التفاسير

< >
عرض

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً
٧٩
مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
٨٠
وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً
٨١
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً
٨٢
وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً
٨٣
فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً
٨٤
-النساء

الكشف والبيان

{ مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} أي من خير ونعمة {فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ} أي بلية وأمر تكرهه {فَمِن نَّفْسِكَ} أي، من عندك وأنا الذي قدرتهما عليك، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، نظيره.
قوله
{ وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى: 30].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ما من خدش بعود ولا اختلاج عرق ولا عثرة قدم إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر" .
وروى الهروي عن سفيان بن سعيد عمن سمع الضحاك بن مزاحم يقول: ماحفظ الرجل القرآن ثم نسيه إلاّ بذنب، ثم قرأ { وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } [الشورى: 30] قال: فنسيان القرآن أعظم المصائب.
وقال بعضهم: هذه الآية متصلة بما قبله، وتقديره: فما لهؤلاء القوم لم يكونوا يفقهون حديثاً حتى يقولوا: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك؟ وتعلق أهل القدر بهذه الآية وقالوا: نفى الله السيئة عن نفسه بقوله {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} ونسبها إلى العبد، فيقال لهم: إن ما حكى الله تعالى لنبيه من قول المنافقين، إنهم قالوا إذا أصابتهم حسنة، هذه من عند الله، فإن تصبهم سيئة يقولوا: هذه من عندك، لم يرد به حسنات الكسب، ولا سيئاته، لأن الذي منك فعل غيرك بك لا فعلك، ولذلك نسب إلى غيرك.
كما قال
{ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } [آل عمران: 120] { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ } [الآعراف: 131] وكل هذه سبب من الأسباب لامن الكسب ألا ترى إنه نسبها إلى غيرك، ولم يذكر بذلك ثواباً ولا عقاباً، فلما ذكر حسنات العمل والكسب وسيآتهما نسبهما إليك وذكر فيها الثواب والعقاب. كقوله { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا } [الأنعام: 160] وكان ما حكى الله عن المنافقين من قولهم في الحسنات والسيئات لم يكن حسنات الكسب ولا سيئاته، ثم عطف عليه قوله {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} إلى نفسك فلم يكن بقوله {فَمِن نَّفْسِكَ} مثبتاً لما قد نفاه، ولا نافياً لما قد أثبته، لأن ذلك لايجوز على الحكيم جل جلاله، لكن من السبب الذي استحق هذه المصيبة، وكان ذلك من كسبه، ومنه قوله { وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى: 30] فجعل هذه المصيبة جزاءً للفعل فإذا أوقع الجزاء لم يوقعه إلاّ على ما نسبه إلى العباد، كقوله { جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [السجدة: 17] { جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [التوبة: 82] وقوله {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} ليس فيه دليل على إنه لايريد السيئة ولا يفعلها ولكن ما كان جزاءً، فنسبته إلى العبد على [طريق] الجزاء.
{وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ} يامحمد {رَسُولاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} على إنك رسول صادق.
وقيل فيك {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} على أن الحسنة والسيئة كلها من الله {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:
"من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبّني [أحبّه الله]" ، فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلاّ أن نتّخذه رباً، كما في حديث النصارى لعيسى، فأنزل الله تعالى {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ} فيما أمر به فقد أطاع الله {وَمَن تَوَلَّىٰ} عنه {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي حافظاً ورقيباً.
وقال القتيبي: محاسباً، فنسخ الله تعالى هذه الآية الشريفة، وأمره بقتال من خالف الله ورسوله {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} يعني المنافقين وذلك إنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنّا آمنّا بك فمرنا من أمرك طاعةً، وهم يكفرون به في السر، وقوله (طاعة) مرفوعة على معنى منّا طاعة وأمرك طاعة وكذلك قوله (لا تقسموا طاعة) مرفوعة أي قولوا، سمعاً وطاعة، وكذلك قوله
{ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } [محمد: 20-21] وليست مرتفعة إليهم بل هي مرتفعة على الوجه الذي ذكرت. {فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ} أي خرجوا {بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ} أي زوّر وموّه وقيل هنا.
فقال قتادة والكلبي: بيّت أي غيّر وبدّل الذي عهد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ويكون السبب معنى التبديل.
قال الشاعر:

بيّت قولي عبد المليكقاتله الله عبداً كفوراً

وقال القتيبي وأبو عبيدة: (بيّت طائفة منهم) أي قالوا وقدروا ليلاً غير الذي أعطوك نهاراً، وكل شيء قدرّ بليل من شر فهو تبييت.
قال عبيدة بن الهمام:

