التفاسير

< >
عرض

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ
١٧
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ
١٨
أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَٰفِرِينَ
١٩
يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٢٠
-البقرة

الكشف والبيان

{مَثَلُهُمْ} شبههم. {كَمَثَلِ ٱلَّذِي} بمعنى الذين، دليله سياق الآية نظير قوله تعالى: { وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } [الزمر: 33] ثم قال {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].
وقال الشاعر:

وانّ الذي حانت بفلج دماؤهمهم القوم كلّ القوم يا أُمّ خالد

{ٱسْتَوْقَدَ}: أوقد ناراً كما يُقال: أجاب واستجاب.
قال الشاعر:

وداع دعانا من يجيب الى الندّىفلم يستجبه عند ذاك مجيب

{فَلَمَّآ أَضَاءَتْ} النار {مَا حَوْلَهُ} يقال: ضاء القمر يضوء ضوءاً، وأضاء يضيء إضاءةً وأضاء غيره: {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ} النار يكون لازماً ومتعدّياً.
وقرأ محمد بن السميقع (ضاءت) بغير ألف. و(حوله) نصب على الظرف.
{ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ} أي أذهب الله نورهم، وإنما قال: (بنورهم) والمذكور في أوّل الآية النار؛ لأنّ النار شيئان النّور والحرارة فذهب نورهم وبقيت الحرارة عليهم.
{وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ}: قال ابن عباس وقتادة والضحّاك ومقاتل والسدي: نزلت هذه الآية في المنافقين. يقول: مثلهم في كفرهم ونفاقهم كمثل رجل أوقد ناراً في ليلة مظلمة في مفازة فأستضاء بها فاستدفأ ورأى ما حوله فأتّقى ما يحذر ويخاف فأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي مظلماً خائفاً متحيّراً، كذلك المنافقون إذا أظهروا كلمة الإيمان استناروا بنورها واعتزّوا بعزّها وناكحوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم وأمّنوا على أموالهم وأولادهم، فاذا ماتوا عادوا الى الخوف والظلمة وهووا في العذاب والنقمة.
وقال مجاهد: إضاءة النار: إقبالهم الى المسلمين والهدى، وذهاب نورهم: إقبالهم الى المشركين والضّلالة.
سعيد بن جبير ومحمد بن كعب وعطاء، ويمان بن رئاب: نزلت في اليهود وانتظارهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم وإيمانهم به واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلمّا خرج كفروا به، وذلك بأنّ قريظة والنضير وبنو قينقاع قدموا من الشام الى يثرب حتى إنقطعت النبوة من بني اسرائيل وافضت الى العرب، فدخلوا المدينة يشهدون لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة وأنّ أمّته خير الأمم وكان يغشاهم رجل من بني إسرائيل يقال له: عبد الله بن هيبان قبل أن يوحي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّ سنة فيعظهم على طاعة الله تعالى وإقامة التوراة والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم رسول إذا خرج: فلا تفرّقوا عنه وانصروه وقد كنت أطمع أن أدركه، ثمّ مات قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم فقبلوا منه، ثم لمّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا به فضرب الله لهم هذا المثل.
وقال الضحاك: لمّا أضاءت النار أرسل الله عليه ريحاً قاصفاً فأطفأها، فكذلك اليهود كلمّا أوقدوا ناراً لحرب محمد صلى الله عليه وسلم أطفأها الله.
ثم وصفهم جميعاً فقال: {صُمٌّ}: أي هم صمٌّ عن الهدى فلا يسمعون.
{بُكْمٌ}: عنه فلا يقولون.
{عُمْيٌ}: عنه فلا يرونه.
وقيل: {صُمٌّ} يتصاممون عن سماع الحقّ، {بُكْمٌ} يتباكمون عن قول الحقّ، {عُمْيٌ} يتعامون عن النظر الى الحق بغير إعتبار.
وقرأ عبد الله: (صمّاً بكماً عمياً) على معنى وتركهم كذلك، وقيل: على الذّم، وقيل: على الحال.
{فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} عن الضلالة والكفر الى الهداية والإيمان.
ثم قال: {أَوْ كَصَيِّبٍ} هذا مثل آخر ضربه الله لهم أيضاً معطوف على المثل الأوّل مجازه: مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ومثلهم أيضاً كصيّب.
قال أهل المعاني: (أو) بمعنى الواو، يريد وكصيّب، كقوله تعالى:
{ أَمْ تُرِيدُونَ } [البقرة: 108] وأنشد الفرّاء:

وقد زعمت سلمى بأنّي فاجرلنفسي تقاها أو عليها فجورها

وأنشد أبو عبيدة:

