التفاسير

< >
عرض

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ
١٤٦
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ
١٤٧
فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٤٨
يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ
١٤٩
بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ
١٥٠
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ
١٥١
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٥٢
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَٰكُمْ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٥٣
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
١٥٤
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
١٥٥
-آل عمران

الكشف والبيان

{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ} . قرأ الحسن وأبو جعفر: (كاين) مقصوراً بغير همزة ولا تشديد حيث وقع.
وقرأ مجاهد وابن كثير وشيبة: (وكأين) مهموزاً ممدوداً مخففاً على وزن فاعل، وهو اختيار أبي عبيد، اعتباراً بقول أُبي بن كعب لزر بن حبيش: (كاين) بعد سورة الأحزاب. فقال: كذا آية.
وقرأ ابن محيصن: (كأي) ممدوداً بغير نون.
وقرأ الباقون: (وكأيّن) مشدوداً بوزن كعَيّن، وهي لغة قريش واختيار أبي حاتم، وكلها لغات معروفة بمعنى واحد.
وأنشد المفضل:

وكائن ترى في الحي من ذي صداقةو غيران يدعو ويله من حذاريا

وقال في التشديد:

كأين من أناس لم يزالواأخوهم فوقهم وهم كرام

وجمع الآخر بين اللغتين، فقال:

كأين أبدنا من عدوّ يغزناوكأين أجرنا من ضعيف وخائف

ومعناه كم، وهي كاف التشبيه ضمت إلى أي الاستفهام، ولم يقع التنوين صورة في الخط إلاّ في هذا الحرف خاصة.
{قُتل}. قرأ قتادة وابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب (قتل): وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي حاتم.
وقرأ الآخرون: (قاتل)، وهي قراءة ابن مسعود واختيار أبي عبيد، فمن قرأ (قاتل) فلقوله: {فَمَا وَهَنُواْ} ويستحيل وصفهم بأنهم لم يُهنوا بعدما قُتلوا، ولقول سعيد بن جبير: ما سمعنا أن نبياً قط قُتل في القتال.
وقال أبو عبيد: إن الله تعالى إذا حمد من قاتل كان من قُتل داخلا فيه، وإذا حمد من قُتل خاصة لم يدخل فيه غيرهم، فقاتل أعم.
ومن قرأ (قتل) فله ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون القتل واقعاً على النبي وحده، وحينئذ يكون تمام الكلام عند قراءة (قتل) فيكون في الآية اضمار معناه ومعه {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} كما يقال: قتل الأمير معه جيش عظيم، أي ومعه، ويقول: خرجت معي تجارة، أي ومعي.
والوجه الثاني: أن يكون القتل نال النبي ومعه من الربيين، ويكون وجه الكلام: قتل بعض من كان معه، تقول العرب: قتلنا بني تميم وبني فلان، وإنما قتلوا بعضهم ويكون قوله: {فَمَا وَهَنُواْ} راجعاً إلى الباقين الذين لم يقتلوا.
والوجه الثالث: أن يكون القتل للربيين لا غير.
{رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}، قرأ ابن مسعود وأبو رجاء والحسن وعكرمة: (رُبيون) بضم الراء، وهي لغة بني تميم.
الباقون: بالكسر، وهي اللغة الفاشية [العالية].
والربيون جمع الربّية وهي الفرقة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع.
السدي: جموع كثير.
قال حسان:

وإذا معشر تجافوا عن الحقحملنا عليهم رُبيا

ابن مسعود: الربيون الألوف، الضحاك: الربية الواحدة ألف، الكلبي: الربية الواحدة عشر ألف، الحسن: فقهاً علماً صبراً، ابن زيد: هم الأتباع، والرابيون: هم الولاة، والربيون: الرعية، وقال بعضهم: هم الذين يعبدون الرب، والعرب تنسب الشيء إلى الشيء فيغير حركته كما يقول بصريٌّ منسوب إلى بصرة، فكذلك ربيّون منسوب إلى الربّ، وقال بعضهم: مطيعون منيبون إلى الله فما وهنوا.
قرأه العامة: بفتح الهاء، وقرأ قعتب أبو السماك العدوي: بكسر الهاء، فمن فتحه فهو من وَهن يهن وهناً، مثل وعد يعِد وعداً، قاله المبرد وأنشد:

