التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
١٨٣
أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
١٨٤
شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١٨٥
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
١٨٦
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
١٨٧
-البقرة

الكشف والبيان

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قال الحسن: إذا سمعت الله تعالى يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فارع لها سمعك فانّها لأمر يؤمر به أو لنهي تُنهى عنه.
وقال جعفر الصّادق (رضي الله عنه): لذة "يا" في النداء أزال تعب العبادة والعناء.
{كُتِبَ} فرض واجب.
{عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} وهو مصدر قولك: صمتُ صياماً، كما تقول: قمت قياماً، وأصل الصوم والصيّام في اللغة: الأمساك، يُقال: صامت الرّيح إذا سكنت وأمسكت عن الهبوب، وصامت الخيل إذا وقعت وأمسكت عن السّير. قال النابغة:

خيلٌ صيام وخيلٌ غير صائمة تحت العجاج وخيل تعلك اللجما

فقال: صام النّهار إذا اعتدل، وقام قائم الظهيرة؛ لأنّ الشمس إذا طلعت في كبد السّماء وقفت فأمسكت عن السير سريعة. قال امرؤ القيس:

فدع ذا وسلّ الهمّ عنك بحسرة ذمول إذا صام النّهار وهجراً

وقال الرّاجز:

حتّى إذا صام النّهار واعتدل وسال للشمس لعاب فنزل

ويُقال للرجل إذا صمت وأمسك عن الكلام: صام.
قال الله تعالى:
{ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } [مريم: 26]: أي صمتاً.
فالصوم: هو الأمساك عن المعتاد من الطّعام والشّراب والجماع.
{كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} من الأنبياء والأمم وأولهم آدم عليه السلام، وهو ماروى عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن علي (رضي الله عنه) قال:
"أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم عند انتصاف النّهار وهو في الحجر، فسلّمت عليه فرّد عليّ النبّي صلى الله عليه وسلم ثمَّ قال: يا علي هذا جبرئيل يُقرئك السلام. فقلت: عليك وعليه السّلام يا رسول الله لِمَ؟
قال: أُدّن منّي، فدنوت منه فقال: ياعلي يقول لك جبرئيل: صم كل شهر ثلاثة أيام يُكتب لك بأول يوم عشرة الآف (سنة) وباليوم الثاني ثلاثين ألف (سنة) وباليوم الثالث مائة ألف (سنة).
فقلت: يارسول الله هذا ثواب لي خاصة أم للنّاس عامة؟ قال: يا علي يُعطيك الله هذا الثواب ولمن يعمل مثل عملك بعدك. قلت: يارسول الله وماهي؟
قال: أيام البيض: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر.
قال عنترة: قلت لعلي (رضي الله عنه): لأي شيء سُميت هذه الأيام البيض؟
قال: لما أهبط آدم عليه السلام من الجنّة إلى الأرض أحرقته الشمس. فاسوّد جسده ثمَّ صام اليوم الثالث. فأتاه جبرئيل فقال: يا آدم أتحب أن يبيض جسدك ؟
قال: نعم، قال: فصم من الشهر ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر فصام آدم عليه السلام أول يوم فابيض ثلث جسده، ثمَّ صام اليوم الثاني فابيض ثلثا جسده، ثمَّ صام اليوم الثالث فابيض جسده كلّه"
فسُميت أيام البيض.
قال المفسّرون: فرض الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين صوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر حين قدم المدينة فكانوا يصومونها إلى أن نزل صيام شهر رمضان قبل قتال بدر بشهر وأيام.
وقال الحسن وجماعة من العلماء: اراد بالّذين من قبلنا: النّصارى شبّه صيامنا بصيامهم لا تفاقهم بالوقت والقدر؛ وذلك انّ الله فرض على النّصارى صيام شهر رمضان. فاشتد ذلك عليهم؛ لأنّه ربّما كان في الحر الشديد والبرد الشديد. فكان يضرّ بهم في أسفارهم ومعائشهم، واجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السّنة بين الشّتاء والصّيف فجعلوه في الرّبيع وزادوا فيه عشرة أيّام كفّارة لما صنعوا فصار أربعين ثمَّ إنّ ملكاً لهم إشتكى فمرض فجعل الله عليه إن هو بورأ من وجعه أن يزيد في صومه إسبوعاً فبرأ فزاد فيه إسبوع ثمّ مات ذلك الملك ووليهم ملك آخر فقال: أتموا خمسين يوماً فأتمّوه خمسين يوماً، وقال مجاهد أصابهم موتان فقالوا: زيدوا في صيامكم فزادوا عشراً قبل وعشراً بعد.
روى أبو أُمية الطّنافسي عن الشعبي قال: لو صمت السّنة كلّها وفطرت اليوم الّذي يشكّ فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أنّ النّصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا فحولوه إلى الفصل وذلك إنّهم ربما كانوا صاموه في القيظ فعدّوا ثلاثين يوماً ثمّ جاء بعدهم قرن منهم فأخذوا بالثّقة في أنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوماً وبعدها يوماً ثمّ لم يزل الآخر يستن بسنّة القرن الّذي قبله حتّى صاروا إلى خمسين يوماً فذلك قوله عزّ وجلّ: {كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}.
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع.
{أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} يعني شهر رمضان ثلاثين يوماً أوتسعة وعشرون يوماً لما روى سعيد بن العاص إنّه سمع ابن عمر يحدّث عن النبّي صلى الله عليه وسلم أنّه قال:
"إنّا أُمّة أُميّة لاتحسب ولا تكتب الشهر هكذا وهكذا وهكذا" وعقد الإبهام في الثالثة والشّهر هكذا وهكذا وهكذا تمام ثلاثين.
ونصب أيّاماً على الظرف أي: في أيّام، وقيل: على التفسير.
وقيل: على خبر مالم يسمّ فاعله، وقيل: باضمار فعل أي صوموا أيّاماً معدودات.
{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ} أي فافطر فعدّة كقوله: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ}: أي فحلّق أو قصّر ففدية واقصر وقوله: {فَعِدَّةٌ} أي فعليه عدّة ولذلك رفع.
وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: فعدة نصباً أي فليصم عدّةً.
{مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} غير أيّام مرضه أو سفره والعدّة العدد وأُخر في موضع خفض ولكنّها لاتنصرف فلذلك نصبت لأنّها معدولة عن جهتها كأنّ حقّها أواخر وأُخريات فلمّا عُدلت إلى فعل لم تجرّ مثل عمر وزفر.
{وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} قرأ ابن عبّاس وعائشة وعطاء بن رباح وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد: يُطيقونه بضمّ الياء وبفتح الطّاء وتخفيفه وفتح الواو وتشديده أي يلفونه ويحملونه.
وروى عن مجاهد وعكرمة: أيضاً يطّوّقونه بفتح الياء وتشديد الطّاء أراد يتطوقونه أي يتكلفونه. وروى ابن الأنباري عن ابن عبّاس يطيقونه بفتح الياء الأوّل وتشديد الطّاء والياء الثانية وفتحهما بمعنى يطيقونه. يقال: طاق وأطاق واطيق بمعنى واحد.
{فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قرأ أهل المدينة والشّام: فدية طعام مضافاً مساكين جمعاً أضافوا الطّعام إلى الفدية وإن كان واحداً لاختلاف اللفظين كقوله
{ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ } [ق: 9] وقولهم: المسجد الجامع وربيع الأوّل ونحوها وهي قراءة أبي عمرو ومجاهد، وروى يحيى ابن سعيد عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر إنّه قرأها: طعام مساكين على الجمع، وروى مروان بن معاوية الفزاري عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قرأها كذلك: مساكين.
وقرأ الباقون: فدية منصوبةً، طعام رفعاً، مسكين خفض على الواحد وهي قراءة ابن عبّاس.
[روي ابن أبي نجيح] عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس أنّه قرأها طعام مسكين، على الواحد، فمن وحدّ فمعناه: لكل يوم اطعام مسكين واحد، ومن جمع رده إلى الجميع، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم.
{فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً} قرأ عيسى بن عمر ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي: يتطّوع بالتاء وتشديد الطاء وجزم العين على معنى يتطوّع، وقرأ الآخرون: تطوع بالتاء وفتح العين وتخفيف الطاء على الفعل الماضي.
واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها:
فقالو قوم: كان ذلك أول مافُرض الصّوم؛ وذلك أنّ الله تعالى لمّا أنزل فرض صيام شهر رمضان على رسوله صلى الله عليه وسلم وأمر اصحابه بذلك شق عليهم، وكانوا قوماً لم يتعودّوا الصّيام فخيّرهم الله بين الصّيام والأطعام. فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بالطّعام، ثمَّ نسخ الله تعالى ذلك بقوله {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ونزلت العزيمة في ايجاب الصّوم وعلى هذا القول معاذ بن جبل وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع وابن عمر وعلقمة وعمرو بن مرّة والشعبي والزهري وإبراهيم وعبيدة والضحاك، وأحدى الروايات عن ابن عبّاس.
وقال آخرون: بل هو خاص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة والّذين يطيقان الصّوم ولمن يشقّ عليهما رخص لهما: إن شاء أن يفطر مع القدرة ويُطعما لكل يوم مسكيناً، ثمَّ نسخ ذلك بقوله تعالى {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وثبت الرخصة للذين لايطيقون، وهذا قول قتادة والرّبيع بن أنس، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس.
وقال الحسن: هذا في المريض كان إذا وقع عليه اسم المرض وإن كان يستطيع الصّيام الخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر وأطعم حتّى نُسخ ذلك. فعلى هذه الأقاويل الآية منسوخة وهو [قول] أكثر الفقهاء المفسرين.
وقال قوم: لم تُنسخ هذه الآية ولاشيء منها، وإنّما تأويل ذلك أو على الّذين يطيقونه في حال شبابهم وفي حال صحتهم وقوتهم، ثمَّ عجزوا عن الصّوم فدية طعام مساكين؛ لأنّ للقوم كان رُخص لهم في الأفطار وهم على الصّوم [قادرون إذا اقتدروا، وآخرون أضمروا] في الآية وقالوا: هذه عبارة عن أول حالهم وجعلوا الآية محكمة، وهذا قول سعيد بن المسيب والسّدي، وأحدى الروايتين عن ابن عبّاس، فحمله ماذكرنا من هذه الأقاويل على قراءة من قرأ يطيقونه: من الأطاقة وهي القراءة الصحيحة التي عليها عامة أهل القرآن ومصاحف البلدان، وأمّا الذين قرأوا يطوقونه: فتأولوا بهم الشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض الذي لا يُرجى برؤه فهم يكلفون الصّوم ولا يطيقونه فلهم أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم افطروا مسكيناً.
قالوا: الآية محكمة غير منسوخة، والفدية: الجزاء والبدل من قولك: فديت هذا بهذا أيّ حرمته وأعطيته بدلاً منه، يُقال: فديتُ فدية كما يُقال: مشيتُ مشية. فمن تطوّع خيراً: فزاد على مسكين واحد وأطعم مسكينين فصاعداً. قاله مجاهد وعطاء وطاوس والسّدي.
وقال بعضهم: فمن زاد على القدر الواجب من الأطعام يُزاد الطّعام رواه ابن جُريج وخطيف عن مجاهد، وقال ابن شهاب: يريد فمن صام مع الفدية وجمع بين الصيّام والطعّام فهو خير له.
{فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ} (إن) صلة تعني والصوم {خَيْرٌ لَّكُمْ} من الأفطار والفدية {إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
فصل في حكم الآية
إعلم إنّه لا رخصة لأحد من المؤمنين البالغين في أفطار شهر رمضان إلاّ لأربعة:
أحدهم: عليه القضاء والكفارة.
والثاني: عليه القضاء دون الكفارة.
والثالث: عليه الكفّارة دون القضاء.
والرابع: لاقضاء عليه ولا كفارة.
وأمّا الذي عليه القضاء والكفّارة فمن فرّط في قضاء رمضان حتّى دخل رمضان آخر، والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما افطرتا وعليهما القضاء والكفّارة، وإن خافتا على أنفسهما فهما كالمريض حكمهما كحكمه هذا قول ابن عمر ومجاهد ومذهب الشّافعي.
وقال بعضهم: في الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما وولدهما أن عليهما الكفّارة ولا قضاء وهو قول ابن عبّاس.
وقال قوم: عليهما القضاء ولا كفارة وهو قول إبراهيم والحسن وعطاء والضحّاك ومذهب أهل العراق ومالك والأوزاعي.
وأمّا الّذي عليه القضاء دون الكفّارة فالمريض والمسافر والحائض والنفساء عليهم القضاء دون الكفّارة.
قال أنس:
"أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتغذّى فقال: أجلس فقلت: إنّي صائم. فقال: أجلس أحدّثك: إنّ الله وضع على المسافر الصوم وشطر الصّلاة"
. وأمّا الّذي عليه الكفّارة دون القضاء فالشّيخ الهرم والشّيخة الكبيرة ومن به مرض دائم لايرجى برؤه وصاحب العطاش الّذي يخاف منه الموت، عليهم الكفّارة ولا قضاء هذا قول عامّة الفقهاء.
