التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ
١٨٧
لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
١٨٨
وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٨٩
إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ
١٩٠
ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
١٩١
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
١٩٢
رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ
١٩٣
رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ
١٩٤
فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ
١٩٥
-آل عمران

الكشف والبيان

{وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} في أمر محمد صلى الله عليه وسلم {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} . قرأ عاصم وأبو عمر وأهل مكة: بالياء فيهما واختاره أبو عبيد.
الباقون: بالتاء واختاره أبو حاتم، فمن قرأ بالتاء فعلى إضمار القول، أي قال: ليبيننه، ودليله قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم [آل عمران: 81] ومن قرأ بالياء فلقوله: {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} طرحوه وضيعوه وتركوا العمل به.
{وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} يعني المأكل {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}.
قال قتادة: هذا لميثاق الله أخذ على أهل مكة ممّن علم شيئاً فليعلّمه، وإيّاكم وكتمان العلم فإنه هلكة.
وقال محمد بن كعب: لا يحل لعالم أن يسكت على علمه ولا لجاهل أن يسكت على جهله، قال الله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} الآية، وقال:
{ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } [النحل: 43].
ثابت بن البناني عن أبي رافع عن أبي هريرة أنه قال: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه الآية {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ} . أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"من كتم علماً عن أهله أُلجم يوم القيامة لجاماً من نار" .
وعن الحسن بن عمارة قال: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألقيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أُحدثك. فقال: حدثني. فقلت: حدثني الحكم ابن عيينة عن نجم الجزار قال: سمعت علياً (عليه السلام) يقول: "ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا" قال: فحدثني بأربعين حديثاً.
{لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} يحسبن بالياء، قرأه حميد بن كثير وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وأبو عمرو، وغيرهم بالتاء، فمن قرأه بالياء فمعناه: ولا يحسبن الفارحون منجياً لهم من العذاب، ومن قرأ بالتاء فمعناه: ولا تحسبن يا محمد الفارحين بمفازة من العذاب، وخبره في الباء.
وقوله: {تَحْسَبَنَّ} بالتاء، وفتح الباء إعادة تأكيد.
وقرأ الضحاك وعيسى: (لا تحسبن) بالتاء وضم الباء، أراد محمداً وأصحابه.
وقرأ محمد وابن كثير وأبو عمرو ويحيى بن يعمر: بالياء وضم الباء خبراً عن الفارحين، أي فلا تحسبن أنفسم، واختلفوا فيه فيمن نزلت هذه الآية.
روى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري:
"أن رجالا من المنافقين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: يا رسول الله لو خرجت إلى الغزو لغزونا معك، فإذا خرج (عليه السلام) خلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، فإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه فيقبل عذرهم وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا" .
وروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن رافع بن خديج: أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان وهو يومئذ أمير المدينة فقال مروان لرافع: في أي شيء أُنزلت هذه الآية: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ}؟ فقال رافع: أنزلت في أناس من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تخلفوا عنهم، فأنكر مروان وقال: ما هذا؟ فجزع رافع من ذلك وقال لزيد بن ثابت: أنشدك الله هل تعلم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال زيد: نعم، فخرجا من عند مروان، فقال زيد لرافع وهو يمزح معه: أما تحمد في ما شهدت لك وقال رافع: وأي شيء هذا؟ أحمدك على أن تشهد بالحق؟ قال زيد: نعم قد حمد الله على الحق أهله.
وقال عكرمة: نزلت في فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار، يفرحون بإضلالهم الناس، وبنسبة الناس إياهم إلى العلم، وقولهم إنهم علماء وليسوا بأهل علم لم يحملوهم على هدى ولا خير.
الضحاك والسدي: هم يهود أهل المدينة كتبوا إلى يهود اليمن والشام وأطراف الأرض: أن محمداً ليس برسول فاثبتوا على دينكم. فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا فنحن على دين إبراهيم ونحن أهل العلم الأول، وليسوا كذلك.
مجاهد: هم اليهود فرحوا بإعجاب الناس تبديلهم الكتاب، وجهدهم إياه عليه.
سعيد بن جبير: هم اليهود فرحوا بما أعطى الله إبراهيم وهم براء من ذلك.
وروى ابن أبي مليكة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أنّ مروان بن الحكم قال لمولاه: يا أبا رافع اذهب إلى ابن عباس وقل له: إن كان كل امرىء منا يفرح بما أوتي وأحب أن يحمد لما لم يفعل معذباً لنغدين جميعاً. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية، إنما دعا رسول الله اليهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره وأروه أنهم أخبروه بما قد سألهم عنه، فاستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بكتمانهم إياه ذلك، فنزلت هذه الآية.