أتوني فلم أَرض ما بيّتواوكانوا أتوني بشيء نكر
لأنكح أيّمهم منذراًوهل ينكح العبد حر بحر

وقال النمر بن تولب:

هبت لتعذلني بليل أسمعيسفهاً تبيتك الملامة فاهجعي

وقال أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش: يقول العرب للشيء إذا قدر قد بيّت، يشبهونه تقدير بيوت [الشعر].
{وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} أي ما يغيرون ويزورون ويقدرون.
الضحاك عن ابن عباس: يعني ما تسرّون من النفاق {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} يا محمد فلا تعاقبهم {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أي كفيلاً، وثقةً، وناصراً بالانتقام لك منهم، فنسخ الله تعالى قوله {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} بقوله:
{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ } [التوبة: 73] بالسيف { وَٱلْمُنَافِقِينَ } بالكلام الغليظ.
فإن قيل: ما وجه الحكمة في (أعدائه) ذكر مهلهم. ثم قال (بيت طائفة منهم) فصرف الخطاب من (جلهم) إلى بعضهم.
يقال: إذ إنما عَبر عن حال من علم الله وبقي على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فإنه صفح عن ذكرهم، وقد قيل: إنه غير عن حال من أحوالهم قد تستّر في أمره، فأما من سمع وسكت فإنه لم يذكرهم، وفي قوله {مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} دليل على إبطال قول من زعم أنّ السنّة تعرُض على الكتاب لم يعمل بها وذلك إن كل ما نص الله عز وجل، عليه فإنّما صار فرضاً بالكتاب، فإذا عدم النص من الكتاب، وورد به السنّة فوجب إتباعها، ومن خالفها فقد خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خالف رسول الله فقد خالف الله، لأن في طاعة الرسول طاعة الله، فمن زعم أنه لم يقبل خبره إلاّ بعد أن يعرض على كتاب الله، فقد أبطل كلّ حكم ورد عنه ما لم ينصّ عليه الكتاب.
وأما قوله {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} ففيه دليل على أنّ من لم يعتقد الطاعة فليس بمطيع على الحقيقة، وذلك أن الله تعالى لمّا تحقّق طاعتهم فيما أظهروه، فقال: ويقولون ذلك لأنّه لو كان للطاعة حقيقة إلاّ بالاعتقاد لحكم لهم بها [فثبت] أنه لا يكون المطيع مطيعاً، إلاّ باعتقاد الطاعة مع وجودها.
{أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} يعني أفلا يتفكّرون في القرآن، فيرون بعضه يشبه بعضاً، ويصدق بعضه بعضاً، وإن أحداً من الخلائق لم يكن يقدر عليه فسيعلمون بذلك إنه من عند الله إذ {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} أي تفاوتاً وتناقضاً {كَثِيراً} هذا قول ابن عباس.
وقال بعضهم: ولو كان هو من عند غير الله لوجدوا فيه أي في الإخبار عما غاب عنهم. ما كان وما يكون إختلافاً كثيراً، يعني تفاوتاً بيناً. إذا الغيب لايعلمه إلاّ الله فيعلم بذلك أنه كلام الله وأنّ محمداً رسول الله صادق، وفي هذه الآية دليل على أنّ القرآن غير مخلوق إذ هو معرى عن الإخلاق من كل الجهات ولو كان مخلوقاً لكان لا يخلو من اختلاف وتفاوت.
{وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ} الآية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا فإذا غلبوا أو غُلبوا بادر المنافقون إلى الاستفسار عن حال السرايا فيفشون ويحدّثون به قبل أن يحدّث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {وَإِذَا جَآءَهُمْ} يعني المنافقين، {أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ} [كظفر المسلمين وقتل عدوّهم] {أَوِ ٱلْخَوْفِ} كالهزيمة والقتل. {أَذَاعُواْ بِهِ} أي أشاعوه وأفشوه {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ} أي وإن لم يحدّثوا به ولم يفشوه حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدّث به ويفشيه، وأولي الأمر أهل الرأي من الصحابة، مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
{لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ}.
الكلبي عن أبي صالح وابن عباس، وعلي بن الحكم عن الضحاك: يستنبطونه أي يتّبعونه.
وقال عكرمة: يحرصون عليه ويسألون عنه، وقال ابن عبيدة والقتيبي: يخرجونه، ويقال: استنبط إستنبطه الماء إذا أخرجه.
[جويبر] عن الضحاك عن ابن عباس في قوله {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ} إنّ المنافقين كانوا إذا أمُروا بالقتال لم يطيعوا الله فيما أمرهم به، وإن نهاهم عن محارمه لم ينتهوا عنها، وإن أفضى الرسول إليهم سراً أذاعوا به إلى العدوّ ليلاً بتكتّم، فأنزل الله تعالى ردّاً عليهم {وَلَوْ رَدُّوهُ} يعني آمورهم في الحلال والحرام (إلى الرسول) في التصديق به والقبول (وإلى أولي الأمر منهم) يعني حملة الفقه والحكمة {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} يعني الذين يفحصون عن العلم. ثم قال {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي معناه لاتّبعتم الشيطان كلّكم.
قال الضحاك: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يأمرهم بأمر من أمور الشيطان.
قال ابن عباس: فضل الله الإسلام ورحمته القرآن (لاتّبعتم الشيطان إلاّ قليل) يعني بالقليل الذي امتحن الله قلوبهم يعني على هذا القول يكون قوله {إِلاَّ قَلِيلاً} مستثنى من قوله {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ}.
وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير معناه: لعلمه الذين يستنبطونه إلاّ قليلاً.
وقال بعضهم: معناه: إذا أذاعوا به قليلاً لم يذع ولم يفش، وهكذا قال الكلبي: واختار الفرّاء أيضاً هذا القول. وقال: لأنّ علم الله فاعتبر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعضهم دون بعض لذلك أُستحسن الاستثناء من الإذاعة، وفي هذه الآية دليل ممن يحبون القول بالإجتهاد عند عدم النص.
قال الله تعالى {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} فالعلم محيط بالاستنباط، ليس تلاوة.
وإذا كان إدراكه بالاستنباط، فقد دل بذلك على أن من العلم مايدرك بالتلاوة والرواية وهو النص.
ومنه ما يدرك منه ومن المعنى، وحقيقة الاعتبار والاستنباط من القياس للحكم بالمعاني المودعة في النصوص غير الحكم بالنصوص {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما التقى هو وأبو سفيان بن حرب يوم أُحد وكان من هربهم ما كان، ورجع أبو سفيان إلى مكة فواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد قال الناس: اخرجوا إلى العدو.
فكرهوا ذلك كراهه شديدة أو بعضهم، فأنزل الله تعالى {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} أي لاتدع جهاد العدو وإنصاف المستضعفين من المؤمنين ولو وحدك.
وقيل: معناه لاتلزم فعل غيرك ولاتؤخذ به ولم يرد بالتكليف الأمر لأنه يقتضي على هذا القول ألا يكون غيره مأموراً بالقتال.
والفاء في قوله (فقاتل) جواب عن قوله {وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} فقاتل {وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} على القتال أي حثَّهم على الجهاد ورغّبهم فيه، فتثاقلوا عنه ولم يخرجوا معه إلى القتال، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكباً حتى أتى موسم بدر، فكفّ بهم الله تعالى بأس العدو ولم يوافقهم أبو سفيان ولم يكن له أن يُوافق، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه.
وذلك قوله {عَسَى ٱللَّهُ} أي لعل الله {أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواًْ} أي قتال المشركين وصولتهم حين ولّيتم وهي من الله واجب، حيث كان، وقد جاء في كلام العرب بمعنى اليقين.
قال ابن مقبل:

ظنّي أنهم كعسى، وهم بنتوفةيتنازعون جوائز الأمثال

{وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً} أي أشد صولة وأعظم سلطاناً وأقدر على مايريد {وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} أو عقوبة.
فإن قيل: إذا كان من قولكم: إن عسى من الله واجب فقد قال الله {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ونحن نراهم في بأس وشدة، فأين ذلك الوعد؟ فيقال لهم: قد قيل: إن المراد به الكفرة الذين كفّ بأسهم في بدر الصغرى، والحديبية بقوله
{ وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ } [الفتح: 24] الآية، فإن كان ظاهرها العموم فالمراد منها الخصوص.
وقيل: أراد به المدة التي أمر الله فيها القتال لزوال الكفر بقوله
{ { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ } [الأنفال: 39] فعند ذلك يكف بأس الذين كفروا، وهو الوقت. حتى ينزل فيه [المهدي] فيكون حكماً قسطاً ويظهر الإسلام على الدين كله.
وقيل: إن ذلك في القوم قذف الله في قلوبهم الرعب وأخرجهم من ديارهم وأموالهم بغير قتال من المؤمنين لهم وهذا بأس قد كفّه الله عن المؤمنين.
وقد قيل: إنه أراد به اليهود والنصارى وهم يعطون الجزية وتركوا المحاربة، وقد كف بأسهم عن المؤمنين إذ صاروا يؤدّون الجزية صاغرين.