وروى عن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن وخالد بن الدريك إنّهما قالا في الشّيخ والشّيخة: إن استطاعا صاما وإلاّ فلا كفّارة عليهما وليس عليهما شيء إذا أفطرا.
وقال مالك: لا أرى ذلك واجباً عليهما وأحبّ أن يفعلا فأمّا الّذي لاقضاء عليه ولا كفّارة فالمجنون.
واختلف العلماء في حدّ الأطعام في كفّارة الصّيام فقال بعضهم: القدر الواجب نصف صاع عن كلّ يوم يفطره وهذا قول أهل العراق.
وقال قوم منهم: نصف صاع من قمح أو صاع من تمراً أو زبيب أو سائر الحبوب.
وقال بعض الفقهاء: ما كان المفطر يتقوّته يومه الّذي افطره.
وقال محمّد بن الحنفية (رضي الله عنه): يطعم مكان كلّ يوم مدّ الطعامة ومدّ الأدامة.
وقال ابن عبّاس: يعطي مسكيناً واحداً عشاءه حين يفطر وسحوره حين سحره.
وقال بعضهم: يطعم كلّ يوم مسكيناً واحداً مدّاً وهو قول ابن هريرة وعطاء ومحمّد بن عمرو بن حزم واللّيث بن سعيد ومالك بن أنس والشّافعي وعامّة فقهاء الحجاز وبالله التّوفيق، ثمّ بيّن أيّام الصّيام فقال:
{شَهْرُ رَمَضَانَ} قرأه العامّة رفع على معنى أتاكم شهر رمضان.
وقال الفرّاء: ذلكم شهر رمضان.
الاخفش: هو شهر رمضان.
الكسائي: كتب عليكم شهر رمضان، وقيل: ابتداء وما بعده خبره.
وقرأ الحسن ومجاهد وشهر بن حوشب: شهر رمضان نصباً على هو يعني صوموا شهر رمضان قاله المورّج.
وقال الأخفش: نصب على الظرف أي كتب عليكم الصّيام في شهر رمضان.
أبو عبيدة: نصب على الأغراء، وقرأ أبو عمرو: مدغماً شهر رمضان على مذهب في ادغام كل حرفين يلتقيان من جَنس واحد ومخرج واحد او قريبي المخرج طلباً للخفّة وسمّي الشهر شهراً لشهرته.
وقال الفرّاء: هو مأخوذ من الشّهرة وهي البياض ومنه يقال: شهرت السّيف إذا اسلته وشهر الهلال إذا طلع، واختلفوا في معنى قوله: رمضان فقال بعضهم: رمضان اسم من أسماء الله فيقال شهر رمضان كما يقال: شهر الله وروى جعفر الصادق عن آبائه (رضي الله عنهم) عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال:
"شهر رمضان شهر الله"
. ويدلّ عليه أيضاً ما روى هشيم عن آبان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله تعالى في القرآن فقال: شهر رمضان"
. وعن الأصمعي قال: قال أبو عمرو: إنّما سمّي رمضان لأنّه رمضت فيه الفعال من الخير.
وقال غيره: لأنّ الحجارة كانت ترمض فيه من الحرارة والرّمضاء الحجارة المحماة.
وقيل: سمّي بذلك لأنّه يرمض الذّنوب أي يحرق.
وقيل: لأنّ القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والحكمة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرّمل والحجارة من حرّ الشّمس.
وقال الخليل: مأخوذة من الرمض وهو مطر يأتي في الخريف فسمّي هذا الشّهر رمضان لأنّه يغسل الأبدان من الأنام غسلاً وتطهّر قلوبهم تطهيراً.
{ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} روى هشيم عن داود عن عكرمة عن ابن عبّاس والسّدي عن محمّد بن أبي المجالد عن مقسم عن ابن عبّاس ابن عطيّة الأسود سأله: فقال: إنّه وقع الشّك في قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} وقوله
{ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } [القدر: 1] وقوله: { إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ } [الدخان: 3] وقد نزل في سائر الشهور.
قال الله
{ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ } [الإسراء: 106] الآية { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً } [الفرقان: 32].
فقال: أُنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان. فوضع في بيت العزة في سماء الدٌّنيا، ثمَّ نزل به جبرئيل عليه السلام على محمّد صلى الله عليه وسلم نجوماً نجوماً عشرين سنة، فذلك قوله
{ فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ } [الواقعة: 75].
داود بن أبي هند قال: قلت للشعبي: {شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ} أما كان ينزل عليه في سائر السّنة؟ قال: بلى ولكن جبرئيل كان يعارض محمّداً صلى الله عليه وسلم في رمضان ما نزّل الله، فيحكم مايشاء ويُثبت مايشاء ويُنسيه مايشاء.
شهاب بن طارق عن أبي ذرّ الغفاري عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: أنُزلت صُحف إبراهيم في ثلاثة ليال مضين من رمضان، وأنزلت توراة موسى في ست ليال مضين من رمضان، وأُنزل أنجيل عيسى في ثلاثة عشر مضت من رمضان، وأُنزل زبور داود في ثمان عشرة ليلة قضت من رمضان، وأُنزل الفرقان على محمّد في الرّابع والعشرين لست مضين بعدها، ثمَّ وصف القرآن فقال:
{هُدًى لِّلنَّاسِ} من الضّلالة وهو في محل النصب على القطع لأنّ القرآن معرفه والهدى نكرة.
{وَبَيِّنَاتٍ} من الحلال والحرام والحدود والاحكام.
{مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ} الفصل بين الحقّ والباطل.
سعيد بن المسيّب عن سلمان قال:
" "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: يا أيّها النّاس قد أظلكّم شهرُ عظيم، وشهر مبارك، وشهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوّعاً، من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصّبر والصّبر ثوابه الجنّة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، شهرٌ أولّه رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتقٌ من النّار، من فطّر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النّار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء. قالوا: يارسول الله ليس كلّنا يجد ما يفطّر الصّائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الله هذا الثّواب، من فطّر صائماً على مذقة لبن أو تمر أو شربة ماء،ومن أشبع فيه صائماً سقاه الله تعالى من حوضي شربة لا يظمأ حتّى يدخل الجنّة، وكان كمن اعتق رقبة، ومن خففّ عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النّار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بها ربّكم، وخصلتان لا غنى عنهما: فأمّا الخصلتان اللتان ترضون بها ربّكم فشهادة أن لا إله إلاّ الله وتستغفرونه، وأمّا التي لاغنى بكم عنها فتسألون الله عزّ وجلّ وتعوذون به من النّار" .
