مقدار يوم وليلة من أيام الدنيا ثلاث كرات معهم الهدايا والتحف يقولون: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ}.
صالح عن يزيد عن أنس بن مالك: أنّه تلا هذه الآية جنات عدن إلى قوله: {فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ}. ثم قال: إنه جنة من در وفضة طولها في الهواء ستون ميلا ليس فيها صدع ولا وصل منه كل زاوية منها أهل فقال: لها أربعة آلاف مصراع من ذهب يقوم على كل باب سبعون ألف من الملائكة مع كل ملك منهم هدية من الرحمن ليس في مثلها، لا يَعْلُونَ [....] ليس بينهم وبينه حجاب.
وروى ابن المبارك عن عقبة بن الوليد قال: حدثنا أرطأة بن المنذر قال: سمعت رجلا من ملجف بالجند يقال له أبو الحجاج يقول: حدثني خالي أبي أُمامة فقال: إنّ المؤمن ليكون متكئاً على أريكته إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم وعند طرف السماطين سور فيقبل الملك، يستأذن فيقول الذي يليه: ملك يستأذن، ويقول الذي يليه: ملك يستأذن كذلك حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا فيقول أقربهم إلى المؤمن: ائذنوا فيقول الذي يليه للذي يليه كذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له فيدخل فيسلم ثم ينصرف.
وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: الفقراء والمهاجرون الذين تسدّ بهم الثغور ويتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في نفسه لا يستطيع لها قضاء" .
قال: فيأتيهم الملائكة فيدخلون عليهم من كل باب {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ}.
وروى سهيل بن أبي صالح عن محمد بن إبراهيم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: السلام عليكم بما صبرتم فنعمى عقبى الدار.
أبو بكر وعمر وعثمان عليهم السلام كانوا يفعلون كذلك.
{وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} يعني النار.
وقال سعد بن أبي وقاص: هم الحرورية.
{ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ} يوسع عليه {وَيَقَدِرُ} ويقتر ويضيق {وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعني فرطوا وجهلوا ما عند الله ويطمعون {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} قليل ذاهب قاله مجاهد، وقال عبد الرحمن بن سابط: كزاد الراعي يزود، أهله الكف من التمر أو الشيء من الدقيق أو الشيء يشرب عليه اللبن.
الكلبي: كمثل السكرجة والقصعة أو القدح والقدر ونحوها ينتفع بها ثم يذهب {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} من أهل مكة {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} ويرشد الأُمّة إلى طاعته من رجع إليه بقلبه ثم وصفهم فقال {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} في محل النصب والأمن قبله من {وَتَطْمَئِنُّ} وتسكن فستأنس {قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ}.
مقاتل: بالقرآن {أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}.
قال ابن عباس: هذا في الحلف ويقولها إذا حلف الرجل المسلم بالله على شيء يم سكن قلوب المؤمنين إليه.
وقال مجاهد: هم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
{ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} ابتداء {طُوبَىٰ لَهُمْ} خبره، وقيل: معناه لهم طوبى فطوبى خبر الابتداء الأول.
واختلف العلماء في تفسير «طُوبَىٰ لَهُمْ».
الوالبي عن ابن عباس: طوبى لهم: فرح وقرة عين لهم، عكرمة: نِعم مالهم، الضحاك: غبطة لهم.
قتادة: حسنى لهم معمر عنه: هذه كلمة عربية، يقول الرجل للرجل طوبى لكم أي أصبت خيراً.
إبراهيم: خير وكرامة لهم.
شميط بن عجلان: طوبى يعني دوام الخير. الفراء: أصله من الطيب وإنما جاءت الواو لضم ماقبلها وإتيان بقول العرب: طوباك، طوابى لك.
سعيد بن جبير عن ابن عباس: طوبى اسم الجنة بالحبشية.
سعيد بن مسجوح: اسم الجنة بالهندية ربيع البستان بلغة الهند.
وروى ابن سعيد الهندي
"عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ رجلا قال له: يا رسول الله ما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة يخرج من أكمامها" .
وروى معاوية بن مرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طوبى شجرة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت الحلي والحلل وإنّ أغصانها لترى من وراء سور الجنة" .
وقال أبو هريرة: طوبى شجرة من الجنة [غرسها] الله لها [ثمر] تقتفي لعبدي عياشاً صنعه له من الحلي بسرجها ولحمها وعن الإبل بأنّ تحتها قماشاً من الكسوة.
وقال مغيث بن سمي: طوبى شجرة من الجنة، لو أنّ رجلاً ركب قلوصاً جذعاًثم دار بها لم يبلغ المكان الذي ارتحل منه حتى يموت هرماً وما في أهل منزل إلاّ فيه غصن من أغصان تلك الشجرة متدلّ يصلهم الماء بالدلاء وإذا أرادوا أن يأكلوا من الثمرة تدلى إليهم فأكلوا منه ما شاؤوا ويجئ عليها الطير أمثال البخت، يعني الطير ويأكلون منه قديداً وشواءً ثم تطير.
