التفاسير

< >
عرض

الۤمۤ
١
ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ
٢
نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ
٣
مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ
٤
إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ
٥
هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٦
هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
٧
-آل عمران

الكشف والبيان

أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر الزبير، ومحمد بن مروان عن الكلبي، وعبد اللّه بن أبي جعفر الرازي عن أبيه عن الربيع بن أنس، قالوا: نزلت هذه في وفد نجران، وكانوا ستين راكباً قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلَّم وفيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وفي الاربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم العاقب، وهو أميرهم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدَّرون عن رأيه، واسمهُ عبد المسيح. والسيَّد (عالمهم) وصاحب رحلهم واسمه (الأيْهم ويقال: شرحبيل) وأبو حارثة بن علقمة الذي يعتبر حبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم، وكان قد شرف فيهم ودرَّس كهنتهم من حسن عمله في دينهم، وكانت ملوك الروم قد شرّفوه (وموّلوه وبنو له) الكنائس لعلمه واجتهاده.
فقدموا على رسول اللّه المدينة ودخلوا مسجدهُ حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرة وأردية مكفوفة بالحديد، في جمال رجال بلحرث بن كعب، يقول بعض مَن رآهم من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلَّم: ما رأينا وفداً مثلهم!
وقد حانت صلاتهم فقاموا وصلَّوا في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلَّم وصلَّوا الى المشرق.
فكلَّم السيد والعاقب رسوال اللّه. فقال رسوال اللّه صلى اللّه عليه وسلَّم: أسلمنا. قالا: قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما؛ يمنعكما من الإسلام (ادَّعاءكما) لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير.
قالا: إن لم يكن ولد لله فمن (أبيه) وخاصموه جميعاً في عيسى عليه السلام، فقال لهما النبي صلى اللّه عليه وسلم: (إنّه لا يكون ولد إلاّ وشبه أباه. قالوا: بلى، قال: ألستم) تعلمون أن ربَّنا حيٌ لا يموت وإنَّ عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أنَّ ربَّنا قيّم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون إن اللّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى.
قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلاّ ما عُلَّم؟
قالوا: لا.
قال: فإنّ ربَّنا صوَّر عيسى في الرحم كيف شاء وربّنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون إنّ عيسى حملتهُ أمهُ كما تحمل المرأة، ثم وضعتهُ كما تضع المرأة حملها، ثم غذي كما يغذى الصبي، وكان يُطعم ويشرب ويُحدث، قالوا: بلى. قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا.
فأنزل اللّه تعالى فيهم صدر سورة آل عمران الى بضع وثمانين آية منها.
فقال عزَّ من قائل: {الۤمۤ} قرأ ابن جعفر بن زبير القعقاع المدني {ا ل م} مفصولاً، ومثلها جميع حروف التهجَّي المُفتح بها السور.
وقرأ ابن جعفر الرواسي والاعشى والهرحمي: {الۤمۤ ٱللَّهُ} مقطوعاً والباقون موصولاً مفتوح الميم. فمن فتح الميم ووصل فله وجهان:
قال البصريون: لإلتقاء الساكنين حركت إلى أخف الحركات.
وقال الكوفيون: كانت ساكنة؛ لأن حروف الهجاء مبنية على الوقف فلمّا تلقاها ألف الوصل وأدرجت الألف فقلبت حركتها وهي الفتحة الى الميم.
ومن قطع فلهُ وجهان:
أحدهما: نية الوقف ثم قطع الهمزة للإبتداء، كقول الشاعر:

لتسمعنَّ وشيكاً في ديارهماللّه أكبر يا ثاراث عثمانا

والثاني: أن يكون أجراه على لغة من يقطع ألف الوصل.
كقول الشاعر:

إذا جاوز الأثنين سرَّفإنه بنت وتكثير الوشاة قمينُ

ومن فصل وقطع فللتفخيم والتعظيم تعالى {اللَّهِ} إبتداء وما بعده خبر، {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ} نعت له، {نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} قرأ إبراهيم بن أبي عبلة: نزل بتحفيف [الزاي]، الكتاب: برفع الباء، وقرأ الباقون: بتشديد الزاي ونصب الباء على التكثير؛ لأنَّ القرآن كان ينزل نجوماً شيئاً بعد شيء والتنزيل يكون مرّة بعد مرَّة، وقال: {وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ}؛ لأنهما نزلتا دفعة نزل عليك يا محمد الكتاب القرآن {بِٱلْحَقِّ}: بالعدل، والصدق، {مُصَدِّقاً}: موافقاً { لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}: لما قبله من الكتب في التوحيد، والنبوَّات، والأخبار، وبعض الشرائع.
{وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} قال البصريون: أصلها وَوْديه دوجله وحرقله فحوَّلت الواو الاولى تاء وجعلت الياء المفتوحة ألفاً فصارت توراة، ثم كتبت بالياء على أصل الكلمة، وقال الكوفيون: هي تفعله والعلة فيه ما ذكرنا مثل (توصية)، و(توفية) فقلبت الياء ألفاً كما يفعل طي، فيقول للجارية: جاراة، وللناصية: ناصاة، وأصلها من قولهم: "وري الزند" إذا أخرجت ناره وأولته أنا، قال اللّه عز وجل:
{ أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ } [الواقعة: 71]، وقال: { فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً } [العاديات: 2] فتسمى تورية؛ لأنه نور وضياء دلَّ عليه قوله تعالى: { { وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ } [الأنبياء: 48] قاله الفراء، وأكثر العلماء، وقال (المؤرج: ) هي من التورية وهي كتمان الشيء والتعريض لغيره.
ومن الحديث كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلَّم
"إذا أراد شيئاً وري بغيره" .
وكان أكثر التورية معارض وتلويحاً من غير إيضاح وتصريح، وقيل: هي بالعبرانية "نوروثو" ومعناه: الشريعة.
والإنجيل أفضل من (النجل) وهو الخروج، ومنه سميَّ الولد "نجلاً" لخروجه. قال الأعشى:

أنجب أزمان والداه به اذ نجَّلاه فنعم ما نجلا

فسمي بذلك؛ لأن اللّه تعالى أخرج به دارساً من الحق عافياً.
ويقال: هو من المتنجل، وهو سعة الجن، يقال: قطعنه نجلا أي: واسعة فسمي بذلك؛ لأنه أصل أخرجه لهم ووسعه عليهم نوراً وضياء، وقيل: هو بالسريانية "انقليون" ومعناه: الشريعة:
وقرأ الحسن الأنجيل بفتح الهمزة، يصححه الباقون بالكسر مثل: الإكليل.
{مِن قَبْلُ} رفع على الغاية والغاية هاهنا قطع الكتاب عنه كقوله تعالى: {لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} وقال زهير:

وما كان من خير أتوهفإنّما توارثه آباء آبائهم قبل

{هُدًى لِّلنَّاسِ} هاد لمن تبعه، ولم ينته؛ لأنَّه مصدر وهو في محل النصب على الحال والقطع.
{وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} الفرق بين الحق والباطل، قال السدي: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: وأنزل التوراة والانجيل والفرقان هدىً للمتقين.
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} .
{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} .
{هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} ذكراً وأنثى، قصيراً وطويلاً، أسوداً وأبيضاً، حسناً وقبيحاً، سعيداً وشقياً.
{لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}.
{هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} متقنات مبينات مفصلات.
{هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} أي أصله الذي يعمل عليه في الأحكام ويجمع الحلال والحرام ويفرَّغ لأهل الإسلام، وهنَّ آيات التوراة والإنجيل والقرآن، وفي كل كتاب يرضى به أهل كل دين، ولا يختلف فيه أهل كل بلد.
والعرب تسمي كلَّ شيء فاضل جامع يكون مرجعاً لقوم، كما قيل للَّوح المحفوظ: أم الكتاب، والفاتحة: أمُّ القرآن، ولمكَّه: أمَّ القرى وللدماغ: أمُّ الرأس، وللوالدة: أم، وللراية: أم،وللرجل الذي يقوم بأمر العيال: أم، وللبقرة والناقة أو الشاة التي يعيش بها أهل الدار: أم، وكان عيسى (عليه السلام) يقول: "للماء هذا أبي"، وللخبز: "هذه أُمَّي"؛ لأنَّ قوام الأبدان بهما.
وإنَّما قال أُمَّ الكتاب ولم يقل أُمَّهات الكتب ؛ لأنَّ الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة، وكلام اللّه واحدٌ.
وقيل: معناه كلمة واحدة فهُنَّ أُمَّ الكتاب كما قال:
{ وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً } [المؤمنون: 50] أي كل واحد منهما آية.
{وَأُخَرُ}: جمع أخرى ولم يصرف؛ لأنَّه معدول عن أواخر، مثل عُمر، وزفر وهو قاله الكسائي.
وقيل: ترك أخراه؛ لانَّه نعت مثل جُمع، وكُسع لم يصرفا؛ لأنَّهما نعتان.
وقيل: لأنَّه مبني على واحدة في ترك الصرف وواحدة اخرى غير مصروف.
{مُتَشَابِهَاتٌ}: تشبه بعضها بعضا، واختلف العلماء في المحكم والمتشابه كليهما فقال قتادة والربيع والضحاك والسدي: "المحكم: الناسخ الذي يُعمل له".
"والمتشابه: المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به، هي رواية عطيه عن ابن عباس". روى علي ابن أبي طلحة عنه قال: "محكمات القرآن ناسخة، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمر به ويعمل به".
والمتشابه: منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله واقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به.
زهير بن معاوية عن أبي إسحاق قال: قال ابن عباس: قوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} قال: هي الثلاث الآيات في سورة الأنعام
{ { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } [الأنعام: 151] إلى آخر الآيات الثلاث، نظيرها في سورة بني اسرائيل { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ } }. وقال مجاهد، وعكرمة: "المحكم: ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه (يصدَّق) بعضها بعضا".
قد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: المحكم: مالا يُحتمل من التأويل غير وجه واحد.
والمتشابه: ما أحتمل من التأويل أوجهاً.
وقال ابن زبير: من المحكم ما ذكر اللّه تعالى في كتابه من قصص الانبياء (عليهم السلام)، وفصلت وتنتهِ لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمَّته، كما ذكر قصة نوح في أربع وعشرين آية منها، وقصة هود في عشر آيات، وقصّة صالح في ثمان آيات، وقصة إبراهيم في ثمان آيات، وقصة لوط في ثمان آيات، وقصة شعيب في عشر آيات، وقصة موسى في آيات كثيرة.
وذكر (آيات) حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في أربع وعشرين آية.
والمتشابه: هو ما اختلف به الالفاظ من قصصهم عند التكرير، كما قال في موضع من قصة نوح:
{ قُلْنَا ٱحْمِلْ } [هود: 40] وقال وفي موضع آخر: { { فَٱسْلُكْ } [المؤمنون: 27].
