التفاسير

< >
عرض

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
٢٦٥
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
٢٦٦
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
٢٦٧
-البقرة

الكشف والبيان

{وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ} طلب رضا الله {وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} قال الشعبي والكلبي والضحاك: يعني تصديقاً من أنفسهم يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم يعلمون أن ما أخرجوا خيراً لهم ممّا تركوا.
السدي وأبو صالح وأبو روق وابن زيد والمفضّل: على يقين إخلاف الله عليهم. قتادة: احتساباً بإيمان من أنفسهم، عطاء ومجاهد: مثبّتون أي لا يضيّعون أموالهم، وكذلك قرأ مجاهد: وتثبيتاً لأنفسهم.
قال الحسن: كان الرجل إذا همّ بصدقة تثبّت إن كان لله أعطى وإن خالطه شيء أمسك، وعلى هذا القول يكون التثبيت بمعنى التثبت كقوله عزّ وجلّ:
{ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } [المزمل: 8] أي تبتّلاً.
سعيد بن جبير وأبو مالك: تخفيفاً في ذنبهم. ابن كيسان: إخلاصاً وتوطيناً لأنفسهم على طاعة الله عزّ وجلّ في نفقاتهم، الزجاج: ينفقونها مقرّين بأن الله عزّ وجلّ رقيب عليهم.
وأصل هذه الكلمة من قول السائل: ثبت فلان في هذا الأمر إذا حققه وثبت عليه وعزمه وقوي عليه بذاته.

فثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا

{كَمَثَلِ جَنَّةٍ} أي بستان. قال الفراء: إذا كان في البستان نخل فهو جنّة، وإذا كان كرم فهو فردوس.
وقول مجاهد: كمثل حبّة بالحاء والباء {بِرَبْوَةٍ} قرأ السليمي والعطاردي والحسن وعاصم وابن عامر: {بِرَبْوَةٍ} بفتح الراء هاهنا وفي سورة المؤمنين وهي لغة بني تميم.
وقال أبو جعفر وشيبة ونافع وابن كثير والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وأبو عمرو ويعقوب وأيوب بضم الراء فيهما. واختاره أبو حاتم وأبو عبيد لأنّها أكمل اللغات وأشهرها، وقول ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي وابن أبي إسحاق: بربوة، وقرأ أشهب العقيلي: برباوة بالألف وكسر الراء فيها. وهي جميعاً المكان المرتفع المستوي الذي تجري فيه الأنهار ولا يخلو من الماء. وإنّما سمّيت ربوة لأنّها ربت [وطابت] وعلت، من قولهم ربا الشيء يربو إذا انتفخ وعظم، وإنّما جعلها بربوة لأن النبات عليها أحسن وأزكى.
{أَصَابَهَا وَابِلٌ} مطر شديد كثير {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: {أُكُلَهَا} بالتخفيف والباقون بالتشديد وهو الثمر.
قال المفضّل: الأكل: كثرة مافي الشيء ممّا يجود ويقوى به، يقال: ثوب كثير الأكل، أي كثير الغزل. ومعناه: وأعطت ثمرها ضعفين والضعف في الحمل.
قال عطاء: حملت في سنة من الريع ما تحمل غيرها في سنتين. قال عكرمة: حملت في السنة مرّتين.
{فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أي فطشّ وهو أضعف المطر وألينه.
قال السدي: هو الندى.
أبو سلام عبد الملك بن سلام عن زيد بن أسلم في قوله {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} قال: هي أرض مصر إن لم يصبها مطر زكت وإن أصابها مطر ضعفت، وهذا مثل ضربه الله عزّ وجلّ لعمل المؤمن المخلص، يقول: كما أن هذه الجنّة تريع في كلّ حال ولا تخلف ولا تُخيّب صاحبها سواء قلّ المطر أو كثر، كذلك يُضاعف الله عزّ وجلّ ثواب صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمنّ ولا يُوذي سواء قلّت نفقته وصدقته أو كثرت فلا تخيب بحال.
{وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} هذه الآية متصلة بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ}. الآية {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ}.
{تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ} وإنّما قال: {وَأَصَابَهُ} فردّ الماضي على المستقبل؛ لأن العرب تلفظ توددت مرّة مع (لو) وهي الماضي فتقول: وددت لو ذهبتَ عنّا، ومرّة مع (أن) وهي للمستقبل فتقول: وددت أن تذهب عنّا، و(لو) و(أن) مضارعان في معنى الجزاء، ألا ترى أنّ العرب فيما جمعت بين (لو) و(أن) قال الله تعالى:
{ وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ } [آل عمران: 30]. الآية كما تجمع بين (ما) و(أن) وهما جحد.
قال الشاعر:

ما أنْ رأيت ولا سمعت بمثله كاليوم طالي أينق جرب

فلما جاز ذلك صلح أن يقال: فعل بتاويل يفعل ويفعل بتأويل فعل، وان ينطق بـ (لو) عنها ما كان (أن) وبـ (أن) مكان (لو).
فمعنى الآية: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} لو كان له جنّة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كلّ الثمرات {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ} أولاد صغار {ضُعَفَآءُ} عجزة {فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ} وهي الريح العاصف التي تهب من الأرض إلى السماء كأنّها عمود.
قال الكميت:

[تسدي الرياح بها ذيلا وتلحمهُ ذا معتو من دقيق الترب موّار
في منخل جاء من هيف يمانيه بالسافيات وفي غربال إعصار]

وجمعه أعاصير.
قال يزيد بن المقرّع الحميري.