قال عندر بن عمير: هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي صلى الله عليه وسلم وفي كل دار وغرفة غصن منها لم يخلق الله لوناً ولا زهرة إلاّ وفيها منها إلاّ السواد ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلاّ وفيها منها ينبع من أصلها عينان الكافور والسلسبيل مقابل كل ورقة منها تظل أُمة عليها ملك يسبح الله بأنواع التسبيح.
وقال أبو سلام: حدثني عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبيد السلمي يقول:
"جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله في الجنة فاكهة؟ قال: فيها شجرة تدعى طوبى هي تطابق الفردوس.
قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: ليس تشبه شيئاً من شجر أرضك ولكن أتيت الشام، فقال: أتيت الشام يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإنها تشبه شجرة تدعى الجوز ينبت على ساق واحد ثم ينتشر أعلاها. فقال: ما أعظم أصلها.
قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتاها هرماً"
.
قال وهب بن منبه: إنّ في الجنة شجرة. قال: الطوبى يسير الراكب في ظلها مائة عام ولا يقطعها زهوها رياط وورقها برود وقضبانها عنبر وبطحاؤها ياقوت وترابها كافور وحملها مسك يخرج من أصلها أنها الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة فبينما هم في مجلسهم إذا أتتهم الملائكة من ربهم يقودون لجامها مزمومة بسلاسل من ذهب وجوهها كالمصابيح حسناً ووبرها كخز المرعزي من لينة، عليها رحال ألواحها من ياقوت ودفوفها من ذهب وثيابها من سندس واستبرق فيفتحونها ويقولون: إنّ ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه.
قال: فيركبونها فهي أسرع من الطائر وأوطأ من الفراش نجباً من غير مهنة يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه لا تصيب أُذن راحلة منها إذن صاحبتها حتى إنّ الشجرة لتنتحي عن طرقهم فهم لا يفرقون بين الرجل وبين أخيه، قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه فإذا رأوه، قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام وأنت الجلال والإكرام، ويقول تبارك وتعالى عند ذلك: أنا السلام ومني السلام وعليكم حقت رحمتي ومحبتي مرحباً بعبادي الذين خشوني بالغيب وأطاعوا أمري، قال: فيقولون ربنا لم نعبدك حق عبادتك ولم نقدّرك حق قدرك فأذن لنا في السجود قدامك، قال: فيقول الله عزّ وجلّ: إنها ليست بدار نصب وعبادة ولكنها دار ملك ونعيم وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة فسلوني ما شئتم فإنّ لكل رجل منكم أُمنيته، فيسألونه حتى إن أقصرهم أُمنيةً يقول: رب يتنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها فأتني مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت فيقول الله عزّ وجلّ: لقد قصرت بك أُمنيتك ولقد سألت دون منزلتك هذا لك منّي وسأُلحقك بمن أتى، لأنه ليس في عطائي تكديرٌ ولا تصدير.
قال: ثم يقول: أعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم ولم يخطر لهم على بال، فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أما نبيهم التي في أنفسهم فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة على كل أربعة منهم سرير من ياقوتة واحدة على كل سرير منها قبة من ذهب مفرغة. في كل قبة منها فرش من فرش الجنة مظاهرة في كل قبة منها جاريتان من الحور العين وعلى كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلاّ وهو فيهما ولا ريح طيب إلاّ وقد عبق بهما ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظنّ من يراهما أنهما دون القبة يرى مخهما من فوق سقفهما، كالسلك الأبيض من ياقوتة حمراء.
يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل ويرى هو لهما مثل ذلك ثم يدخل إليهما فيطيبانه ويقبلانه ويعانقانه ويقولان له: والله ما ظننا أنّ الله يخلق مثلك، ثم يأمر الله الملائكة فيسيرون بهم صفاً في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أُعدت له.
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: فطوبى لهم شجرة أصلها في دار علي في الجنة، وفي دار كل مؤمن منها غصن يقال له طوبى.
{وَحُسْنُ مَآبٍ} حسن المرجع.
وروى داود بن عبد الجبار عن جابر عن أبي جعفر قال:
"سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله {طوبى لهم وحسن مآب}.
فقال: شجرة أصلها في داري وفرعها في الجنة. ثم سُئل عنها مرة أُخرى. فقال: شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة.
فقيل له: يا رسول الله نسألك عنها مرة فقلت: شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة فقال: ذلك في داري ودار علي أيضاً واحدة في مكان واحد"
.