يصيب قد راح يروي الغُدُرا[فاستوعب] الأرض لمّا أن سرا

وأصله من صاب يصوب صوباً إذا نزل.
قال الشاعر:

فلست لأنسي ولكن لملاكتنزّل من جوّ السماء يصوب

وقال أمرؤ القيس:

كأن المدام وصوب الغماموريح الخزامي ونشر القطر

فسمّي المطر صيّباً لأنّه ينزل من السماء.
واختلف النّحاة في وزنه من الفعل، فقال البصريون: هو على وزن فيعل بكسر العين، ولا يوجد هذا المثال إلاّ في المعتل نحو سيّد وميّت وليّن وهيّن وضيّق وطيّب، وأصله صهيوب، فجعلت الواو ياء فأُدغمت إحدى اليائين في الأُخرى.
وقال الكوفيون: هو وأمثاله على وزن فعيل بكسر العين وأصله: صَييِبْ فاستثقلت الكسرة على الياء فسُكّنت وأدغمت إحداهما في الأخرى وحرّكت الى الكسر.
والسماء: كلّ ما علاك فأظلك وأصله: سماو؛ لأنه من سما يسمو، فقلبت الواو همزة لأنّ الألف لا تخلو من مدّة وتلك المدّة كالحركة، وهو من أسماء الأجناس، يكون واحداً أو جمعاً، قال الله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} [البقرة: 29] ثم قال: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة: 29].
وقيل: هو جمع واحدتها سماوة، والسموات جمع الجمع.
قال الرّاجز:

سماوة الهلال حتى احقوقفاطي الليالي زلفا فزلفا

{فِيهِ} أي في الصيّب، وقيل: في الليل كناية عن [ضمير] مذكور، وقيل: في السماء؛ لأنّ المراد بالسماء السّحاب، وقيل: هو عائد الى السماء على لغة من يذكرها.
قال الشاعر:

فلو رفع السماء إليه قوماًلحقنا بالسماء مع السّحاب

والسماء يذكّر ويؤنّث. قال الله تعالى: { السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ } [المزمل: 18]. وقال: { إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ } [الإنفطار: 1].
{ظُلُمَاتٌ}: جمع ظلمة، وضُمّت اللام على الإتباع بضمّ الظاء.
وقرأ الأعمش: (ظُلْمات) بسكون اللام على أصل الكلام لأنّها ساكنة في التوحيد.
كقول الشاعر وهو ذو الرّمّة:

أبتْ ذكر مَنْ عوّدن أحشاء قلبهخفوقاً ورفصات الهوى في المفاصل

ونزّل الفاء ساكنة على حالها في التوحيد.
وقرأ أشهب العقيلي: (ظلمات) بفتح اللام، وذلك إنّه لمّا أراد تحريك اللام حرّكها الى أخفّ الحركات.
كقول الشاعر:

فلمّا رأونا بادياً ركباتناعلى موطن لا نخلط الجدّ بالهزل

{وَرَعْدٌ}: وهو الصوت الذي يخرج من السحاب.
{وَبَرْقٌ}: وهو النار الذي تخرج منه.
قال مجاهد: الرعد ملك يسبّح بحمده، يقال لذلك الملك: رعد، والصّريم أيضاً رعد.
والبرق: ملك يسوق السحاب.
وقال عكرمة: الرعد ملك موكّل بالسحاب يسوقها كما يسوق الراعي الإبل.
شهر بن حوشب: الرعد ملك يزجي السحاب كما يحثّ الراعي الإبل فاذا انتبذت السحاب ضمّها فاذا اشتدَّ غضبه طار من فيه النار فهي الصواعق.
ربيعة بن الأبيض عن علي عليه السلام قال: البرق مخاريق الملائكة.
وقال أبو الدرداء: الرعد للتسبيح، والبرق للخوف والطمع، والبرد عقوبة، والصواعق للخطيئة، والجراد رزق لقوم وزجر لآخرين، والبحر بمكيال، والجبال بميزان.
وأصل البرق من البريق والضوء، والصواعق: المهالك، وهو جمع صاعقة، والصاعقة والصاقعة والصّعقة: المهلكة، ومنه قيل: صعق الإنسان، إذا غشيَ عليه، وصعق، إذا مات.
{حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} أي مخافة الموت، وهو نصب على المصدر، وقيل لنزع حرف الصفة.
وقرأ قتادة: حذار الموت.
{وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَافِرِينَ} أي عالم بهم، يدل عليه قوله:
{ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً } [الطلاق: 12].
وقيل: معناه: والله مهلكهم وجامعهم، دليله قوله:
{ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } [يوسف: 66]: أي تهلكوا جميعاً.
وأمال أبو عمرو والكسائي (الكافرين) في حال الخفض والنّصب ولكسرة الفاء والراء.
{يَكَادُ ٱلْبَرْقُ} أي يقرب. يقال: كاد، أي قرب ولم يفعل، والعرب تقول: كاد يفعل ـ بحذف ـ أن فاذا سببّوه بقي قالوا: كاد أن يفعل، والأوّل أوضح وأظهر. قال الشاعر:

