التفاسير

< >
عرض

يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
٢١
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٢
وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ
٢٣
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ
٢٤
وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ
٢٥
-البقرة

الكشف والبيان

{يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ}: قال ابن عباس: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} خطاب أهل مكة، و{يا أيها الذين آمنوا} خطاب أهل المدينة، وهو هاهنا عام.
{ٱعْبُدُواْ} وحّدوا وأطيعوا. {رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} أوجدكم وأنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئاً. {وَٱلَّذِينَ} أي وخلق الذين {مِن قَبْلِكُمْ} {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: لكي تنجوا من السُحت والعذاب.
قال سيبويه: لعل وعسى حرفا ترج وهما من الله [.....].
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} بساطاً ومقاماً ومناماً. {وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} سقفاً مرفوعاً محفوظاً.
{وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ}: من السحاب. {مَآءً} وهو المطر {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ} من الوان الثمرات وأنواع النبات.
{رِزْقاً} طعاماً. {لَّكُمْ} وعلفاً لدوابكم.
{فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} أي أمثالا [وأعدالاً] وقرأ ابن السميقع: ندّاً على الواحد، كقول جرير:

أتيما تجعلون إليّ ندّاًوما تيم لذي حسب نديد

{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} إنّه واحد وأنّه خالق هذه الأشياء.
قال ابن مسعود في قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} قال: أكفّاء من الرجال تطيعوهم في معصية الله.
وقال عكرمة: هو قول الرجل: لولا كلبنا لدخل اللص دارنا.
{وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} الآية نزلت في الكفّار، وذلك أنهم قالوا لما سمعوا القرآن: ما يشبه هذا كلام الله وإنّا لفي شكَ منه، فأنزل الله تعالى {وَإِن كُنْتُمْ} يا معشر الكفّار، [وإن] لفظة جزاء وشرط، ومعناه: إذ؛ لأنّ الله تعالى علم إنهم شاكّون كقوله:
{ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } [آل عمران: 139] وقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278].
قال الأعشى:

بانت وقد أسفرت في النفس حاجتهابعد ائتلاف وخير الودّ ما نفعا

قال المؤرّخ: أصلها من السّورة وهي الوثبة: تقول العرب سرت إليه وثبت إليه.
قال العجاج:

وربّ ذي سرادق محجورٌسرت إليه في أعالي السّور

قال الأعشى:

وسمعت حلفتها التي حلفتإن كان سمعك غير ذي وقر

{فِي رَيْبٍ} أي في شك وتهمة.
{مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} محمد يعني القرآن.
{فَأْتُواْ} لم يأتوا بمثله، لأنّ الله علم عجزهم عنه.
{بِسُورَةٍ} أصلها في قول بعضهم: من أسارت، أي أفضلت فحذفت الهمزة كأنّها قطعة من القرآن، وقيل: هي الدرجة الرفيعة، وأصلها من سور البناء، أي منزلة بعد منزلة. قال النابغة:

ألم تر أنّ الله أعطاك سورةترى كل مُلْك دونها يتذبذب

{مِّن مِّثْلِهِ} يعني مثل القرآن، و(من) صلة كقوله تعالى: { قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ } } { { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } [النور: 30-31].
كقول النابغة:

ولا أرى ملكاً في الناس يشبههولا أخا (لي) من الأقوام من أحد

أي أحداً.
وقيل في قوله: (مثله): راجعة الى محمد صلى الله عليه وسلم ومعناه: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} أي من رجل أُمّي لا يُحسن الخط والكتابة.
{وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم} يعني استعينوا بآلهتكم التي تعبدونها من دون الله.
وقال مجاهد والقرظي: ناساً يشهدون لكم.
وإنما ذكر الاستعانة بلفظ الدعاء على عادة العرب في دعائهم القائل في الحروب والشدائد: [يال.....].
قال الشاعر:

فلمّا التقت فرساننا ورجالهمدعوا يا لكعب واعتزينا لعامر

{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} إنّ محمداً أسرّ قوله من تلقاء نفسه، فلما تحدّاهم وعجزوا [قال الله تعالى]: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} أي فإن لم تجيئوا بمثل القرآن.
{وَلَن تَفْعَلُواْ}: ولن تقدروا على ذلك.
وقيل {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} فيما مضى {وَلَن تَفْعَلُواْ} فيما بقي.
{فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا} حطبها وعلفها {ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} قال الحسن ومجاهد: (وقودها) بضم الواو حيث كان وهو رديء، لأن الوقود بضم الراء المصدر وهو الالتهاب، والوقود بالفتح وهو ما يوقد به النار كالظهور والبرود، ومثليهما ومثل الوَضوء والوُضوء.
وقرأ عبيد بن عمير: وقيدها الناس والحجارة.
قيل: تلك الحجارة [كجت الأرض النائية] مثل الكبريت يجعل في أعناقهم إذا إشتعلت فيها النار أحرق توهجها وجوههم، فذلك قوله تعالى:
{ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ } [الزمر: 24].
اختلفوا في الحجارة، فقال ابن عباس وأكثر المفسّرين: إنها حجارة الكبريت [الأسود وهي أشد الأشياء حراً]، وقال حفص ابن المعلى: أراد بها الأصنام لأن أكثر أصنامهم كانت معمولة من الحجر، دليله قوله:
{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } [الأنبياء: 98].
وقيل: هي أن أهل النار إذا عيل صبرهم بكوا وشكوا فتنشأ سحابة سوداء مظلمة فيرجون الفرج ويرفعون رؤوسهم إليها فتمطرهم حجارة عظاماً كحجارة الرّحا، فتزداد النار اتّقاداً والتهاباً كنار الدنيا إذا زيد حطبها زاد لهيبها.
وقيل: ذكر الحجارة ها هنا تعظيماً لأمر النار لأنها لا تأكل الحجارة إلاّ إذا كانت فظيعة وهائلة.
{أُعِدَّتْ}: خلقت وهُيئت للكافرين، وفي هذه الآية دليل على أنّ النار مخلوقة؛ لأنّ المعدَّ لا يكون إلاّ موجوداً.
{وَبَشِّرِ} أي وأخبر.
{ٱلَّذِين آمَنُواْ} وأصل التبشير: إيصال الخبر السار على [مسامع الناس] ويستبشر به، وأصله من البشرة؛ لأنّ الإنسان إذا فرح بان ذلك في وجهه وبشرته، ثمّ كثر حتى وضع موضع الخبر فيما [ساء وسرّ] قال الله تعالى:
{ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [آل عمران: 21].
{وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي الخصال والفعلات {ٱلصَّالِحَاتِ} نعت لأسم مؤنث محذوف.
وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه في {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}: معناه أخلصوا الأعمال، يدلّ عليه قوله:
{ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً } [الكهف: 110] أي خالصاً لأن المنافق والمرائي لا يكون عمله خالصاً، وقال: أقاموا الصلوات المفروضات، دليله قوله تعالى: {وأقاموا الصلاة}.
{ { وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ } [الأعراف: 170] من المسلمين.
وقال ابن عباس: عملوا الصالحات فيما بينهم وبين ربّهم، وقال: العمل الصالح يكون فيه أربعة أشياء: العلم، والنية، والصبر، والاخلاص.
وقال سهل بن عبدالله: لزموا السنّة؛ لأنّ عمل المبتدع لا يكون صالحاً.
وقيل: أدّوا الأمانة، يدل عليه قوله:
{ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً } [الكهف: 82] أي أميناً.
وقيل: تابوا، ودليله قوله تعالى:
{ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ } [يوسف: 9] أي التائبين.
{أَنَّ لَهُمْ}: محل (أن) نصب بنزع حرف الصّفة، أي بأنّ لهم.
{جَنَّاتٍ}: في محل النصب فخفض لأنها جمع التأنيث، وهي جمع الجنّة وهي البستان، سمّيت جنّة لاجتنانها بالأشجار.
{تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}: أي من تحت شجرها ومساكنها. وقيل: بأمرهم، كقوله:
{ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ } } [الزخرف: 51] أي بأمري.
والأنهار: جمع نهر، سمّي نهراً لسعته وضيائه ومنه النهار.
وأنشد أبو عبيدة:

ملكتُ بها كفّي فأنهرتُ فتقهايرى قائم من دونها ما وراءها

أي وسعتها، يصف طعنة.
وأراد بالأنهار المياه على قرب الجوار لأن النهر لا يجري.
وقد جاء في الحديث:
"أنهار الجنّة تجري في غير إخدود" .
{كُلَّمَا} متى ما {رُزِقُواْ} أطعموا {مِنْهَا} من الجنّة {مِن ثَمَرَةٍ}: أي ثمره، و(من) صلة.
{رِّزْقاً} طعاماً. {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا} أُطعمنا {مِن قَبْلُ}: طعامهما، وقيل معناه: هذا الذي رزقنا من قبل، أي وعدنا الله في الدنيا وهو قول عطاء، و(قبل) رفع على الغاية، قال الله تعالى:
{ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } [الروم: 4].
{وَأُتُواْ} وجيئوا {بِهِ} بالرزق.
قرأ هارون بن موسى: (وأتوا) بفتح الألف، أراد أتاهم الخدم به.
{مُتَشَابِهاً} اختلفوا في معناه، فقال ابن عباس ومجاهد والربيع والسّدي: متشابهاً في الألوان، مختلفاً في الطعوم.
الحسن وقتادة: متشابهاً في الفضل، خياراً كلّه؛ لأنّ ثمار الدنيا [تبقى] ويرذل منها، وإن ثمار الجنة لا يرذل منها شيء.
محمد بن كعب وعلي بن زيد: بمعنى يشبه ثمر الدنيا غير أنها أطيب.
وقال بعضهم: متشابهاً في الإسم مختلفاً في الطعم.
قال ابن عباس: ليس في الجنة شيء ممّا في الدنيا غير الأسماء. {وَلَهُمْ فِيهَآ} في الجنّات. {أَزْوَاجٌ} نساء وجوار، يعني الحور العين.
قال ثعلب: الزوج في اللغة: المرأة والرجل، والجمع والفرد، والنوع واللون، وجميعها أزواج.
{مُّطَهَّرَةٌ} من الغائط والبول والحيض والنفاس والمخاط والبصاق والقيء والمني والولد وكل قذر ودنس.
وقال إبراهيم النخعي: في الجنة جماع ما شئت ولا ولد.
وقيل: مطهّرة عن مساويء الأخلاق.
وقال يمان: مطهّرة من الأثم والأذى.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" إنّ أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتفلون ولا يتغوّطون ولا يبولون ولا يتمخطون. قيل: فما بال الطعام؟ قال: جشأ ورشح تجري من أعرافهم كريح المسك يلهمون التسبيح والتهليل كما يلهمون النفس" .
{وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} دائمون مقيمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها.
الحسن عن ابن عمر قال:
"سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجنة: كيف هي؟
قال: من يدخل الجنة يحيى ولا يموت وينعم ولا يبؤس ولا تبلى ثيابه ولا شبابه.
قيل: يا رسول الله كيف بناؤها؟ قال: لبنة من فضّة ولبنةٌ من ذهب، بلاطها مسك أذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران"
.
وقال يحيى بن أبي كثير: إنّ الحور العين لتُنادينّ أزواجهنّ بأصوات حسان، فيقلن: طالما انتظرناكم، نحن الراضيات الناعمات الخالدات، أنتم حبّنا ونحن حبّكم ليس دونكم مقصد ولا وراءكم معذر.
وقال الحسن في هذه الآية: هنّ عجائزكم الغمض الرّمض العمش طُهّرن من قذرات الدنيا.