وقال في ذكر عصا موسى:
{ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ } [طه: 20] ، وقال في موضع آخر: { ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } [الأعراف: 107] ونحوها.
وإن بعضهم قال: "المحكم: ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه".
"والمتشابه: ما ليس لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر اللّه بعلمه" وذلك نحو الخبر عن وقت خروج الدجّال، ونزول عيسى، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدَّنيا، ومحوها.
وقال أبو فاختة: "المحكمات التي هنَّ أم الكتاب فواتح السور منها يستخرج القرآن
{ { الۤمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ } [البقرة: 1-2] منها استخرجت البقرة، و { الۤمۤ * ٱللَّهُ } [آل عمران: 1-2] أستخرجت آل عمران.
وقال ابن كيسان: "المحكمات حجتها واضحة، ودلائلها لائحة، لا حاجة بمن سمعها الى طلب معانيها في المتشابه الذي شك علمه، بالنظر فيه يعرف العوَّام تفصيل الحق فيه من الباطل".
وقال بعضهم: "المحكم ما أجمع على تأويله، والمتشابه ما ليس معناه واضح".
وقال أبو عثمان: المحكم فاتحة الكتاب.
وقال الشعبي: رأيتُ في بعض التفاسير أنَّ المتشابه هو (ما خفي لفظه والمحكم ما كان لفظه واضح وعلى هذا القرآن كلّه) محكم من وجه على معنى (بشدَّة) [.....]، قال اللّه تعالى:
{ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } [هود: 1] .
والمتشابه من وجه فهو إنَّه يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً.
وقال ابن عبَّاس في رواية شاذان: المتشابه حروف التهجَّي في أوائل السَّور، وذلك بأنَّ حكام اليهود هم حُيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف ونظراءهما أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلَّم فقال له حيَّي: بلغنا أنَّه أُنزل عليك (آلم) أأُنزلت عليك؟ قال: نعم، فإن كان ذلك حقَّاً فإنَّي أعلم من هلك بأُمَّتك وهو إحدى وسبعون سنة فهل أنزلت عليك غيرها؟ قال: نعم والى
{ الۤمۤصۤ } [الأعراف: 1] ، قال: هذه أكبر من تلك هي إحدى وستون ومائة سنة فربما غيرها؟ قال: نعم { الۤر } [يونس: 1] قال: هذه أكثر من مائة وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليلة؟ ونحن ممَّن لا يؤمن بهذا، فأنزل تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}: أي ميل عن الحق، وقيل: شك.
{فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه}: إختلفوا في معنى هذه الآية، فقال الربيع: هم وفد نجران خاصموا النبي صلى اللّه عليه وسلَّم وقالوا: ألست تعلم أنَّه كلمة اللّه وروح منه؟ قال: بلى، قالوا: فحسبنا ذلك، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.
وقال الكلبي: هم اليهود [أجهل] هذه الأمَّة باستخراجه بحساب الجمل. وقال ابن جري: هم المنافقون. [قال] الحسن: هم الخوارج.
وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} قال: إن لم يكونوا آخرون فالسبابيَّة ولا أدري من هم.
وقال بعضهم: هم جميع المُحدثة.
وروي حمَّاد بن سلمة وأبو الوليد يزيد بن أبي ميثم وأبوه جميعاً عن عبد اللّه بن أبي مليكة الفتح عن عائشة: أنَّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم قرأ هذه الآية: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} فقال صلَّى اللّه عليه وسلَّم:
"إذا رأيتم الَّذين يسألون عمَّا تشابه منه ويجادلون فيه الَّذين عنى اللّه عزَّ وجل فاحذروهم ولا تخالطوهم" .
{ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ}: طلب الشرك قالهُ الربيع، والسدي، وابن الزبير، ومجاهد: ابتغاء الشبهات واللبس ليضلّوا بها جهّالهم.
{وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}: تفسيره وعلمهُ دليله قوله تعالى:
{ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } [الكهف: 78] .
وقيل: ابتغاء عاقبته، وطلب مدة أجل محمَّد، وامته من حساب الجمل، دليله قوله تعالى
{ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [النساء: 59] أي عاقبته، وأصلهُ من قول العرب: تأول الفتى إذا انتهى.
قال: الأعشى:

على أنّها كانت تأوّل جهاتأوّل ربعي السقاب فأصحبا

يقول: هذا السجيُ لها فانقرت لها وابتغتها، قال اللّه تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} واختلف العلماء في نظم هذه الآية وحكمها.
فقال قوم: الواو في قوله {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} واو العطف، يعني أن تأويل المتشابه يعلمهُ اللّه ويعلمهُ الراسخون في العلم وهم مع علمهم يقولون: {آمَنَّا بِهِ}.
وهو قول مجاهد والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، واختيار القتيبي قالوا: معناها يعلمونه ويقولون آمنا به فيكون قوله: يقولون، حالاً والمعنى: الراسخون في العلم قائلين آمنَّا به.
قال ابن المفرغ الحميري:

أضربت حبك من امامهمن بعد أيام برامه
الريح تبكي شجوهاوالبرق يلمعُ في الغمامة

أراد والبرق لامعاً في غمامه وتبكي شجوه أيضاً، ولو لم يكن البرق يشرك الريح في البكاء لم يكن لذكر البرق ولمعانهُ معنى.
ودليل هذا التأويل قولهُ:
{ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } [الحشر: 7]. ثم قال: { لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ } [الحشر: 8] الآية.
ثم قال:
{ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ } [الحشر: 9]: أي والذين تبؤوا الدار، ثم قال: { وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ } [الحشر: 10]: . ثم أخبر عنهم أنَّهم { يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا } [الحشر: 10] الآية.
ولا شك في أنَّ قوله:
{ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ } [الحشر: 10]عطف على قوله: { وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ } [الحشر: 9]، وانَّهم يشاركون للفقراء المهاجرين والأنصار في الفيء و { يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا } [الحشر: 10] من جملة { وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ } [الحشر: 10]. فمعنى الآية { وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ } [الحشر: 10] وهم مع استحقاقهم الفيء { يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا } [الحشر: 10] أي قائلين على الحال. فكذلك هاهنا في { يَقُولُونَ رَبَّنَا } [الحشر: 10] أي ويقولون آمنا به.
ومما يؤيد هذا القول أنَّ اللّه تعالى لم ينزل كتابه إلاّ لينتفع له مبارك، ويدل عليه على المعنى الذي ارادهُ فقال:
{ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ } [ص: 29]، وقال: { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } [الشعراء: 195].
والمبين الظاهر، وقال:
{ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ } [الأعراف: 52] . فوصف جميعهُ بالتفصيل والتبيين وقال: { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [النحل: 44] .
ولا يجوز أن تبَّين مالا يعلم، وإذا جاز أن يعرفهُ الرسول صلى اللّه عليه وسلَّم مع قوله لا يعلمهُ إلاّ اللّه، جاز أن يعرفهُ الربانيون من أصحابه.
وقال:
{ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ } [الأعراف: 3] ولا تؤمر باتَّباع مالا يُعلم؛ ولأنَّه لولم يكن للراسخين في العلم هذا لم يكن لهم على المعلمين والجهال فضلُ؛ لأنهم ايضاً يقولون آمنا به.
{كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}: ولأنَّا لم نر من المفسرين على هذه الغاية [قوماً] يوفقوا عن شيء من تفسير القرآن وقالوا: هذا متشابه لا يعلمهُ إلاّ اللّه، بل أعزوه كله وفسروه حتى حروف التهجي وغيرها.
وكان ابن عباس يقول: في هذه الآية: أنا من الراسخين في العلم.
وقرأ مجاهد هذه الآية وقال: أنا ممّن يعلم تأويله.
وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: كل القرآن أعلم ولا أعلم أربعة: غسلين، وحناناً، والاوَّاه، والترقيم. وهذا إنَّما قال ابن عباس في وقت ثم علمها بعد ذلك وفسرَّها.
وقال آخرون: الواو في قوله {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} واو الاستئناف وتم الكلام، وانقطع عند قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} . ثم ابتدأ وقال: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} تلا {وَٱلرَّاسِخُونَ} مبتدأ وخبره في يقولون، وهذا قول عائشة وعروة بن الزبير، ورواية طاوس عن ابن عباس، واختيار الكسائي والفراء والمفضَّل بن سلَّمة ومحمد بن جرير قالوا: إنَّ الراسخين لا يعلمون تأويله، ولكنهم يؤمنون به. والآية راجعة على هذا التأويل الى العلم بما في أجَلَ هذه الأمة ووقت قيام الساعة، وفناء الدنيا، ووقت طلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى (عليه السلام)، وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، وعلم الروح ونحوها مما إستأثر اللّه بعلمه ولم يطلع عليه أحد من خلقه.
وقال بعضهم: [إعلم أنّ المتشابه من الكتاب قد] أستأثر اللّه بعلمه دوننا، ونفسّره نحنُ، ولم نتعبد بذلك. بل ألزمنا العمل بأوامره وإجتناب نواهيه، ومما يصدَّق هذا القول قراءة عبد اللّه أنَّ تأويلهُ لا يُعلم إلاّ عند اللّه، والراسخون في العلم يقولون آمنا به.
وفي حرف [ ]) الراسخون في العلم آمنَّا به.
ودليله أيضاً ما روَّي عن عمر بن عبد العزيز، إنَّه قرأ هذه الآية ثم قال: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن الى أن قالوا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}.
وقال أبو نهيك الأسدي: إنَّكم تصلون هذه الآية وإنَّها مقطوعة وهذا القول أقيس العربَّية وأشبه مظاهر الآية والقصة واللّه أعلم.
والراسخون: الداخلون في العلم الذين أتقنوا علمهم، واستنبطوه فلا يدخلهم في معرفتهم شك، وأصله من رسوخ الشيء في الشيء وهو ثبوته وأوجب فيه يُقال: (رسخ الإيمان في قلب فلان) فهو يرسخ رسخاً ورسوخاً وكذلك في كل شيء ورسخ رصخ، وهذا كما يُقال: مسلوخ ومصلوخ قال الشاعر:

لقد رسخت في القلبِ منك مودةللنبي أبتْ آياتها أن تغيرا

وقال بعض المفسّرين من العلماء: الراسخون علماً: مؤمني أهل الكتاب، مثل عبد اللّه بن سلام و [ابن صوريا وكعب].
[قيل: ] الراسخون في العلم هم بعض الدارسين علم التوراة.
وروي عن أنس بن مالك [وأبي الدرداء وأبي أمامة]:
"أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سُئل مَنْ الراسخون في العلم؟ فقال: منْ برَّت يمينهُ، وصدق لسانهُ واستقام قلبهُ، وعف بطنهُ وفرجهُ، فذلك الراسخ في العلم" .
وقال وهيب: سمعتُ مالك بن أنس يُسأل عن تفسير قولهِ {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} من هم؟ قال: العالم العامل بما علم تبع له.
وقال نافع بن يزيد: كما أن يُقال الراسخون في العلم المؤمنون بالله، المتذللون في طلب مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا [يحقّرون] من دونهم.
وقال بعضهم: {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ}: من وجد في عملهِ أربعة أشياء:
التقوى بينهُ وبين اللّه تعالى، والتواضع بينهُ وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينهُ وبين نفسهُ.
وقال ابن عباس ومجاهد والسدي بقولهم: (آمنا به) سمّاهم اللّه تعالى: الراسخين في العلم؛ فرسوخهم في العلم قولهم: آمنا به أي بالمتشابه {كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، ما علمناه وما لم نعلمهُ.
قال المبرد: زعم بعض الناس أن (عند) ههنا صلة ومعناهُ كل من ربَّنا. {وَمَا يَذَّكَّرُ}: يتعظ بما في القرآن.
{إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}: ذووا العقول ولبَّ كل شيء خالصه [فلذلك قيل للعقل لب].