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ أبواب السّماء وأبواب الجنّة لتفتح لأوّل ليلة من شهر رمضان، فلا تغلق إلى آخر ليلة منها، وليس لعبد يصلّي في ليلة منها إلاّ كتب الله عزّ وجلّ بكل سجدة الفا وسبعمائة حسنة، وبنى له بيتاً في الجنّة من ياقوتة حمراء لها سبعون ألف باب لكلّ باب منها مصراعان من ذهب موشّح من ياقوتة حمراء، فإذا صام أوّل يوم من شهر رمضان غفر الله له كلّ ذنب إلى آخر يوم من رمضان وكان كفّارة إلى مثلها، وكان له بكلّ يوم يصومه قصر في الجنّة له ألف باب من ذهب، واستغفر له سبعون الف ملك من غدوة إلى أن توارت بالحجاب، وكان له بكلّ سجدة يسجدها من ليل أو نهار شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها" .
محمّد بن يونس الحارثي عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان نادى الجليل جلّت عظمته رضوان خازن الجنان فيقول: لبيّك وسعديك فيقول: جدّد جنّتي وزينها من أمّة أحمد ثمّ لاتغلقها عليهم حتّى ينقضي شهرهم، ثمّ ينادي مالكاً خازن النّار: أن يامالك، فيقول: لبيّك ربي وسعديك فيقول: إغلق أبواب الجحيم عن الصّائمين من امّة أحمد ثمّ لاتفتحها عليهم حتّى ينقضي شهرهم ثمّ ينادي جبرئيل فيقول: لبيّك ربي وسعديك فيقول: انزل إلى الأرض وغلّ مردة الشياطين لايفسدوا عليهم صيامهم وأفطارهم، ولله في كل يوم من شهر رمضان عند طلوع الشّمس وعند وقت الأفطار عتقاء يعتقهم من النّار عبيداً وأماءاً، وله في كل سماء مناد فيهم، ملك عرفهُ تحت عرش ربّ العالمين وفرائضه في تخوم الأرض السّابعة السفلى، جناح له بالمشرق مكلل بالمرجان والدّرر والجوهر، وجناح له بالمغرب مكلل بالمرجان والدرّر والجوهر ينادي: هل تائب يُتاب عليه؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مظلوم ينصره الله؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يُعطى سؤله؟ قال: وينادي الرّب تعالى ذكره الشهر كلّه: عبادي وإمائي أبشروا واصبروا [وداوموا] أوشَك أن يرفع عنكم في المؤونات، ويفضوا إلى رحمتي وكرامتي. فإذا كان ليلة القدر، نزل جبرئيل في كبكبة من الملائكة يصلون [ويسلمون] على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عزّ وجلّ" .
إبراهيم بن هدية عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أذن الله للسّموات والأرض أن يتكلّما بشّرا بمن صام رمضان: الجنّة" .
عبد الملك بن عمر عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نوم الصّائم عبادة وصمته تسبيح ودعاؤه مستجاب وعمله مضاعف" .
{فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} قرأه العامة بجزم اللام، وقرأ الحسن والأعرج: بكسر اللام وهي لام الأمر، وحقها الكسر إذا أُفردت، وإذا وصلت بشيء ففيه وجهان: الجزم والكسر، وإنّما توصل بثلاثة أحرف الفاء كقوله { فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ } [قريش: 3] والواو كقوله { وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ } [الحج: 29] وثمّ كقوله { ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ } [الحج: 29].
واختلف العلماء في معنى هذه الآية وحكمها:
فقال بعضهم: معناها فمن شهده عاقلاً بالغاً مقيماً صحيحاً مكلّفاً فليصمه قاله أبو حنيفة وأصحابه، وقال قوم: معناها: إذا دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فليصم الشهر كلّه. حتّى لو غاب بعد فسافر أو أقام فلم يبرح قاله النخعي والسّدي.
وقال قتادة: إنّ عليّاً (رضي الله عنه) كان يقول: إذا أدركه رمضان وهو مقيم ثمّ سافر فعليه الصّوم.
وقال محمّد بن سيرين: سألت عبيدة السّلمان عن الرّجل يدركه رمضان ثمّ يسافر فقال: إذا شهدت أوّله فصم آخره إلاّ تراه يقول: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} قالوا: والمستحب له ألاّ يسافر إذا أدركه رمضان مقيماً إن أدركه حتّى يقضي الشهر، وروي في ذلك عن ابراهيم بن طلحة إنه جاء إلى عائشة رضي الله عنها يسلم عليها قالت: وأين تريد؟
قال: أردت العمرة، قالت: جلست حتّى إذا دخل عليك شهر رمضان خرجت فيه؟
قال: قد خرج ثقلي، قالت: اجلس حتّى إذا أفطرت فاخرج، فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطريق لأقمت له. وقال الآخرون معنى الآية {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ماشهد منه وكان حاضراً وإن سافر فله الافطار إن يشأ، قاله ابن عبّاس وعامّة أهل التأويل، وهو أصحّ الأقاويل يدلّ عليه ماروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح صائماً في رمضان حتّى إذا بلغ القنطرة دعا بماء فشرب.
وعن الشعبي: إنّه سافر في رمضان فأفطر عند باب الجسر.
ثمّ ذكر فقال: {وَمَن كَانَ مَرِيضاً} اختلف العلماء في الزمن الّذي أباح الله تعالى معه الافطار، فقال قوم: هو كل مرض يسمّى مريضاً.
وقال [طريف بن تمام] العطاردي: دخلت على محمّد بن سيرين يوماً في شهر رمضان وهو يأكل فلمّا فرغ قال لا توجّعت أصبعي هذه.
وقال آخرون: فكل مرض كان الإغلب من أمر صاحبه بالصّوم الزّيادة في علّته زيادة غير محتملة، وهو اختيار الشّافعي.
وقال الحسن وإبراهيم: إذا لم يستطع المريض أن يصلّي قائماً أفطر، والاصل إنّه إذا لم يمكنه الصّيام وأجهده أفطر فإذا لم يجهده الصّوم فهو بمعنى الصحيح الّذي يطيق الصوم.
{أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} اختلف العلماء في صيام المسافر فقال قوم: الافطار في السّفر عزيمة واجبة وليس برخصة فمن صام في السفر فعليه القضاء إذا أقام، وهو قول عمرو وأبي هريرة وابن عبّاس وعلي بن الحسين وعروة بن الزبير والضحّاك، واعتّلوا بما روت أمّ الدّرداء عن كعب بن عاصم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"ليس من البّر الصيام في السفر" .
الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر.
وقال آخرون: الافطار في السّفر رخصة من الله عزّ وجلّ والفرض الصّوم فمن صام ففرضه أُدي ومن أفطر فبرخصة الله أخذ ولاقضاء على من صام إذا أقام، وهذا هو الصّحيح وعليه عامّة الفقهاء. ويدلّ عليه: ماروى عاصم بن الأحول عن أبي نضرة عن جابر قال: كنّا مع النبّي صلى الله عليه وسلم في سفر فمنّا الصّائم ومنّا المفطر فلم يكن بعضنا يعيب على بعض.