إن القداح إذا اجتمعن فرامَهابالكسر ذو جَلد وبطش أيد
عزّت ولم تكسر وإن هي بددتقالوهن والتكسير للمتبدد

ومن كسر فهو من وَهِن يهن، مثل وَرِم يرم قاله أبو حاتم.
فقال الكسائي: هو من وهن يوهن وهناً، مثل وجل يوجل وجلاً.
قال الشاعر:

طلب المعاش مفرق بين الأحبة والوطنومصير جلد الرجال إلى الضّراعة والوهن

ومعنى الآية: فما ضعفوا عن الجهاد لما نالهم من ألم الجراح، وقيل: الأصحاب وما عجزوا لقتل نبيّهم.
قال قتادة والربيع: يعني ما ارتدّوا عن بصيرتهم ودينهم، ولكنهم قاتلوا على ما قاتل عليه نبيهم حتى لحقوا بالله، السدي: وما ذلّوا، عطاء: وما تضرّعوا، مقاتل: وما استسلموا وما خضعوا لعدوهم، أبو العالية: وما جبنوا، المفضل والقتيبي: وما خشعوا، ومنه أخذ المسكين لذله وخضوعه وهو مفعيل منه، مثل مِعطير من العِطر ومنديل من الندل، وهو دفعه من واحد إلى آخر، وأصل الندل السوق، ولكنهم صبروا على أمر ربّهم وطاعة نبيّهم وجهاد عدوهم. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ}.
قرأ الحسن وابن أبي إسحاق: (قولهم) بالرفع على اسم كان وخبره في قوله: إن قالوا.
وقرأ الباقون: بالنصب على خبر كان والاسم في أن، قالوا تقديره: وما كان قولهم إلاّ قولهم كقوله:
{ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } [الأعراف: 82] و { { مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ } [الجاثية: 25] ونحوهما، ومعنى الآية: وما كان قولهم عند قتل نبيّهم {إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا} يعني خطايانا الكبار، وأصله مجاوزة الحد {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} كيلا تزول {وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} فهلاّ فعلتم وقلتم مثل ذلك يا أصحاب محمد {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ}، وقرأ الجحدري: فأثابهم الله من الثواب، {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} النصرة والغنيمة {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} الأجر والجنة {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ * يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني اليهود والنصارى، فقال علي(رضي الله عنه): يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم، {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} يرجعوكم إلى أول أمركم الشرك بالله تعالى {فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} فتنقلبوا مغبونين ثم قال {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ} ناصركم وحافظكم على دينكم { وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي}.
قال السدي: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أُحد متوجهين نحو مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق ثم إنّهم ندموا وقالوا: بئسما صنعنا، قتلناهم حتى لم يبق منهم إلاّ الشريد وتركناهم رجعوا. فلما عزموا على ذلك قذف الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عمّا همّوا به. وستأتي هذه القصة بتمامها إن شاء الله وما نزّل الله تعالى فيها.
{سَنُلْقِي} قرأ أيوب السختياني: سنلقي بالله يعني الله عزّ وجلّ لقوله: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ}، قرأ الباقون: بالنون على التعظيم أي سنقذف، {فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} الخوف وثقل عينه، أبو جعفر وابن عامر والكسائي ويعقوب، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وخففها الآخرون.
{بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ} هو (ما) المصدر، تقديره باشراكهم بالله {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} حجة وبياناً وعذراً وبرهاناً، ثم أخبر عن مصيرهم فقال: {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ} مقام الكافرين.
{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ}، قال محمد بن كعب القرظي:
"لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، وقد أصابهم ما أصابهم بأُحد، فقال ناس من أصحابه: من أين أصابنا وقد وعدنا بالنصر، فأنزل الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} الذي وعد بالنصر والظفر، وهو قوله: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} الآية، وقول رسول الله للرماة: لا تبرحوا مكانكم فإنا لا نزل غالبين ما ثبتم، والصدق يتعدى إلى مفعولين كالمنع والغصب ونحوهما، {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أُحداً خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل حنين وهو جبل عن يساره، وأقام عليه الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: احموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا" .
وأقبلوا المشركون وأخذوا في القتال، فجعل الرماة يرشفون بالنبل والمسلمون يضربونهم بالسيف حتى ولوا هاربين وانكشفوا منهزمين، فذلك قوله: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} أي تقتلونهم قتلا ذريعاً سريعاً شديداً.
قال الشاعر:

حسسناهم بالسيف حسّاً فأصبحتبقيتهم قد شردوا وتبددوا

وقال أبو عبيدة: الحس الاستيصال بالقتل، يقال: جراد محسوس إذا قتله البرد، وسَنَة حسوس إذا أتت على كل شيء.
قال روبة:

إذا شكونا سنة حسوساًتأكل بعد الأخضر اليبيسا

{حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ}، قال بعض أهل المعاني: يعني إلى أن فشلتم، جعلوا (حتى) غاية بمعنى إلى، وحينئذ لا جواب له.
وقال الآخرون: هو بمعنى فلما وفي الكلام تقديم وتأخير قالوا: وفي قوله: {وَتَنَازَعْتُمْ} مقحمة زائدة، ونظم الآية: حتى إذا تنازعتم {فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ} وفشلتم أي جبنتم وضعفتم، ومعنى التنازع الاختلاف، وأصله من نزع القوم الشيء بعضهم من بعض، وكان اختلافهم أن الرماة تكلموا حين هُزم المشركون وقالوا: انهزم القوم فما مقامنا، وقال بعضهم: لا تجاوزوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبت عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة وانطلق الباقون ينهبون، فلما نظر خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل إلى ذلك، حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأصحابه وأقبلوا على المسلمين، وحالت الريح فصارت دبوراً بعد ما كانت صبا، وانتفضت صفوف المسلمين، فاختلطوا وجعلوا يقتتلون على غير شعار، فقتل بعضهم بعضاً وما يشعرون من الدهش، ونادى إبليس ألا إن محمداً قد قتل، وكان ذلك سبب هزيمة المؤمنين.
{مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} يا معشر المؤمنين ما تحبون هو الظفر والغنيمة {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} يعني الذين تركوا المركز فاقبلوا إلى النهب {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} يعني الذين ثبتوا مع ابن جبير حتى قتلوا.
وقال عبد الله بن مسعود: ما شعرت أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أُحد فنزلت هذه الآية {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} أي ردّكم عنهم بالهزيمة {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، قاله أكثر المفسرين، ونظيره:
{ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم } [البقرة: 52].
وقال الكلبي: يعني تجاوز عنكم فلم يؤاخذكم بذنبكم.
{وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ} يعني ولقد عفونا عنكم إذ تصعدون هاربين.
قرأه العامة: (تُصعِدون) بضم التاء وكسر العين.
وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو عبد الرحمن والحسن وقتادة بفتح التاء.
وقرأ ابن محيصن وشبل: إذ يصعدون ويلوون بالياء، يعني المؤمنين. ثم رجع إلى الخطاب فقال {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ} على البلوى.
قال أبو حاتم: يقال أصعدت إذا مضيت حيال وجهك، وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره، والاصعاد السير في مستوى الأرض وبطون الأودية والشعاب، والصعود الإرتفاع على الجبال والسطوح والسلالم والدّرج، قال المبرد: أصعد إذا أبعد في الذهاب.
قال الأعشى:

إلاّ أيهذا السائلي أين أصعدتفإنّ لها من بطن يثرب موعدا

وقال الفراء: الإصعاد الابتداء في كل سفر والانحدار والرجوع منه يقال: أصعدنا من بغداد إلى مكة وإلى خراسان وأشباه ذلك، إذا خرجنا إليها وأخذنا في السفر وانحدرنا إذا رجعنا.
وأنشد أبو عبيدة:

لقد كنت تبكين على الاصعادفاليوم سرحت وصاح الحادي

ودليل قراءة العامة قول النبي صلى الله عليه وسلم للمنهزمين: "لقد ذهبتم فيها عريضة".
وقرأ أُبي بن كعب: إذ تصعدون في الوادي، ودليل فتح التاء والعين ما روى أنهم صعدوا في الجبل هاربين وكلتا القراءتين صواب، فقد كان يومئذ من المنهزمين مصعد وصاعد. وقال المفضل: صعد وأصعد وصعّد بمعنى واحد.
{وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} يعني ولا يعرجون ولا يقيمون على أحد منكم، لا يلتفت بعض إلى بعض هرباً.
وقرأ الحسن: ولا يلوُن بواو واحدة اتباعاً للخط، كقولك: استحببت واستحبت على أحد.
قال الكلبي: يعني على محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ} أي في آخركم ومن ورائكم إليَّ عباد الله فأنا رسول الله من بكّر فله الجنة، يقال: جاء فلان في آخر الناس وآخرة الناس واقرى الناس وأُخراة الناس وأُخريات الناس، فجاز لكم جعل الأنابة بمعنى العقاب وأصلها في الحسنات كقوله:
{ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [الانشقاق: 24].
قال الشاعر:

أخاف زياداً أن يكون عطاؤهأداهم سودا أو محدرجة سمرا

يعني بالسود: القيود والسياط وكذلك معنى الآية، جعل مكان الثواب الذي كنتم ترمون غمّاً بغمّ.
قال الحسن: يعني بغم المشركين يوم بدر.
وقال آخرون: الباء بمعنى على، أي غمّاً على غمَ، وقيل: غمّاً بغم، فالغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والغم الثاني ما نالهم من القتل والهزيمة، وقيل: الغم الأول انحراف خالد ابن الوليد عليهم بخيل من المشركين، والغم الثاني حين أشرف عليهم أبو سفيان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهماً في قوسه فأراد أن يرميه فقال: "أنا رسول الله" ففرحوا حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح النبي حين رأى في أصحابه من يمتنع، فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فأقبل أبو سفيان وأصحابه حتى وقفوا بباب الشعب، ثم أشرف عليهم، فلما نظر المسلمون إليهم، همّهم ذلك وظنّوا أنهم سوف يميلون عليهم فيقتلونهم، فأنساهم هذا ما نالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تُقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض" ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم فنزلوا سريعاً.
{لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} من الفتح والغنيمة {وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ} (ما) في موضع خفض أي: ولا على ما أصابكم من القتل والهزيمة حين أنساكم ذلك هذا الغم، وهمّكم ما أنتم فيه غماً قد أصابكم قبل.
فقال الفضل: (لا) صلة معناه: لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم عقوبة لكم في خلافكم إياه، وترككم المركز كقوله:
{ لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ } [الحديد: 29] . {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ}، روى عبد الله بن الزبير بن العوام عن أبيه قال: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف أرسل الله علينا النوم، والله لا نسمع قول مصعب بن عمير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلاّ كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا، فأنزل الله تعالى {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ} يا معشر المؤمنين وأهل اليقين، {أَمَنَةً} يعني أمناً، وهي مصدر كالعظمة والغلبة، وقرأ ابن محيصن: أمنة بسكون الميم.
{نُّعَاساً} بدل من الأمنة {يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ}، قرأ ابن محيصن والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (تغشي) بالتاء رداً إلى الأمنة، وقرأ الباقون: بالياء رداً إلى النعاس، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، قال أبو عبيد: لأن النعاس يلي الفعل، فالتذكير أولى به ممّا بعد منّه.
قال ابن عباس: آمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم بعد فرق، وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام، ونظيره في سورة الأنفال في قصة بدر.
روى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أُحد فجعلت ما أرى أحداً من القوم إلاّ وهو يميد تحت جُحفته من النعاس.
قال أبو طلحة: وكنت ممّن أُلقي عليه النعاس يومئذ، وكان السيف يسقط من يدي فآخذه، ثم يسقط السوط من يدي من النوم فآخذه.
{طَآئِفَةً} يعني المنافقين، وهب بن قشير وأصحابه، وهو رفع على الابتداء وخبرها في قوله: و{يَظُنُّونَ} {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} أي حملتهم على الهمّ، يقال: أمر مهم، ومنه قول العرب: همّك ما أهمّك.
{يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ} أي لا ينصر محمداً، وقيل: ظنوا أن محمداً قد قتل {ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} أي كظن أهل الجاهلية والشرك {يَقُولُونَ هَل لَّنَا} أي ما لنا، لفظ استفهام ومعناه هل {مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} يعني النصر {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ}.
قرأ أبو عمرو ويعقوب: (كلّه) على الرفع بالابتداء وخبره في قوله: لله وصار هذا الابتداء والجملة خبراً لإنّ، كما يقول: إن عبد الله وجهه حسن، فيكون عبد الله مبتدأ ووجهه ابتداء ثانياً وحسن خبره، وجملة الكلام خبر للإبتداء الأول.
وقرأ الباقون: (كله) بالنصب على البدل، وقيل: على النعت.
وروى مجاهد عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} يعني به التكذيب بالقدر، وذلك أنّهم يظنوا في القدر، فقال الله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} يعني القدر خيره وشرّه من الله وهو قولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} وذلك أنّ المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولمّا قتل رؤساؤنا، فقال الله: قل لهم: {لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ} لخرج.
وقال ابن أبي حيوة: (لبُرّز) بضم الباء وتشديد الراء على الفعل المجهول.
{ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ}، قرأ قتادة: القتال {إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} مصارعهم، {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ} ليختبر الله {مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ} يخرج ويطهّر {مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} بما في القلوب من خير أو شر {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ} انهزموا {مِنكُمْ} يا معشر المؤمنين {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} جمع المسلمين والمشركين {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ}.
قال المفضل: حملهم على الزلل، وهو استفعل من الزلّة وهي الخطيئة.
وقال القتيبي: طلب زلتهم، كما يقال: استعجلت عليها، أي طلبت عجلته، واستعجلته طلبت عمله، وقيل: أزل واستزل بمعنى واحد.
وقال الكلبي: زيّن لهم الشيطان أعمالهم حينما كسبوا، أي بشؤم ذنوبهم، قال المفسرون: بتركهم المراكز، وقال الحسن: ما كسبوا قبولهم من إبليس وما وسوس إليهم من الهزيمة.
{وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.
وروى إبراهيم بن إسحاق الزهري، أن جعفر بن عون حدثهم أن زائدة حدثهم عن كليب ابن وائل قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان أكان شهد بدراً؟ قال: لا، قال: أكان شهد بيعة الرضوان؟ قال: لا، قال: أفكان من الذين تولّوا يوم التقى الجمعان؟ قال: نعم، فقيل له: إن هذا يرى أنك قد عبته، فقال: عليّ به، أمّا بدر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب له بسهمه، وأما بيعة الرضوان فقد بايع [له] رسول الله صلى الله عليه وسلم ويد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من يد عثمان، وأما الذين تولوا يوم التقى الجمعان [فإن الله قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ}] فاذهب فاجهد عليّ جهدك.