التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ
٥٥
ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٥٦
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٱكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
٥٧
وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ
٥٨
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
٥٩
-البقرة

الكشف والبيان

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} الآية، وذلك أنّ الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار سبعين رجلا من خيارهم، وقال لهم: صوموا وتطهّروا وطهّروا ثيابكم، ففعلوا ذلك، فخرج بهم موسى الى طور سيناء لميقات ربّه، فلمّا وصل ذلك الموضع قالوا: اطلب لنا نسمع كلام ربّنا، فقال: أفعل، فلمّا دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام وتغشّى الجبل كلّه فدخل في الغمام وقال القوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلّمه ربّه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني إسرائيل أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى دخلوا في الغمام وخرّوا سجّدا، وسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه، وأسمعهم الله تعالى: إنّي أنا الله لا اله إلاّ أنا ذو بكة أخرجتكم من أرض مصر فأعبدوني ولا تعبدوا غيري.
فلمّا فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم، فقالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة.
{فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} وهي نارٌ جاءت من السماء فأحرقتهم جميعاً.
وقال وهب: أرسل الله عزّ وجلّ عليهم جنداً من السماء فلما سمعوا بحسّها ماتوا يوماً وليلة. والصاعقة: المهلكة، فذلك قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ} لن نصدّقك {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً}.
قرأه العامّة بجزم الهاء، وقرأ ابن عباس: (جهرة) بفتح الهاء وهما لغتان مثل زُهْره وزَهَره.
{جَهْرَةً} أي معاينة بلا ساتر بيننا وبينه، وأصل الجهر من الكشف.
قال الشاعر:

يجهر أجواف المياه السّدم[وانتحابها على الحان]

{فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} قرأ عمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم): (الصعقة) بغير ألف، وقرأ الباقون (الصاعقة) بالألف وهما لغتان.
{وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} وذلك أنهم لما هلكوا جعل [موسى] يبكي ويتضرّع ويقول: يا ربّ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ولو شئت أهلكتهم من قبل، ويا ربّي
{ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ } [الأعراف: 155] فلم يزل يناشد ربّه حتى أحياهم الله تعالى جميعاً رجلا بعد رجل ينظر بعضهم الى بعض كيف يحيون، فذلك قوله تعالى:
{ثُمَّ بَعَثْنَاكُم} أحييناكم {مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} لتستوفوا بقيّة آجالكم وأرزاقكم، وأصل البعث: إثارة الشيء من [مكمنه].
يقال: بعثت البعير، وبعثت النائم فانبعث.
{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} في التيه تقيكم حرّ الشمس، وذلك أنّهم كانوا في التّيه ولم يكن لهم كنّ يسترهم فشكوا ذلك الى موسى، فأنزل الله عليهم غماماً أبيضاً رقيقاً وليس بغمام المطر بل أرقّ وأطيب وأبرد ـ والغمام: ما يغمّ الشيء أي يستره ـ وأظلّهم فقالوا: هذا الظّل قد جعل لنا فأين الطعام، فأنزل الله عليهم المنّ.
واختلفوا فيه، فقال مجاهد: وهو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار وطعمه كالشهد.
الضحّاك: هو الطرنجبين.
وقال وهب: الخبز الرّقاق. السدي: عسل كان يقع على الشجر من الليل فيأكلون منه.
عكرمة: شيء أنزله الله عليهم مثل الزّيت الغليظ، ويقال: هو الزنجبيل.
وقال الزجاج: جملة المنّ ما يمنّ الله مما لا تعب فيه ولا نصب.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"الكماة من المنّ وماءوها شفاء للعين" .

وكان ينزل عليهم هذا المنّ كل ليلة تقع على أشجارهم مثل الملح،لكلّ إنسان منهم صاع كل ليلة قالوا يا موسى: مللنا هذا المنّ بحلاوته، فادع لنا ربّك أن يطعمنا اللحم، فدعا عليه السلام، فأنزل الله عليهم السلوى.
واختلفوا فيه، فقال ابن عباس وأكثر المفسرين: هو طائر يشبه السّماني.
أبو العالية ومقاتل: هو طير أحمر، بعث الله سحابة فمطرت ذلك الطير في عرض ميل وقدر طول رمح في السماء بعضه على بعض.
عكرمة: طير يكون بالهند أكبر من عصفور، المؤرّخ: هو [المعسل] بلغه كنانه.
وقال شاعرهم:

وقاسمها بالله حقّاً لأنتمالّذّ من السلوى إذا ما نشورها

وكان يرسل عليهم المنّ والسلوى، فيأخذ كل واحد منه ما يكفيه يوماً وليلة، وإذا كان يوم الجمعة أخذ ما يكفيه ليومين لأنّه لم يكن ينزل إليهم يوم السبت، فذلك قوله: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ} أي وقلنا لهم كلوا.
{مِن طَيِّبَاتِ} حلالات. {مَا رَزَقْنَاكُمْ} ولا تدّخروا لغد فخبأوا لغد فقطع الله عزّ وجلّ ذلك عنهم ودوّد وفسد ما ادّخروا، فذلك قوله عزّ وجلّ {وَمَا ظَلَمُونَا} ضرّونا بالمعصية.
{وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} يصرّون باستيجابهم عذابي وقطع مادة الرزق الذي كان ينزّل عليهم بلا كلفة ولا مؤونة، ولا مشقّة في الدنيا، ولا تبعه ولا حساب في العقبى.
خلاس بن عمرو عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لولا بني إسرائيل لم يخنز الطعام ولم يخبث اللّحم، ولولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها" .

{وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} ابن عباس: هي أريحا وهي قرية الجبّارين، وكان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة ورأسهم عوج بن عناق، وقيل: هي بلقا.
وقال ابن كيسان: هي الشام.
الضّحاك: هي الرّملة والاردن وفلسطين وتدمر.
مجاهد: بيت المقدس. مقاتل: إيليا.
{فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} موسعاً عليكم.
{وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ} يعني باباً من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب.
{سُجَّداً} منحنين متواضعين وأصل السجود الخضوع.
قال الشاعر:

بجمع يضل البلق في حجراتهترى الأكْم فيه سجّداً للحوافر

وقال وهب: قيل لهم ادخلوا الباب، فاذا دخلتموه فاسجدوا شكراً لله عزّ وجلّ، وذلك أنّهم أذنبوا بإبائهم دخول أريحا، فلما فصلوا من التيه أحبّ الله عزّ وجلّ أن يستنقذهم من الخطيئة.
{وَقُولُواْ حِطَّةٌ} قال قتادة: حطّ عنّا خطايانا وهو أمرٌ بالاستغفار.
وقال ابن عباس: يعني لا اله الاّ الله؛ لأنّها تحطّ الذنوب، وهي رفع على الحكاية في قول أبي عبيدة.
وقال الزجاج: سألتنا حطّة.
{نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} وقرأ أهل المدينة بياء مضمومة وأهل الشام بتاء مضمومة.
{وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} إحساناً وثواباً والسلام.
{فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أنفسهم بالمعصية، وقيل كفروا.
وقال مجاهد: كموطيء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا ولم يسجدوا، فدخلوا مترجعين على أشباههم.
{قَوْلاً} يعني وقالوا قولا. {غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} وذلك إنّهم أُمروا أن يقولوا (حطّة) فقالوا: (حطا) [.....] يعنون حنطه حمراء استخفافاً بأمر الله.
{فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً} عذاباً {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} وذلك أنّ الله تعالى أرسل الله عليهم ظلمة وطاعوناً فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً.
{بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} يعني يلعبون ويخرجون من أمر الله عزّ وجلّ.