قتادة ومقاتل: أتت يهود خيبر لنبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: نحن نعرفك ونصدقك وإنّا على رأيكم ونحن لكم ردأً، وليس ذلك في قلوبهم،فلما خرجوا من عنده قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟ قال: عرفناه وصدقناه، فقال لهم المسلمون: أحسنتم هكذا فافعلوا، فحمدوهم ودعوا لهم فأنزل الله لهم هذه الآية.
وروى شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال: نزلت في ناس من اليهود جهّزوا جيشاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنفقوا عليهم، وقرأها إبراهيم (بما أوتوا) ممدوداً أي أعطوا.
وقرأ سعيد بن جبير {أُوتُواْ} أي أعطوا.
قال الله {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}.
عن عطاء بن أبي رباح قال:
"دخلت مع ابن عمر إلى عائشة رضي الله عنها فقال ابن عمر: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله؟ فبكت فأطالت ثم قالت: كل أمر رسول الله عجب، أتاني في ليلتي فدخل معي في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عائشة هل لك أن تأذني لي في عبادة ربّي عزّ وجلّ؟ فقلت: والله يا رسول الله إني لأحبّ قربك وأحبّ هواك قد أذنت لك، فقام عليه الصلاة والسلام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حجره، ثم رفع يده فجعل يبكي حتى رأيت الدموع قد بلت الأرض، فأتاه بلال بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً ثم قال: ومالي لا أبكي وقد أنزل الله تعالى في هذه الليلة عليَّ {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" .
وعن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما عن أبيه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إلى قوله {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}"
. عمرو بن موسى عن قتادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أشدّ آية في القرآن على الجن {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}" الآية.
سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم به موسى من الآيات؟
فقالوا: عصاه ويده البيضاء للناظرين. وسألوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟
قالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع لنا ربّك يجعل لنا الصفا ذهباً، فأنزل الله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية ثم وصفهم فقال: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً}.
قال علي وابن عباس والنخعي وقتادة: هذا في الصلاة يصلي قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً فإن لم يستطع فعلى جنبه، يسر من الله وتخفيف.
وقال سائر المفسرين: أراد به ذكر الله تعالى، ووصفهم بالمداومة عليه، إذ الإنسان قلما يخلوا من معنى هذه الحالات الثلاثة، نظيره قوله في سورة النساء.
عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله" .
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ذكر الله تعالى علم الإيمان وبرء من النفاق وحصن من الشيطان وحرز من النيران" .
وقال الله تعالى لموسى (عليه السلام): يا موسى اجعلني منك على بال ولا تنس ذكري على كل حال، وليكن همّك ذكري فإنّ الطريق إليَّ.
{وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إنّ لها صانعاً قادراً ومدبراً حكيماً.
روى حماد عن علي بن زيد عن أبي الصلت عن أبي هريرة:
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أُسري به إلى السماء السابعة فإذا ريح ودخان وأصوات قال: فقلت: ما هذا يا جبرئيل؟ قال: هذه الشياطين يحرقون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب" .
وكان ابن عور يقول: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية، كما يحدث الماء الزرع والنبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة. وحُكِي أن سفيان الثوري صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء فلما رأى الكواكب غُشي عليه. وكان سفيان يبول الدم من طول حزنه وفكره.
زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"بينما رجل مستلقي على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لي ربّاً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له" .
وقال أبو الأحوص: بلغني أن عابداً يعبد في بني إسرائيل ثلاثين سنة وكان الرجل منهم إذا تعبّد ثلاثين سنة أظلته غمامة ولم ير شيئاً، فشكى ذلك إلى والده. فقال له: يا بُني فكّر هل أذنبت ذنباً منذ أخذت في عبادتك؟ قال: لا، ولا أعلمني هممت به منذ ثلاثين سنة. قال: يا بني بقيت واحدة إن نجوت منها رجوت أن يظلك؟ قال: وما هي؟ قال: هل رفعت طرفك إلى السماء ثم رددته بغير فكرة؟ قال: كثير. قال: من هاهنا أتيت. {مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} ذهب به إلى لفظ الخلق ولو ردّه إلى السماوات والأرض، لقال: هذه باطلا عبثاً هزلا، بل خلقته لأمر عظيم.
وانتصاب (الباطل) من وجهين: أحدهما: بنزع الخافض، أي للباطل وبالباطل. والآخر: على المفعول الثاني.
{سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} أهنته.
وقال المفضل: أهلكته، وأنشد:

أخزى الإله من الصليب عبيدهواللابسين قلانس الرهبان

وقيل: فضحته، نظيره قوله: { وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي } [هود: 78] . واتخذ القائلون بالوعيد هذه الآية جُنّة، فقالوا: قد أخبر الله سبحانه أنه لا يخزي النبي والذين آمنوا معه ثم قال: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} فوجب أن كل من دخل النار فليس بمؤمن وأنه لا يخرج منها.
واختلف أهل التأويل في هذه الآية:
فروى قتادة عن أنس في قوله تعالى: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} قال: إنك من تخلد في النار.
وروى الثوري عن رجل عن ابن المسيب في قوله: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} فقال: هذه خاصة لمن لا يخرج منها.
وروى أبو هلال الرّاجي عن قتادة في قوله: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} إنك من تخلد في النار، ولا نقول كما قال أهل حروراء، حدثنا بذلك أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يخرج قوم من النار" .
وقال بعضهم: (إنك من تدخل النار) من خلد فيها ومن لم يخلد فقد أخزيته بالعذاب والهلاك والهوان. قال عمرو بن دينار: قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة، فانتهيت إليه أنا وعطاء فقلت له: (ربّنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته)، قال: وما إخزاؤه حين أحرقه بالنار إن دون ذلك لخزياً.
وقال أهل المعاني: الخزي يحتمل الحياء، يقال: خزيٌ يخزي، خزاية إذا استحيا.
قال ذو الرمّة:

خزاية أدركته عند جوليهمن جانب الحبل مخلوطاً بها الغضب

وقال القطامي في الثور والكلاب:

حرجاً وكر كرور صاحب نجدةخزي الحرائر أن يكون جباناً

أي يستحي، فخزي المؤمنين الحياء، وخزي الكافرين الذل والخلود في النار.
{وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ينادي للإيمان أي إلى الإيمان، كقوله:
{ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } [الأنعام: 28].
وقيل: اللام بمعنى أجل.
قال قتادة: أخبركم الله عزّ وجلّ عن مؤمني الإنس كيف قالوا وعن مؤمني الجن كيف قالوا، فأما مؤمنوا الجن فقالوا:
{ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ } [الآية: 1-2] وأما مؤمنوا الإنس فقالوا {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}.
{رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ} أي في جملة الأبرار {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ} على ألسِنَة رسلك كقوله:
{ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } [يوسف: 81].
وقرأ الأعمش: (رسلك) بالتخفيف.
{وَ تُخْزِنَا} لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنّا {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} يعني قيل: ما وجه قولهم: (ربّنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) وقد علموا وزعموا أن الله لا يخلف الميعاد، والجواب عنه: إن لفظه الدعاء، ومعناه الخبر تقديره: (واغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنّا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار) ولا تخزنا، وتؤتينا ما وعدتنا على ألسن رسلك من الفضل والرحمة والثواب والنعمة، وقيل معناه: واجعلنا ممّن تؤتيهم ما وعدت على ألسنة رسلك ويستحقون ثوابك، لأنهم ما تيقنوا إستحقاقهم لهذه الكرامة، فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها، ولو كان القوم قد شهدوا بذلك لأنفسهم، لكانوا قد زكّوها وليس ذلك من صفة الأبرار.
وقال بعضهم: إنما سألوا ربّهم تعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء وإعزاز الدين، لأنها حكاية عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: قد علمنا أنك لا تخلف وعدك من النصر والظفر على الكفار، ولكن لا صبر لنا على حكمك، فعجّل خزيهم وانصرنا عليهم.
ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"من وعده الله على عمل ثواباً فهو منجز وعده، ومن أوعد على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار" .
عن الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: سألني عمرو بن عبيد: أيخلف الله وعده؟ قلت: لا. قال: فيخلف الله وعيده؟ قلت: نعم. قال: ولِمَ؟ قلت: لأن في خلفه الوعد علامة ندم وفي خلفه الوعيد إظهار الكرم، ثم أنشأ يقول:

ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتيولا أختبي من خشية المتهدد
إني وإن أوعدته أو وعدتهلمخلف إيعادي ومنجز موعدي

عن سعيد المقبري عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر آل عمران كل ليلة.
وعن يزيد بن أبي حبيب: أن عثمان بن عفان (رضي الله عنه) قال: من قرأ في ليلة {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إلى آخرها كتبت له بمنزلة قيام ليلة.
{فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ}.
روى أبو بكر الهذلي عن الحسن قال: ما زالوا يقولون: ربّنا ربّنا حتى استجاب لهم ربّهم.
وروى عن الصادق أنه قال: من حزَّ به أمر فقال خمس مرات: ربنا أنجاه الله ممّا يخاف وأعطاه ما أراد. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: اقرؤا إن شئتم الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً إلى قوله تعالى الميعاد.
فأما نزول الآية: فقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء بشيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قال: وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا {أَنِّي} أي بأني أو لأني، نصب بنزع الخافض.
وقرأ عيسى بن عمر: (إني) بكسر الألف، كأنه أضمر القول أو جعل الإستجابة قولا.
{لاَ أُضِيعُ} لا أحبط ولا أبطل {عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ} أيها المؤمنون {مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ}.
قال الكلبي: يعني من الدين والنصرة والموالاة، وقيل: حكم جميعكم في الثواب واحد، وقيل: كلكم من آدم وحواء.
الضحاك: رجالكم بشكل نسائكم في الطاعة ونساؤكم بشكل رجالكم في الطاعة، نظيرها قوله:
{ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } [التوبة: 71].
{فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي} أي في طاعتي، وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة وآذوهم {وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ}.
قرأ محارب بن دثار: (وقتلوا) بفتح القاف وقاتلوا.
وعن يزيد بن حازم قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقرأ: (وقتلوا وقتلوا) يعني أنهم قتلوا من قتلوا من المشركين ثم قتلهم المشركون.
وقرأ أبو رجاء والحسن وطلحة: (وقاتلوا وقتِّلوا) مشدداً.
قال الحسن: يعني إنهم قطّعوا في المعركة.
وقرأ عاصم وأبو عبيد وأهل المدينة: (وقاتلوا وقتلوا) يريد أنهم قاتلوا ثم قتلوا.
وقرأ يحيى بن وثَّاب والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (وقتلوا وقاتلوا) ولها وجهان: أحدهما وقاتل من بقى منهم، تقول العرب: قتلنا بني تميم، وإنما قتلوا بعضهم. والوجه الآخر: بإضمار (قد) أي وقتلوا وقد قاتلوا.
قال الشاعر:

تصابى وأمسى علاه الكبر

{لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ}.
قال الكسائي: نصب (ثواباً) على القطع، وقال المبرد: مصدر ومعناه: لأتينهم ثواباً.
{وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ}.
عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إن الله عزّ وجلّ يدعوا يوم القيامة بالجنة ويأتي بزخرفها وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيل الله وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة، فيدخلونها بغير حساب ولا عذاب، فتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربّنا نسبح الليل والنهار ونقدس لك من هؤلاء الذين آثرتهم علينا، فيقول الله عزّ وجلّ: هؤلاء عبادي الذين أوذوا في سبيلي، فيدخل عليهم الملائكة يقولون: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" .