وروى يحيى بن سعيد عن هشام عن أبيه عن عائشة: إنّ حمزة بن عمرو قال:
"يارسول الله إنّي كنت أتعوّد الصيام أفأصوم في السّفر قال: إن شئت فصم وإن شئت فافطر" .
وعن عروة بن أبي قراح عن حمزة بن عمرو إنّه قال:" "يارسول الله أجد بي قوّة على الصّيام في السّفر فهل عليّ جناح قال: هي رخصة من الله عزّ وجلّ فمن آخذها فحسن ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه
"
. وامّا قوله صلى الله عليه وسلم "ليس من البرّ الصّيام في السّفر" . فإنّ تمام الخبر يدلّ على تأويله وهو ماروى محمّد بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله: "إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء فقال: مابال صاحبكم هذا؟ قالوا: يارسول الله صام، قال: إنّه ليس من البرّ أن تصوموا في السّفر، وعليكم برخصة الله تعالى التي رخص لكم فاقبلوها" ، وكذلك تأويل قوله عليه السلام: "الصائم من السّفر كالمفطر في الحضر"
. يدلّ عليه حديث مجاهد عن ابن عمر: إنّه مرّ برجل ينضح الماء على وجهه وهو صائم، فقال: أفطر ويحك فإنّي أراك لو متّ على هذا دخلت النّار.
والجامع لهذه الأخبار والمؤيد لما قلنا ماروى أيوب عن عروة وسالم إنّهما كانا عند عمر بن عبد العزيز، إذ هو أمير على المدينة. فتذاكروا الصّوم في السّفر. فقال سالم: كان ابن عمر لا يصوم في السفر، وقال عروة: كانت عائشة تصوم في السّفر. فقال: سالم: إنما أحدّث عن ابن عمر، وقال عروة: إنّما أحدّث عن عائشة، فارتفعت اصواتهما، فقال عمر بن عبد العزيز: اللّهمّ اغفر إذا كان يسراً فصوموا وإذا كان عُسرا فافطروا.
ثمَّ اختلفوا في المستحب منهم، فقال قوم: الصّوم أفضل، وهو قول معاذ بن جبل وأنس وإبراهيم ومجاهد.
ويروى إنّ أنس بن مالك أمر غلاماً له بالصّوم في السّفر، فقيل له في هذه الآية، فقال: نزلت ونحن يومئذ نرحل جياعاً وننزل على غير شبع، فمن أفطر فبرخصة، ومن صام فالصّوم أفضل.
وقال آخرون: المستحب الأفطار لما روى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر قال:
" "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكّة عام الفتح في رمضان فصام حتى إذا بلغ كراع الغميم فصام النّاس، فبلغه إنّ الناس قد شقّ عليهم الصّيام فدعا بقدح ماء وشرب بعد العصر والنّاس ينظرون فأفطر بعض النّاس وصام بعضهم فبلغه إنّ النّاس صاموا فقال: أولئك العصاة" .
عاصم الأحول عن (بريد) العجلي عن أنس بن مالك قال:" "كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنّا الصائم ومنا المفطر فنزلنا في يوم حار واتخذنا ظلالاً فسقط الصوّام وقام المفطرون فسقوا الرّكاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذهب المفطرون اليوم بالأجر" .
وروى شعبة عن معلّى عن يوسف بن الحكم قال: سألت ابن عمر عن الصّوم في السّفر فقال: أرأيت لو تصدّقت على رجل بصدقة فردّها عليك ألم يغضبك؟
قال: نعم، قال: فإنّها صدقة من الله عزّ وجلّ تصدّق بها عليكم، وحدّ الاسفار التي يجوز فيها الافطار ستّة عشر فرسخاً فصاعداً.
{يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ} حين أرخص في الأسفار للمريض والمسافر.
{وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: العسر واليسر مثقّلين في جميع القرآن.
وقرأ الباقون: بتخفيفهما وهما لغتان جيدّتان ولا حجّة للقدرية في هذه الآية لأنّها مبنية على أوّل الكلام في إيجاب الصّيام فهي خاص في الاحكام لأهل الإسلام.
{وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ} قرأ أبو بكر ورويش: بتشديد الميم.
وقرأ الباقون بالتخفيف وهو الاختيار لقوله تعالى:
{ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [المائدة: 3] والواو في قوله {وَلِتُكْمِلُواْ} واو النسق واللاّم لام كي تقديره: ويريد لتكملوا العدّة.
وقال الزجّاج: معناه فعل الله ذلك ليسهّل عليكم ولتكمّلوا العدّة.
وقال عطاء: ولتكملوا عدّة أيام الشهر.
وقال سائر المفسّرين: ولتكملوا عدّة ماأفطرتم في مرضكم وسفركم إذا برأتم وأقمتم وقضيتموها.
{وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ} ولتعظموا الله.
{عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} لدينه ووفقكم ورزقكم شهر رمضان مخففّاً عليكم وخصّكم به دون سائر أهل الملل.
وقال أكثر العلماء: أراد به التكبير ليلة الفطر.
قال الشافعي روى عن ابن المسيّب وعروة بن سلمة: إنّهم كانوا يكبّرون ليلة الفطر ويجهرون بالتكبير قال: وشبّه (.......) لنحرها.
قال ابن عبّاس وزيد بن أسلم: في هذه الآية حقّ على المسلمين إذا راى هلال شوّال أن يكبّروا إلى أن يخرج الإمام في الطرّيق والمسجد فإذا حضر الإمام كفّ فلا يكبرّ إلاّ بتكبيره والاختيار في لفظ التكبير ثلاثاً نسقاً.
{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} على نعمه.
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} الآية: اختلف المفسرّون في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عبّاس: نزلت في عمر بن الخطّاب وأصحابه حين أصابوا من أهاليهم في ليالي شهر رمضان وستأتي قصّتهم فيما بعد إن شاء الله.
وروى الكلبي عن أبي صالح عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"كيف يسمع ربّنا دعاؤنا وأنت تزعم إنّ بيننا وبين السّماء مسيرة خمسمائة عام وان غلظ كل سماء مثل ذلك" ؟ فنزلت هذه الآية.
وقال الحسن: سأل أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم رسول الله أين ربّنا؟ فأنزل الله هذه الآية.
وقال قتادة وعطاء: لمّا نزلت فقال ربكم:
{ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر: 60].
فقالوا: يارسول الله كيف ندعوا ربّنا؟ ومتّى ندعوه؟ فأنزل الله هذه الآية.
قال الضحّاك: سأل بعض الصحابة النبيّ صلى الله عليه وسلم: أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد؟ فسأل ربّه فأنزل الله: وإذا سألك يا محمّد عبادي عنّي فإنّي قريب.
وقال أهل المعاني: فيه إضمار كأنّه فعل هم وما علمهم أفي قريب منهم بالعلم.
وقال أهل الأشارة: رفع الواسطة إظهاراً للقدرة.
{أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ} فليجيبوا {لِي} بالطاعة يقال أجاب واستجاب بمعنى واحد.
وقال كعب بن سعد الغنوي:

وداع دعا يا مَنْ يجيب إلى النّدى فلم يستجبه عند ذاك مجيب

وقال أبو رجاء الخراساني: يعني فليدعوني للاجابة وفي اللغة الطّاعة وإعطاء مايسأل، يقال: أجابت السماء بالمطر، واجابت الأرض بالنبات، كأنّ الأرض سألت السّماء المطر فأعطت، وسالت السّماء الأرض فأعطت.
وقال زهير

وغيث من الأسمي حقّ قلاعه أجابت رواسيه النّجا (هواطله)

يريد أجابت تجمع رواسيه النجا حين سألها المطر وأعطته ذلك.
والاجابة من الله تعالى الاعطاء ومن العبد الطّاعة.
{وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} لكي يهتدوا فان قيل ماوجه قوله: {أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ} وقوله
{ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر: 60]. وقد يدعي كثيراً فلا يستجيب، قلنّا: اختلف العلماء في وجه الآيتين وتأويلهما.
فقال بعضهم: معنى الدّعاء هاهنا الطّاعة ومعنى الاجابة الثواب كأنّه قال: أجيب دعوة الدّاعي بالثواب إذا أطاعني.
وقال بعضهم: معنى الآيتين خاص، وإن كان لفظهما عاماً، تقديرها أجيب دعوة الدّاعي إن شئت وأجيب دعوة الدّاعي إذا وافق القّضاء، وأُجيب دعوة الدّاعي إذا لم يسأل مُحالاً، وأُجيب دعوة الدّاعي إذا كانت الأجابة له خيراً، يدلّ عليه ماروى أبو المتوكّل عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"مامن مسلم دعا الله عزّ وجلّ بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثمّ إلاّ أعطاه الله بها أحدى خصال ثلاث: إمّا أن تعجّل دعوته، وامّا أن يدّخر له في الآخرة، وامّا أن يدفع عنه من السوء مثلها قالوا: يارسول الله إذا يكثر قال: الله أكثر" .
وقال بعضهم: هو عام وليس في الآية أكثر من إجابة الدّعوة، فأمّا إعطاء المنية وقضاء الحاجة فليس مذكور في الآية، وقد يجيب السّيّد عبده والوالد ولده ثمّ لا يعطيه سؤله فالاجابة كائنة لا محالة عند حصول الدّعوة لمن قوله: اجيب واستجيب خبر والخبر لا يعترض عليه، لانّه إذا نسخ صار المخبر كذّاباً وتعالى الله عن ذلك، ودليل هذا التأويل: ماروى نافع عن ابن عمر عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: "من فتح له باب في الدّعاء فتحت له أبواب الاجابة، وأوحى الله تعالى إلى داود صلى الله عليه وسلم قل للظّلمة لا تدعوني فإنّي أوجبت على نفسي أن أُجيب من دعاني وإنّي إذا أجبت الظالمين لعنتهم" .
وقيل: إنّ الله يجيب دعاء المؤمن في الوقت إلاّ إنّه يؤخرّ أعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته، يدلّ عليه ماروى محمّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنّ العبد ليدعو الله وهو يُحبه فيقول ياجبرئيل: اقضي لعبدي هذا حاجته وآخرّها فإنّي أُحبّ أن لا أزال أسمع صوته، وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه فيقول لجبريل إقض لعبدي حاجته باخلاصه وعجّلها فإني أكره أن أسمع صوته. وبلغنا (عن يحيى ذبيح الله) أنه قال: سألت ربّ العزّة في المنام فقلت: يارب كم ادعوك فلا تستجيبُ لي؟ فقال: يا يحيى أنّي أحبّ أن أسمع صوتك" .
قال بعضهم: إنّ للدعاء آداباً وشرائط هي أسباب الاجابة ونيل الأمنية فمن راعاها واستكملها كان من أهل الاجابة ومن أغفلها وأخلّ بها (فهو من أهل...) في الدّعاء.
وحكي إنّ إبراهيم بن أدهم قيل له: ما بالنا ندعوا الله فلا يستجيب لنا؟
قال: لأنّكم عرفتم الله فلم تطيعوه وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنّته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بما فيه، وأكلتم نعمة الله فلم تؤدّوا شكرها، وعرفتم الجنّة فلم تطلبوها وعرفتم النّار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه وعرفتم الموت فلم تستعدّوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس.
وقوله {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ} الآية: قال المفسرون: كان الرجل في ابتداء الأمر إذا أفطر حلّ له الطّعام والشراب والجماع إلى أن يأتي العشاء الأخيرة أو يرقد قبلها فإذا صلى العشاء الأخيرة أو رقد قبل الصلاة ولم يفطر حرّم عليه الطّعام والشراب ومنع ذلك إلى مثلها في القابل.
ثمّ إنّ عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) واقع أهله بعدما صلّى العشاء الأخيرة فلمّا إغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله: إنّي أعتذر إلى الله واليك من نفسي هذه الخطيئة إنّي رجعت إلى أهلي بعد أن صلّيت العشاء الاخيرة فوجدت رائحة طيّبة فسوّلت لي نفسي فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة، فقال النبّي صلى الله عليه وسلم ما كنت جديراً بهذا يا عمر، فقام رجال فاعترفوا بالّذي كانوا صنعوا بعد العشاء الأخيرة، فنزل في عمر وأصحابه {أُحِلَّ لَكُمْ} أي أطلق وأبيح لكم {لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ} في ليلة الصيام {ٱلرَّفَثُ}.
قرأ ابن مسعود والأعمش: الرّفوث: {إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ} والرّفث والرفوث كناية عن الجماع قال ابن عبّاس: إنّ الله تعالى حي كريم يكني فما ذكر الله في القرآن من المباشرة والملامسة والافضاء والدّخول والرفث فانّما يعني به الجماع.
قال الشّاعر:

فظلنا هنالك في نعمّ وكل اللذاذة غير الرّفث

قال القتيبي: الرّفث هو الافصاح بما يجب أن يكنّى به من ذكر النكاح وأصله الفحش وقول القبيح. قال العجاج:

ورب اسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم.

