التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ
٧٣
مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
٧٤
ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
٧٥
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٧٦
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٧٧
وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ
٧٨
-الحج

الكشف والبيان

{يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ} معنى ضرب: جعل، كقولهم: ضرب السلطان البعث على الناس، وضرب الجزية على أهل الذمّة أي جعل ذلك عليهم، ومنه قوله { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ } [البقرة: 61] والمثل حالة ثابتة تشبه بالأُولى في الذكر الذي صار كالعلم، وأصله الشبه، ومعنى الآية: جعل لي المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي.
{فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} حالها وصفتها التي بيّنت وشبّهتها بها، ثم بيّن ذلك فقال عزَّ من قائل {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} قراءة العامة بالتاء، وروى زيد عن يعقوب يدعون بالياء {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً} في صغره وقلّته لأنّها لا تقدر على ذلك {وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ} لخلقه، والذباب واحد وجمعها القليل أذبنة والكثير ذبّان، مثل غراب وأغربة وغربان {وَإِن يَسْلُبْهُمُ} يعني الأصنام، أخبر عنها بفعل ما يعقل، وقد مضت هذه المسألة، يقول: وإن يسلبهم {ٱلذُّبَابُ شَيْئاً} مما عليهم {لاَّ} يقدرون أن {يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ}.
قال ابن عباس: الطالب الذباب والمطلوب الصنم، وذلك أن الكفّار كانوا يلطّخون أصنامهم بالعسل في كلّ سنة ثم يغلقون عليها أبواب البيوت فيدخل الذبّان في الكوى فيأكل ذلك العسل وينقيها منه فإذا رأوا ذلك قالوا: أكلت آلهتنا العسل.
الضحّاك: يعني العابد والمعبود.
ابن زيد وابن كيسان: كانوا يحلّون الأصنام باليواقيت واللآلي وأنواع الجواهر ويطيّبونها بألوان الطيب، فربما يسقط واحد منها أو يأخذها طائر أو ذباب فلا تقدر الآلهة على استردادها، فالطالب على هذا التأويل الصنم والمطلوب الذباب والطائر.
{مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عظّموا الله حقّ تعظيمه، ولا عرفوه حقّ معرفته ولا وصفوه حقّ صفته إذ أشركوا به مالا يمتنع من الذباب ولا ينتصف به.
{إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * ٱللَّهُ يَصْطَفِي} يختار {مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} كجبرئيل وميكائيل وغيرهما {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} أيضاً رسلاً مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم، يقال: نزلت هذه الآية لمّا قال المشركون
{ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا } [القمر: 25] فأخبر أن الاختيار إليه، يختار من يشاء من خلقه.
{إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لقولهم {بَصِيرٌ} بمن يختاره لرسالته.
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} يعني ما كان بين أيدي ملائكته ورسله قبل أن يخلقهم.
{وَمَا خَلْفَهُمْ} ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم.
وقال الحسن: ما بين أيديهم ماعملوه، وما خلفهم ما هم عاملون ممّا لم يعملوه بعد.
{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدَّثنا محمد بن يحيى قال: وفيما قرأت على عبد الله بن نافع، وحدّثني مطرف بن عبد الله عن مالك عن نافع أنّ رجلاً من أهل مصر أخبر عبد الله بن عمر أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين ثمَّ قال: انَّ هذه السورة فضلّت بسجدتين.
وبإسناده عن مالك عن عبد الله بن دينار أنّه قال: رأيت عبد الله بن عمر سجد في الحج سجدتين.
وأخبرنا أبو بكر الجوزقي قال: أخبرنا أبو العباس الدعولي قال: حدَّثنا ابن أبي خيثمة قال: حدَّثنا أبو سلمة الخزاعي منصور بن سلمة قال: حدَّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن صفوان بن مهران أن أبا موسى قرأ على منبر البصرة سورة الحج، فنزل فسجد فيها سجدتين.
وحدَّثنا أبو محمد المخلّدي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدَّثنا محمد ابن مسلم بن دارة قال: حدَّثنا محمد بن موسى بن أعين قال: قرأت على أبي عن عمرو بن الحرث عن ابن لهيعة ان شريح بن عاها حدّثه عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم إن لم تسجدهما فلا تقرأهما.
{وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} يعني وجاهدوا في سبيل الله أعداء الله حق جهاده، وهو استفراغ الطاقة فيه، قاله ابن عباس، وعنه أيضاً: لا تخافوا في الله لومة لائم وذلك حق الجهاد.
وقال الضحاك ومقاتل: يعني اعملوا لله بالحقّ حقّ عمله، واعبدوه حقّ عبادته.
عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى وذلك حقّ الجهاد، وهو الجهاد الأكبر على ما روي في الخبر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رجع من بعض غزواته:
"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الاكبر" .
{هُوَ ٱجْتَبَاكُمْ} اختاركم لدينه {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ضيق فلا يبتلي المؤمن بشيء من الذنوب إلاّ جعل له منه مخرجاً بعضها بالتوبة وبعضها بالقصاص وبعضها برد المظالم وبعضها بأنواع الكفّارات، فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلاً إلى الخلاص من العقاب فيه، ولا ذنب يذنبه المؤمن إلاّ وله منه في دين الإسلام مخرج، وهذا معنى رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه حين سأله عبد الملك بن مروان عن هذه الآية فقال: جعل الله الكفارات مخرجاً من ذلك، سمعت ابن عباس يقول ذلك.
وقال بعضهم: معناه وما جعل عليكم في الدين من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر والأضحى ووقت الحج إذا التبست عليكم وشكّ الناس فيها، ولكنّه وسّع ذلك عليكم حتى تتيقّنوا محلها {مِّلَّةَ} أبيكم أي كملّة {أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} نصب بنزع حرف الصفة، عن الفرّاء، غيره: نصب على الاغراء أي الزموا واتّبعوا ملّة أبيكم إبراهيم، وإنّما أمركم باتباع ملّة إبراهيم لأنّها داخلة في ملّة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأمّا وجه قوله سبحانه «ملّة أبيكم» وليس جميعهم يرجع إلى ولادة إبراهيم فإنّ معناه: إنّ حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد، كما قال سبحانه
{ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } [الأحزاب: 6] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنّما أنا لكم مثل الوالد" ،وهذا معنى قول الحسن البصري (رحمه الله).
{هُوَ} يعني الله سبحانه وتعالى {سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} يعني من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة {وَفِي هَـٰذَا} الكتاب هذا قول أكثر المفسرين.
وقال ابن زيد: هو راجع إلى إبراهيم (عليه السلام) يعني أنّ إبراهيم سمّاكم المسلمين من قبل أي من قبل هذا الوقت في أيام إبراهيم {وَفِى هذا} الوقت، قال: وهو قول إبراهيم:
{ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } [البقرة: 128] والقول الأول أولى بالصواب.
{لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ} أن قد بلّغكم {وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} أن رسلهم قد بلّغتهم {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَٱعْتَصِمُواْ بِٱللَّهِ} وثقوا بالله وتوكّلوا عليه.
وقال الحسن: تمسّكوا بدين الله الذي لطف به لعباده.
{هُوَ مَوْلاَكُمْ} وليّكم وناصركم ومتولي أمركم {فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}.