التفاسير

< >
عرض

ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٢٨
بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٢٩
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٣٠
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٣١
مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
٣٢
وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
٣٣
لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
٣٤
أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ
٣٥
-الروم

الكشف والبيان

قوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} مِنْ عبيدكم وإمائكم {مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ} من المال {فَأَنتُمْ} وهم {فِيهِ} شرع {سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} قال ابن عبّاس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً، وقيل: تخافون هؤلاء الشركاء أن يقاسموكم أموالكم كما يقاسم بعضكم بعضاً، وهذا معنى قول أبي محلز، فإذ لم تخافوا هذا من مماليككم ولم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها لي شركاء؟ وأنتم وهم عبيدي وأنا مالككم جميعاً، فكما لا يجوز استواء المملوك مع سيّده فكذلك لا يجوز استواء المخلوق مع خالقه.
ثمّ قال: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ ٱللَّهِ}.
دين الله وهو نصب على المصدر أي فطر فطرة. ومعنى الآية: إنّ الدّين الحنيفية، فطرة الله {ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} وقيل: نصب على الإغراء. {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ} لدين الله، أي لا يصلح ذلك ولا ينبغي أن يفعل، ظاهره نفي ومعناه نهي، هذا قول أكثر العلماء والمفسِّرين. وقال عكرمة ومجاهد: لا تغيير لخلق الله من البهائم بالخصاء ونحوه.
أخبرنا محمد بن عبدالله بن حمدون، عن أحمد بن محمد بن الحسن، عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما تنتج البهيمة بهيمة هل تحسون فيها من جدعاء؟" قال: ثمّ يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} الآية.
وأخبرني عبدالله بن حامد قال: أخبرني أبو بكر محمد بن جعفر المطيري، عن أحمد بن عبدالله بن يزيد المؤدّب عن عبد الرزاق، وأخبرنا أبو سعيد التاجر قال: أخبرني أبو حامد الشرقي، وحدّثنا محمد بن يحيى وعبد الرحمن بن بشر والسلمي، قالوا: قال عبد الرزّاق عن معمر عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه قال:
"ما من مولود إلاّ يولد على هذه الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه كما تنتجون البهيمة فهل تجدون فيها من جدعاء حتّى تكونوا أنتم تجدعونها؟ قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين" .
وقال الأسود بن سريع: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات وأنّ قوماً تناولوا الذرّية بالقتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام قتلوا المقاتلة ثمّ تناولوا الذرّية؟، فقال رجل: يا رسول الله إنّما هم أولاد المشركين، فقال صلى الله عليه وسلم: إنّ خياركم أولاد المشركين، والذي نفسي بيده ما من مولود إلاّ يولد على الفطرة فما يزال عليها حتّى يبيّن عنه لسانه فأبواه يهوّدانه وينصّرانه" .
وروى قتادة عن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن عياض بن حمار المجاشعي قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: "إنّ الله أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني في يومي هذا وأنّه قال: إن كلّ مال نحلته عبادي فهو لهم حلال وإنّي خلقت عبادي كلّهم حنفاء فأتتهم الشياطين فاحتالتهم عن دينهم وحَرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأَمَرتُهُم أنْ يشركوا بي ما لم أُنزّلْ به سلطاناً" . وذكر الحديث.
قال أبو بكر الورّاق: فطرة الله التي فطر النّاس عليها هي الفقر والفاقة. {ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} المستقيم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.
قوله تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً} فرقاً كاليهود والنصارى.
أخبرني الحسين بن محمد بن عبدالله الدينوري، عن محمد بن عمر بن إسحاق بن حبيش الكلواذي، عن عبدالله بن سليمان بن الأشعث، عن محمد بن مصفى، عن بقية بن الوليد عن شعبة أو غيره، عن مجالد، عن الشعبي، عن شريح، عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة:
"يا عائشة إنّ الّذين فارقوا دينهم وكانوا شيعاً هم أهل البدع والضّلالة من هذه الأمّة، يا عائشة إنَّ لكلّ صاحب ذنب توبة إلاّ صاحب البدع والأهواء ليست لهم توبة، أنا منهم بريء وهم منّي براء" .
{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} قوله: {وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً} خصباً ونعمة {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وفي مصحف عبدالله وليتمتّعوا {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً}. قال ابن عبّاس والضحّاك: حجّةً وعذراً. قتادة والربيع: كتاباً.
{فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} ينطق {بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} يعذرهم على شركهم ويأمرهم به.