وقال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء.
قال الشاعر:

ويزين من أنس الحديث راويا وهنّ من رفث الرجال نفارُ

{هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} هنّ سكن لكم وأنتم سكن لهنّ قاله أكثر المفسّرين نظيره قوله: { وَجَعَلْنَا ٱللَّيْلَ لِبَاساً } [النبأ: 10] اي سكناً دليله قوله { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [الأعراف: 189] ليسكن اليها.
وقال أصحاب المعاني: اللّباس الشعار الّذي يلي الجهار من الثياب فسمّي كل واحد من الزوجين لباساً لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد وانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه حتّى يصير كلّ واحد منهما لصاحبه كالثوب الّذي يليه.
قال نابغة بني جعدة:

إذا ما الضجيع ثنى جيدها تثنّت وكانت لباساً

فكنّى عن اجتماعهما متجرّدين في فراش واحد باللّباس يدلّ على صّحة هذا التأويل قول الربيع بن أنس في هذه الآية: هنّ لحاف لكم وأنتم لحاف لهنّ.
وقال بعضهم: يقال لما ستر الشيء وواراه لباس فجائز أن يكون كلّ واحد منهما ستراً لصاحبه عمّالا يحلّ كما جاء في الخبر: من تزوّج فقد أحرز دينه، وستراً أيضاً فيما يكون بينهما من الجماع عن أبصار الناس، يدلّ عليه: قول أبي زيد في قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} قال: للمواقعة.
وقال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وازارك، وقال رجل لعمر بن الخطّاب:

الا أبلغ أبا حفص رسولاً فذىً لك من اخي ثقة ازاري

قال أبو عبيدة: أي نسائي.
{عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ} تخونونها وتظلمونها بعد العشاء الآخرة في ليالي الصّوم.
{فَتَابَ عَلَيْكُمْ} فتجاوز عنكم.
{وَعَفَا عَنْكُمْ} محا ذنوبكم.
{فَٱلآنَ} وجه حكم زمانين ماض وآت.
{بَاشِرُوهُنَّ} جامعوهنّ حلالاً سميت المجامعة مباشرة لتلاصق كلّ واحد منهما ببشرة صاحبه.
{وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي افعلوه وقرأه العامّة الصحيحة وابتغوا أيّ اطلبوا يقال: يبغي الشيء يبغيه بغيه وبغا وابتغاه يبتغيه ابتغاء طلبه. {مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} قضى الله لكم، وقيل: كتب في اللوح المحفوظ.
وقال أكثر المفسرين: يعني الولد.
قال مجاهد: ابتغوا الولد إن لم تلد هذه فهذه.
قال ابن زيد: وابتغوا ما أحل الله لكم من الجّماع.
قتادة: وابتغوا الرّخصة التي كتبت لكم.
وقال معاذ بن جبل: {وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ} يعني ليلة القدر وكذلك روى أبو الجوزاء عن ابن عبّاس وأشبه الأقاويل بظاهر الآية قول من تأوله على الولد لأنّه عقيب قوله {فَٱلآنَ بَاشِرُوهُنَّ} وهو أمر اباحة وندب كقوله صلى الله عليه وسلم:
"تناكحوا تكثروا فانّي أُباهي بكم الأمم يوم القيامة حتّى بالسقط" .
وقال أهل الظاهر: هو أمر إيجاب وحتم، يدلّ عليه ماروى زياد بن ميمون عن أنس بن مالك: إنّ إمرأة كانت يُقال لها: الحولاء عطارة من أهل المدينة، وحلّت على عائشة فقالت: "يا أُم المؤمنين زوجي فلان أتزّين له كل ليلة وأتطيب كأنّي عروس زُفت إليه فإذا آوى إلى فراشه دخلت عليه في لحافه ألتمس بذلك رضا الله عزّ وجلّ حوّل وجهه عني أراه قد أبغضني، قالت: أجلسي حتّى يدخل النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: فبينا إنّا كذلك إذ دخل النبّي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذه الرّيح التي أجدها أتتكم الحولاء أبتعتم منها شيئا؟
فقالت عائشة: لا والله يارسول الله. فقصّت الحولاء قصتها. فقال لها: أذهبي واسمعي له وأطيعي، فقالت: أفعل يارسول الله، فمالي من الأجر؟
قال: مامن امرأة رفعت في بيت زوجها شيئاً ووضعته مكاناً تريد الإصلاح إلاّ كتب الله لها حسنة ومحا عنها سيئة، ورفع لها درجة، وما من امرأة حملت من زوجها حين تحمل إلاّ لها من الأجر مثل القائم الصّائم نهاره الغازي في سبيل الله، وما من إمرأة يأتيها الطلق إلاّ لها بكل طلقة عتق نسمة وبكل رضعة عتق رقبة فإذا افطمت ولدها ناداها مناد من السّماء أيتها المرأة قد كفيت العمل فيما مضى فاستأنفي فيما بقى.
قالت عائشة: قد أعطى الله النّساء خيراً كثيراً فما بالكم يامعشر الرّجال، فضحك النبّي صلى الله عليه وسلم ثمَّ قال: مامن رجل أخذ بيد امرأته يراودها إلاّ كساه نور وله حسنة، وإن عانقها فعشر حسنات وإن قبلها فعشرون، وإن أتاها كان خيراً من الدٌّنيا ومافيها، فإذا قام يغتسل لم يمرّ الماء على شيء من جسده إلاّ يُمحى عنه سيئة، ويُعطي له (......) يُعطى بغسله خيرٌ من الدٌّنيا ومافيها، وإنّ الله عزّ وجلّ يُباهي الملائكة يقول: انظروا إلى عبدي قام في ليلة مرة باردة يغتسل من الجنابة يتيقن بأني ربّه أُشهدكم بأني غفرت له"
.
{وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} إلى {ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ}.
نزلت في رجل من الأنصار، واختلف في إسمه. فقال معاذ بن جبل: أبو صرمة البراء قيس بن صرمة.
عكرمة والسّدي: ابو قيس بن صرمه.
مقاتل بن حيّان: صرمة بن أياس
الكلبي: أبو قيس صرمة بن أنس بن أبي صرمة بن ملك بن عدي النّجار؛
" "وذلك إنّه ظل نهاره يعمل في أرض له، وهو صائم، فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر وقال: قدّمي الطّعام، وأرادت المرأة أن تطعمه عشاءاً سُخناً، وأخذت تعمل له سخينة، وكان في الصّوم الأول من صلّى العشاء الآخرة أو نام، حرُم عليه الطعام والشّراب والجماع، فلما فرغت من طعامه إذا هي به قد نام، وكان متداعياً وكلّ فايقظته فكره أن يعصي الله ورسوله وأبى أن يأكل، وأصبح صائماً مجهوداً، فلم ينتصف النهار حتّى غشي عليه، فلمّا أفاق، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله قال: يا أبا قيس مالك أمسيت طليقاً؟ قال: ظللت أمس في النخيل ونهاري كلّه أجر بالحرير حتّى أمسيت، فأتيت فأرادت إمرأتي أن تطعمني شيئاً سخناً فأبطأت عليَّ، فنمت فايقظوني وقد حرّم عليَّ الطعام والشراب، فطويت وأمسيت وقد أجهدني الصّوم، فاغتمّ لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم" فأنزل الله تعالى {وَكُلُواْ} يعني في ليالي الصّوم واشربوا فيها {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} أي بياض النّهار وضوءه من سواد الليل وظلمته، كذا قال المفسرون. قال الشاعر:

الخيط الأبيض وقت الصّبح منصدع والخيط الأسود لون الليل مكموع

وإنّما سمّي بذلك تشبيهاً بالخيط؛ لأبتداء الضوء والظلمة لامتدادهما.
وقال ابو داود:

فلمّا اضاءت لنا غدوة ولاح من الصبح خيط أنارا

وقد ورد النّص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية.
وروى مخالد عن عامر عن عدي بن حاتم قال:
"علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الصّلاة والصّيام قال: صل كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس: فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وصم ثلاثين يوماً إلى أن ترى الهلال قبل ذلك، قال: فأخذت خيطتين من شعر أبيض وأسود، وكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي.
فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى بدت نواجذه وقال: يا ابن حاتم إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل"
.
وروى أبو حازم عن سهل بن سعد قال: نزلت هذه الآية {وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ} ولم يقول: من الفجر.
كان رجال إذا أرادوا الصوم يضع أحدهم في رجليه الخيط الأبيط والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتّى يتبين لهم فأنزل الله تعالى {مِنَ ٱلْفَجْرِ} فعلموا إنّما يعني بذلك الليل والنهار.
والفجر إنشقاق عمود الصبح وابتداء ضوءه، وهو مصدر من قولك فجرّ الماء يفجر فجراً إذا إنبعث وجرى شبهّه شق الضوء بظلمة الفجر، الماء الحوض إذا شقه وخرج منه وهما فجران، أحدهما: يسطع في السماء مستطيلاً كذّذ السرحان ولا ينتشر فذلك لا يحل الصلاة ولا يحرم الطعام على الصائم وهو الفجر الكاذب.
والثاني: هو المستطير الذي ينتشر ويأخذ الأفق ضوء الفجر الصادق الذي يحل الصلاة ويحرم الطعام على الصائم وهو المعني بهذه الآية.
عن سمرة بن جندب قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم
"لا يمنعكم من السحور آذان بلال ولا الصبح المستطيل ولكن الصبح المستطير في الأفق" . ثمّ ذكر وقت الافطار فقال {ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ}.
قال عبد الله بن أبي أوفى:
"كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في مسيرة وهو صائم فلمّا غربت الشمس قال لرجل: انزل فاجرح لي، فقال الرجل: يا رسول الله أمسيت؟ فقال: انزل فاجرح لي، فقال الرجل: لو أمسيت، فقال: انزل فاجرح لي، قال: يا رسول الله ان علينا نهاراً فقال له الثالثة فنزل فجرح له. ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم" .
وفي بعض الألفاظ: أكل أو لم تأكل.
{وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ}، كان مجاهد يقرأ في المسجد، وأصل العكوف والاعتكاف الثبات والاقامة.
فقال: عكفت بالمكان إذا عكفت، قال الله عزّ وجلّ
{ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ } [الأعراف: 138] أيّ يقيمون.
قال الفرزدق يصف القدور:

يرى حولهن معتفين كأنهم على صنم في الجالية عكف

وقال الطرماح:

فبات بنات الليل حولي عكّفا عكوف البواكي بينهن صريع

وقال آخر: تصدّى لها والدجى قد عكف خيال هداه إليه الشغف، والاعتكاف هو حبس النفس في المسجد على عبادة الله تعالى.
واختلف العلماء في معنى المباشرة التي نهي المعتكف عنها.
فقال قوم: هي المجامعة خاصة معناه لا تجامعوهن ما دمتم معتكفين في المساجد، فإن الجماع يفسد الاعتكاف وبه قال ابن عبّاس وعطاء والضحاك والربيع.
وقال قتادة ومقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا يعتكفون في المسجد وإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها ثمّ يغتسل ويرجع إلى المسجد فنهوا أن يجامعوا ليلاً ونهاراً حتّى يفرغوا من اعتكافهم.
وقال أبو زيد: المباشرة الجماع وغير الجماع؛ من اللمس والقُبلة وانواع التلذذ، والجماع مفسد للأعتكاف بالإجماع، والمباشرة غير الجماع، فهو على ضربين: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو مكروه ولا يفسد الاعتكاف عند أكثر الفقهاء وقال مالك بن أنس: يفسده.
قال ابن جريج: قلت لعطاء المباشرة هو الجماع؟ قال: الجماع نفسه، قلت له: فالقُبلة في المسجد والمسّة؟
قال: أما الذي حُرّم فالجماع وأنا أكره كل شيء من ذلك في المسجد.
والضرب الثاني: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو مباح كما جاء في الخبر عن عائشة رضي الله عنها،
"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إليها رأسه من المسجد فترجّله وهو معتكف" .
فرقد السجني عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المعتكف: "هو معتكف الذنوب وتجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها" .
عن علي بن الحسين عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من اعتكف عشراً في رمضان كان بحجتين وعمرتين" .
{تِلْكَ} الأحكام التي ذكرنا في الصيام والاعتكاف {حُدُودُ ٱللَّهِ}.
قال السّدي: شروط الله.
شهر بن حوشب: فرائض الله.
الضحاك: معصية الله.
المفضل بن سلمة: الحد الموقف الذي يقف الإنسان عليه ويصف له حتّى يميّز من سائر الموصوفات والحد فصل بين الشيئين، والحد منتهى الشيء.
وقال الخليل: الحد الجامع المانع.
قال الزجاج: بحدود ما منع الله تعالى من مخالفتها.
قلت: وأصل الحد في اللغة: المنع ومنه قيل للبواب حداد.
قال الأعشى:

فقمنا ولما يصح ديكنا إلى جونة عند حدادها

يعني صاحبها الذي يحفظها ويمنعها.
قال النابغة:

إلاّ سليمان إذ قال المليك له قُمفي البرية فاحددّها عن الفند

،ومنه حدود الأرض، والدار هي ما منع غيره أن يدخل فيها، وسمي الحديد حديداً لانه يمتنع من الأحداء، ويقال إحدّمت المرأة على زوجها وحدّت إذا منعت نفسها من الزينة، فحدود الله هي ما منع فيها أو منع من مخالفتها والتعدّي إلى غيرها.
{فَلاَ تَقْرَبُوهَا} فلا تأتوها، يقال: قربت الشيء أقربه وقربت منه بضم الراء إذا دنوت منه.
{كَذٰلِكَ} هكذا {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} لكي يتقوها فنجّوا من السخطة والعذاب.