أناس أجارونا وكان جوارهم أعاصير من فسو العراق المبذر

وهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق المرائي، يقول: عمل هذا المرائي لي حسنة لحين الجنّة فينتفع بها كما ينتفع صاحب الجنّة بها وإذا كبر وضعف وصار له أولاد صغار أصاب جنته إعصار {فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ} أخرج ما كان إليها وضعف عن إصلاحها لِكِبَره وضعف أولاده عن إصلاحها لصغرهم ولم يجد هو ما يعود على أولاده به، ولا أولاده ما يعودون به على أبيهم فينتفي هو وأولاده فقراً عجزه متحيّرين لا يقدرون على حيلة، فكذلك يبطل الله على هذا المنافق والمرائي حين لا مستعتب له ولا توبة ولا إقالة من عبرتهما وديونهما.
قال عبيد بن عمير: [ضربت مثلاً للعمل يبدأ فيعمل عملاً صالحاً فيكون مثلاً للجنة التي من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات، ثم يسىء في آخر عمره]، فيتمادى في الإساءة حتّى يموت على ذلك، فيكون الأعصار الذي فيه نار التي أحرقت الجنة مثلاً لإساءته التي مات (وهو) عليها.
{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ} تصدّقوا {مِن طَيِّبَاتِ} خيار وجياد نظير قوله:
{ لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } [آل عمران: 92]. ابن مسعود ومجاهد: حلالات، دليله قوله: { يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ } [المؤمنون: 51].
{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172].
قال النبيّ صلى الله عليه وسلم
"قسّم بينكم أخلاقكم كما قسّم بينكم أرزاقكم وإن الله طيّب لا يقبل إلاّ طيباً، لا يكسب عبد مالاً من حرام فيتصدّق منه، فيقبل منه ولا ينفق منه، فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلاّ كان زاده إلى النار، وأن لا يمحو السيء بالسيء ولكنّه يمحو السيء بالحسن والخبيث لا يمحو به الخبيث" .
{مَا كَسَبْتُمْ} بالتجارة والصناعة من الذهب والفضّة.
قال عبيد بن رفاعة:
" "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معشر التجّار أنتم فجّار إلا من أتقى وبرّ وصَدّق وقال هكذا وهكذا وهكذا" .
وقال قيس بن عروة الغفاري:" "كنّا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة نُسمّي أنفسنا السماسرة فسمّانا رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم هو أحسن من إسمنا فقال: يا معشر التجّار، إنّ هذا البيع يحضره اللهو والكذب واليمين فشوبوه بالصدقة" .
مكحول عن أبي إمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخير عشرة أجزاء أفضلها التجارة؛ إذا أخذ الحق وأعطاه" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسعة أعشار الرزق في التجارة والجزء الباقي في السابياء" .
ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر قريش لا يغلبنّكم هذه الموالي على التجارة وإنّ البركة في التجارة وصاحبها لا يفتقر إلاّ تاجر خلاّف مهين" .
عاصم ابن أبي النجود عن أبي وائل قال: درهم من تجارة أحب إليّ من عشرة من عطائي. الأعمش عن أبي إبراهيم عن عائشة قالت: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" .
وقال سعيد بن عمير:" "سُئِل النبيّ صلى الله عليه وسلم أي كسب الرجل أطيب؟
قال: عمل الرجل بيده وكلّ بيع مبرور"
.
محمد بن الراضبي قال: مرّ إبراهيم النخعي على امرأة من مزاد وهي تغزل على بابها فقال: يا أم بكر أما كبرتِ أما آن لك أن تلقي هذا، قالت: كيف ألقيه وقد سمعت عليّاً (رضي الله عنه) يقول: إنّه من طيّبات الرزق.
{وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ} يعني الحبوب والثمار التي تقتات وتدخر مما يجب فيه الزكاة. عمر بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول:
" "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم معبد حائطاً، فقال: يا أم معبد من غرس هذا، أمسلم أم كافر؟
قالت: بل مسلم، قال: فلا يغرس المسلم غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طائر إلاّ كانت له صدقة إلى يوم القيامة"
.
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم "قال التمسوا الرزق في خبايا الأرض" .
قال مالك بن دينار: قرأت في التوراة: طوبى لمن أكل من ثمرة يديه.
{وَلاَ تَيَمَّمُواْ} قرأ ابن مسعود: ولا تامموا بالهمز. وقرأ ابن عباس: ولا تيمموا مضمومة التاء مكسورة الميم الأولى يعني لا توجّهوا.
وقرأ ابن كثير: (ولا تيمموا) بتشديد الياء وفتحها فيها وفي أخواتها وهي أحدى وثلاثون موضعاً في القرآن رد الساقط وأدغم لأن في الأصل تاءان تاء المخاطبة وتاء الأمر فحذفت تاء الفعل.
وقرأ الباقون: ولا تيمموا مفتوحة مخففة.
وهي كلّها لغات بمعنى واحد، يقال: أممت فلاناً وتيممته وتأممته، إذا قصدته وعمدته.
قال الأعشى ميمون بن قيس:

تيممت قيساً وكم دونه من الأرض من مهمه ذي شزن

السدي عن علي بن ثابت عن الفراء قال: نزلت هذه الآية في الأنصار كانت تخرج إذا كان جذاذ النخل من حيطانها أقناء من التمر والبسر فيعلقونه على حبل بين اسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل منه فقراء المهاجرين، وكان الرجل يعمد فيخرج قنو الحشف وهو يظن أنّه جائز عنه في كثرة ما يوضع من الأقناء فنزل فيمن فعل ذلك.
{وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} يعني القنو الذي فيه الحشف ولو كان أهدى لكم ما قبلتموه. عن باذان عن ابن عباس في هذه الآية قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم:
"إنّ لله في أموالكم حقّاً فإذا بلغ حق الله في أموالكم فاعطوا منه" وكان الناس يأتون أهل الصدقة بصدقاتهم ويضعونها في المسجد فإذا اجتمعت قسّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم.
قال:
" "فجاء رجل ذات يوم بعد مارَقّ أهل المسجد وتفرّق هامهم بعذق حشف فوضعه في الصدقة، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصره فقال: مَنْ جاء بهذا العذق الحشف قالوا: لا ندري يارسول الله. قال: بئسما صنع صاحب هذا الحشف" فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال عليّ بن أبي طالب والحسن ومجاهد والضحاك: كانوا يتصدّقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم فيعزلون الجيّد ناحية لأنفسهم، فأنزل الله تعالى {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ} يعني الردي من أموالكم، والخشف من التمر، والعفن والزوان من الحبوب، والزيوف من الدراهم والدنانير.
{وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} محل أن نصب بنزع حرف الصفة، يعني: بأن تغمضوا فيه.
وقرأ الزهري: {تُغْمِضُواْ} بفتح التاء وضم الميم. وقرأ الحسن بتفح التاء وكسر الميم، وهما لغتان غمض يغمِض ويَغمَض. وقرأ قتادة تغمضّوا فيه من التفعيل وقرأ أبو مجلن: تغمّضوا بفتح الميم وضم التاء يعني إلاّ أن تغمض لكم. وقرأ الباقون: تغمّضوا.
والاغماض: غض البصر وإطباق جفن على جفن. قال روبة:

أرَق عينيّ عن الإغماض برق سرى في عارض نهّاضِ

وأراد هاهنا التجويز والترخص والمساهلة، وذلك إن الرجل إذا رأى ما يكره أغمض عينه لئلاّ يرى جميع ما يفعل، ثم كثر ذلك حتّى جعل كلّ تجاوز ومساهلة في البيع إغماضاً.
قال الطرمّاح:

لم يفتنا بالوتر قوم وللضي م رجال يرضون بالإغماض

قال علي والبراء بن عازب: معناه: لو كان لأحدكم على رجل حقّ فجاءه بهذا، لم يأخذه إلاّ وهو يرى أنّة قد أغمض عن بعض حقّه. وهي رواية العوفي عن ابن عباس.
وروى الوالبي عنه: ولستم بآخذي هذا الردي لو كان لأحدكم على الآخر حقّ بحساب الجيّد حتّى تنقصوه.
الحسن وقتادة: لو وجدتموه بياعاً في السوق ما أخذتموه بسعر الجيّد حتّى يغمّض لكم من ثمنه.
وروي عن الفراء أيضاً قال: لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلاّ على استحياء من صاحبه وغيظ أنّه بعث إليك بما لم يكن فيه حاجة، فكيف ترضون لي مالا ترضون لأنفسكم؟
أخبر الله تعالى أن أهل السهمان شركاء ربّ المال في ماله فإذا كان ماله كلّه جيّداً فهم شركائه في الجيّد فأمّا إذا كان المال كلّه ردئاً فلا بأس باعطاء الردي لأن الواجب فيه ذلك إلاّ أن تتطوع.
{وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ} عن نفقاتكم وصدقاتكم {حَمِيدٌ} محمود في أفعاله.
وعن معبد بن منقذ ان أبا شريح الكعبي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتموني أتصدّق شرّ ما عندي فاكووني واعلموا إنّي مجنون.