قد كاد من طول البلى أن تمسحا

{يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ}: أي يخطفها ويشغلها، ومنه الخطّاف.
وقرأ أُبيّ: يتخطف.
وقرأ ابن أبي إسحاق: نصب الخاء والتشديد (يخطّف) فأدغم. وقرأ الحسن: كسر الخاء والطّاء مع التشديد أتبع الكسرة الكسرة.
وقرأ العامة: التخفيف لقوله:
{ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ } [الحج: 31] وقوله: { إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ } [الصافات: 10]. {كُلَّمَا}: حرف علة ضمّ إليه (ما) الجزاء فصار أداة للتكرار، وهي منصوبة بالظرف، ومعناهما: متى ما.
{أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ}: وفي حرف عبد الله [.....].
{وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ}: أي أقاموا ووقفوا متحيّرين.
القول في معنى الآيتين ونظمهما وحكمهما
قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ} أي كأصحاب صيّب، كقوله:
{ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } [يوسف: 82] شبههم الله في كفرهم ونفاقهم وحيرتهم وترددّهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة فأصابهم مطرفيه ظلمات من صفتها إنّ الساري لا يمكنه المشي من ظلمته، فذلك قوله: {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ}.
ورعد من صفته أن يضع السامع يده الى أذنه من الهول والفرق مخافة الموت والصعق، ذلك قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَاعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ}.
وبرق من صفته أنْ يقرب من أن يخطف أبصارهم ويذهب بضوئها ونعيمها من كثرته وشدّة توقدّه، وذلك قوله {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ}.
وهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن واجماع الناس والكافرين معه:
فالمطر: هو القرآن لأنه حياة الجنان كما أن المطر حياة الأبدان.
{فِيهِ ظُلُمَاتٌ} وهو ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك والشك وبيان الفتن والمحن.
{وَرَعْدٌ}: وهو ما خوّفوا به من الوعيد وذكر النار والزّواجر والنواهي.
{وَبَرْقٌ}: وهو ما في القرآن من الشفاء والبيان والهدى والنّور والرعد وذكر الجنة.
فكما أنّ أصحاب الرعد والبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم حذر الموت كذلك المنافقون واليهود والكافرون يسدّون آذانهم عند قراءة القرآن ولا يصغون إليه مخافة ميل القلب الى القرآن فيؤدّي ذلك الى الإيمان؛ لأنّ الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عندهم كفر والكفر موت.
وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله للمنافق لجبنه، لا يسمع صوتاً إلاّ ظنّ أنه قد أُتي ولا يسمع صياحاً إلاّ ظنّ إنه ميّت أجبن قوم وأخذ له للحق كما قال في آية أخرى:
{ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ } [المنافقون: 4].
وقوله: {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} يعني المنافقين إذا أظهروا كلمة الإيمان أمِنوا وصارت لهم نوراً فاذا ماتوا عادوا الى الخشية والظلمة.
قتادة: والمنافق إذا كثر ماله وحَسُن حاله وأصاب في الإسلام رخاءً وعافية ثبت عليه فقال: أنا معكم، وإذ ذهب ماله وأصابته شدّة، قام متحيراً وخفق عندها فلم يصبر على بلائها ولم يحتسب أجرها. وتفسيره في سورة الحجّ
{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ } [الحج: 11] الآية.
الوالبي عن ابن عباس: هم اليهود لما نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر طمعوا وقالوا: هذا والله النبي الذي بشرّنا به موسى لا تردّ له راية، فلمّا نكب بأُحد ارتدّوا وسكتوا.
{وَلَوْ}: حرف تمنّي وشك وفيه معنى الجزاء وجوابه اللام.
ومعنى الآية: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}: أي أسماعهم وأبصارهم الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنية حتى صاروا صمّاً بكماً عمياً.
{إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قادر، وكان حمزة يكسر شاء، وجاء وأمثالها لانكسار فاء الفعل، إذا أخبرت عن نفسك قلت: شئت وجئت وزدّت وطبت وغيرها.